من حق السوري أن يعترض
هناك جملة تبدو للوهلة الأولى عابرة، لكنها تختصر مشكلة أعمق بكثير في طريقة النظر إلى المواطن وحقوقه: “احمدوا ربكم، هلأ صرتوا تقدروا تفتحوا تمكم.. زمان ما كنتوا تقدروا تحكوا”. المشكلة في هذه العبارة ليست فقط مستفزة، بل تفترض أن حرية الكلام منحة تقدمها السلطة للمواطن، وأن عليه مقابل هذه المنحة أن يكون ممتناً وصامتاً. هنا تحديداً يجب أن نتوقف من قال إن السوري مطالب بأن يشكر أحداً لأنه استطاع أن يعترض؟
حرية التعبير ليست مكافأة، والاحتجاج ليس امتيازاً، والنقد ليس معروفاً يعطى للمواطن. هذه حقوق أساسية، وأي دولة تريد أن تبني علاقة مختلفة مع مواطنيها عليها أن تتعامل معها على هذا الأساس. السوري لم يعش سنوات الخوف والفقد والنزوح والاعتقال والدمار لكي يصل في النهاية إلى مرحلة يُقال له فيها: “كان بإمكانك أن تصمت، أما الآن فقد سمحنا لك بالكلام”.
المطلوب ليس فقط أن يستطيع السوري الكلام، بل أن يشعر أن كلامه لا يجعله متهماً. من حقه أن يسأل المسؤول: لماذا اتخذت هذا القرار؟ ومن حقه أن يقول لمسؤول آخر: أخطأت. من حقه أن يطالب بإقالة مسؤول يرى أنه فشل في أداء مهمته. ومن حقه أن يخرج في احتجاج سلمي ليقول: إنه يرفض قراراً أو سياسة أو إجراءً حكومياً. هذا ليس تمرداً على الدولة. هذا جزء من العلاقة الطبيعية بين الدولة والمجتمع.
المشكلة تبدأ عندما تتحول مقارنة الحاضر بالماضي إلى وسيلة لإسكات الناس. “كان الوضع أسوأ”.”كنا لا نستطيع أن نتكلم”.”احمدوا ربكم لأنكم اليوم تستطيعون الانتقاد”. لكن ماذا تعني هذه العبارات عملياً؟ تعني أن المواطن يجب أن يقيس حقوقه على ما كان محروماً منه، بدل أن يقيسها على ما يستحقه. وهذه معادلة خطيرة. فإذا أصبحت كل مطالبة بالإصلاح قابلة للإجابة بجملة “كان الوضع سابقاً أسوأ”، فلن تعود هناك حاجة إلى إصلاح.
يمكن تبرير ارتفاع الأسعار لأن الفقر كان أكبر. ويمكن تبرير فشل المؤسسات لأن المؤسسات كانت أسوأ. يمكن تبرير أخطاء المسؤولين لأن المسؤولين في السابق كانوا أكثر سوءاً. ويمكن مطالبة المحتجين بالصمت لأن مجرد السماح لهم بالاحتجاج يُقدَّم باعتباره إنجازاً كافياً. بهذه الطريقة تتحول الدولة من مشروع لبناء المستقبل إلى مشروع دائم للمقارنة بالماضي. وهذا ليس ما يحتاجه السوريون.
نعم، هناك فرق بين الاحتجاج السلمي والتخريب، وهناك فرق بين النقد والاعتداء، وهناك فرق بين المطالبة بالمحاسبة وبين ممارسة العنف. من حق الدولة أن تحمي الممتلكات العامة والخاصة، وأن تمنع الاعتداء، وأن تلاحق من يرتكب جريمة. لكن ليس من حقها، ولا من حق أي طرف يتحدث باسمها، أن يضع الاعتراض السلمي في الخانة نفسها مع التخريب.
المواطن الذي يرفع لافتة احتجاج لا يصبح عدواً للدولة. والمواطن الذي يطالب بإقالة مسؤول لا يعلن الحرب على مؤسساتها. والصحفي الذي ينتقد الحكومة لا يرتكب خيانة لأنه لم يصفق. بل إن قدرة الدولة على تحمل هذا النوع من النقد هي أحد الاختبارات الحقيقية لأي حديث عن مرحلة جديدة.
المسؤول الذي يعتقد أن قراره صحيح يستطيع أن يشرح للناس أسبابه. وإذا كان القرار خاطئاً، فالمطلوب تصحيحه، لا الدفاع عنه إلى ما لا نهاية. وإذا كان المسؤول قد فشل، فمن حق الناس أن يسألوا: لماذا ما زال في موقعه؟ هذه ليست أسئلة تآمرية إنها أسئلة مشروعة. وهنا تكمن المشكلة الأعمق في ثقافة “احمدوا ربكم”. فهي لا تتعلق بالكلام وحده، بل بنموذج كامل للعلاقة بين السلطة والمجتمع: نحن نعطي، وأنتم تشكرون. نحن نسمح، وأنتم تصمتون. نحن نقرر، وأنتم تتكيفون.
لكن الدولة الحديثة لا تقوم على هذه العلاقة، المواطن ليس تابعاً للمسؤول، والمسؤول ليس صاحب فضل على المواطن لأنه سمح له بالتعبير. الحقوق ليست هدايا سياسية. والحرية ليست منّة والمساءلة ليست مؤامرة. قد يخطئ المواطن في اعتراضه، وقد يكون احتجاجه في غير محله، وقد تكون بعض مطالبه غير واقعية. لكن معالجة ذلك تكون بالنقاش والحجة والقانون، لا بإهانته أو تخوينه أو مطالبته بالصمت. الدولة التي تخاف من سؤال مواطن لن تبني ثقة حقيقية معه.
والحكومة التي لا تستطيع شرح قراراتها للناس ستجد نفسها عاجلاً أو آجلاً أمام فجوة أكبر بينها وبين المجتمع. أما تحويل الصمت إلى معيار للولاء، فهذه وصفة لإعادة إنتاج الخوف، حتى لو تغيرت الكلمات وتبدلت الوجوه.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظًا خلال السنوات الماضية، ولهذا تحديداً لا يجوز استخدام تلك التضحيات لإسكاتهم. من دفع ثمناً كبيراً من أجل الوصول إلى مساحة من الحرية، من حقه أن يستخدمها. ومن حقه أن يختلف ومن حقه أن ينتقد ومن حقه أن يحتج ومن حقه أن يقول “لا”.
ليس المطلوب أن تصفق الناس للحكومة، كما ليس المطلوب أن تعارضها لمجرد المعارضة. المطلوب أبسط من ذلك بكثير: أن يكون المواطن قادراً على الكلام، وأن تكون السلطة قادرة على الاستماع. وعندما يعترض السوري، لا تقولوا له: (احمد ربك لأنك صرت تقدر تحكي) وإذا فشل المسؤول، فليتحمل مسؤولية فشله.
فالمرحلة الجديدة لا تُبنى بعدد الذين يصفقون، بل بقدرة مؤسساتها على تحمل النقد والمساءلة والاختلاف. الدولة التي تريد مستقبلاً مختلفاً لا تحتاج إلى مواطن صامت. تحتاج إلى مسؤول يستطيع أن يجيب: “سنُصلح الخطأ”. وهنا فقط يصبح الاعتراض جزءاً من بناء الدولة، لا تهمة ضدها.