الكابوس... موظفون يدربون الروبوتات على انتزاع وظائفهم

المصدر : INDEPENDENT | الأحد , 10 أيار | : 78

تتحول مواقع العمل والمنصات الرقمية إلى معامل تدريب ضخمة للذكاء الاصطناعي، حيث يُسهم العمال والمستخدمون، بوعي أو من دونه، في تطوير أنظمة قد تنتهي بإزاحتهم من وظائفهم وتعميق اختلال القوة بين الشركات والعمال. ومع اتساع نفوذ شركات التكنولوجيا وتقدم الروبوتات والذكاء الاصطناعي العام، يتزايد الخوف من سوق عمل أكثر هشاشة ولا مساواة، تُحتكر فيه المكاسب فيما يدفع العاملون ثمن التحول.

في أحد المصانع في مدينة بنغالور الهندية، يجلس عمال أمام آلات الخياطة وقد ثُبتت كاميرات على رؤوسهم. وعلى الجانب الآخر من العالم، يؤدي موظفون في مكتب بكاليفورنيا أعمالهم تحت رقابة دائمة من برمجيات تتعقب كل نقرة وضغطة على لوحة المفاتيح وحركة للفأرة على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم.

والمجموعتان معاً جزء من مبادرات جديدة تهدف إلى تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على أداء وظائف البشر، أي وظائفهم هم تحديداً، أملاً في أن تتمكن الآلات يوماً ما من الحلول محلهم.

ويعمل موظفو المكاتب في كاليفورنيا لدى شركة "ميتا"، وليس جميعهم مرتاحين لما يجري. فقد وصف بعضهم الوضع بأنه "كابوسي"، لا سيما في وقت تشهد الشركة المالكة لـ"فيسبوك" و"إنستغرام" موجة كبيرة من تسريح الموظفين. أما الرجل الذي يقف وراء ذلك كله، مارك زوكربيرغ، فيُقال إنه يعمل حتى على تطوير وكيل ذكاء اصطناعي يمكنه أن يؤدي بصورة مستقلة بعض مهامه كرئيس تنفيذي.

أندرو بوسوورث، كبير مسؤولي التكنولوجيا في "ميتا"، يقول إن الهدف هو جعل الشركة تعمل بكفاءة أكبر، غير أن امتداد نفوذ الشركة وتأثيرها عالمياً قد يجعل انعكاسات ذلك تطاول الناس في أنحاء العالم كافة.

وفي مذكرة وجهها إلى الموظفين هذا الشهر، قال بوسوورث: "نعمل على تحقيق رؤية يتولى فيها وكلاؤنا معظم العمل، فيما يقتصر دورنا على التوجيه والمراجعة ومساعدتهم على التحسن"، مضيفاً أن حتى هذا الدور البشري المحدود في هذا النموذج سيُستغنى عنه تدريجاً.

وقال إن الهدف هو أن يتمكن وكلاء الذكاء الاصطناعي من "رصد المواضع التي شعرنا فيها بالحاجة إلى التدخل تلقائياً، حتى يصبحوا أفضل في المرة التالية".

ولا ينقص هذا المشهد سوى كلب مرافق حتى يطابق التنبؤ الكابوسي الذي أطلقه الأكاديمي الأميركي وارن بينيس في تسعينيات القرن الماضي، حين قال إن مصنع المستقبل لن يضم سوى موظفين اثنين: "رجل وكلب. الرجل موجود لإطعام الكلب. والكلب موجود لمنع الرجل من لمس المعدات".

وفي تقرير صدر عن "صندوق النقد الدولي" في وقت سابق من هذا العام، خلصت المؤسسة إلى أن نحو 40 في المئة من الوظائف حول العالم باتت معرضة بالفعل لتغيرات يقودها الذكاء الاصطناعي. ودعا معدو التقرير صانعي السياسات إلى ضمان تقاسم المكاسب الاقتصادية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بدلاً من تركزها في أيدي الشركات وحدها.

وقد تتفاقم خسارة الوظائف مع التوسع في إدخال الروبوتات الشبيهة بالبشر إلى سوق العمل، إذ تملك هذه الآلات مرونة تتيح لها أداء مهام كانت حتى وقت قريب حكراً على البشر، من تشغيل آلات الخياطة إلى العمل في مواقع البناء.

وكشف استطلاع للرأي أجري العام الماضي بتكليف من "مؤتمر نقابات العمال" في بريطانيا (TUC) أن نحو ثلثي الشباب يخشون فقدان وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي. وحذرت الهيئة النقابية من أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد إنتاج "كارثة تراجع التصنيع وتداعياتها الطويلة الأمد"، وقد يدفع بريطانيا إلى الانزلاق، من دون وعي، نحو سوق عمل تهيمن عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وقالت كيت بيل، مساعدة الأمين العام لـ"مؤتمر نقابات العمال"، في ذلك الوقت: "إذا تُركت ثورة الذكاء الاصطناعي بلا إدارة، ووقعت في الأيدي الخطأ، فقد تكرّس أشكالاً صادمة من عدم المساواة مع تدهور الوظائف أو زوالها، فيما تتضخم ثروات أصحاب الأسهم".

وهذا الرأي يردده أيضاً ديفيد شيرمان، رئيس استراتيجية العلامة التجارية في شبكة "io.net" اللامركزية لوحدات معالجة الرسومات، في أعقاب لجوء "ميتا" إلى أدوات مراقبة الموظفين لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ويقول شيرمان لـ "اندبندنت": "عندما تتحكم حفنة من الشركات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فإنها هي التي تضع الشروط، بينما يتحمل الجميع الآخرون الكلفة". ويضيف: "سيرفعون فواتير الطاقة عليكم تدريجاً، ويدرّبون الذكاء الاصطناعي على أعمالكم ليحل محلكم، ثم يتصرفون كما لو أن فقدان الوظائف أمر لا مفر منه، لا نتيجة لقرار اتخذوه هم أنفسهم".

ولا يقتصر تدريب الذكاء الاصطناعي على العمال وحدهم، إذ إن مليارات البشر يدرّبون الآلات منذ سنوات من دون أن يدركوا ذلك. ففي وقت سابق من هذا العام، دخلت الشركة المطوِّرة للعبة "بوكيمون غو" في شراكة مع شركة لتوصيل الطلبات بواسطة الروبوتات، من أجل توفير بيانات جماعية جُمعت على مدى عقد كامل من لاعبي لعبة الواقع المعزز.

وقد استُخدمت قاعدة البيانات هذه، التي تضم أكثر من 30 مليار صورة، لإنشاء "نظام تموضع بصري" VPS قادر على تحديد الموقع بدقة تصل إلى بضعة سنتيمترات من دون الاعتماد على أقمار تحديد المواقع GPS. ويمنح ذلك روبوتات التوصيل الذاتية قدرات ملاحة لا تضاهى، تتيح لها التنقل في أماكن لا تصل إليها تقنيات الخرائط التقليدية، مثل داخل المباني أو على مسارات المتنزهات.

أما أنظمة "كابتشا" CAPTCHA، فتؤدي دوراً في تدريب الذكاء الاصطناعي منذ زمن أطول بكثير. فكلما حدد مستخدم للإنترنت إشارة مرور أو دراجة هوائية داخل مجموعة صور لإثبات أنه إنسان، كان يسهم من دون قصد في تحسين أنظمة القيادة لدى سيارات "وايمو" الذاتية التابعة لـ"غوغل". كذلك ساعد فك النصوص المموهة في رقمنة الكتب والصحف المؤرشفة، فيما صارت قطع الأحجية التي يجرها المستخدم عبر الشاشة تزود أنظمة الذكاء الاصطناعي السلوكي ببيانات أساسية.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب بعض التقديرات، وفرت اختبارات "كابتشا" التابعة لـ"غوغل" أكثر من 800 مليون ساعة من العمل غير المدفوع، في ما يُعد على الأرجح واحدة من أكبر عمليات السطو في تاريخ التكنولوجيا.

وقد أثار هذا الاتجاه التدريبي مخاوف لدى خبراء في القطاع، إذ شكك بعضهم في قانونية وأخلاقية ممارسات شركات التكنولوجيا.

وفي هذا السياق، تقول فيرجينيا دويلغاست، أستاذة علاقات العمل وتسوية النزاعات في جامعة كورنيل الأميركية، إن جمع البيانات هذا قد يكون غير قانوني في بعض البلدان. وتقول لـ "اندبندنت": "ينتج العمال قيمة إضافية لأصحاب العمل. فهل يتلقون تعويضاً عن ذلك؟ وهل يُمنحون خيار القبول أو الرفض؟ على الأرجح لا".

ومن جانبها، وصفت روتشي غوبتا، المديرة التنفيذية لمؤسسة "مستقبل الهند"، العمال المزودين بالكاميرات في مصنع بنغالور بأنهم مثال على "الاختلال الفادح في ميزان القوى بين رأس المال والعمل"، وهو ما يتجلى بوضوح خاص في البلدان النامية مثل الهند.

وكتبت غوبتا في سلسلة منشورات على منصة "إكس": "لا يملك العمال أي قدرة على رفض ارتداء الكاميرات التي تدرب أنظمة ستنتهي باستبدالهم هم أنفسهم". وأضافت: "في بلد فقير وكثيف السكان مثل الهند، نادراً ما تتوافق مصالح رأس المال والعمل".

وفي الحقيقة، ليس في هذا كله جديد تماماً. فقد ظل البشر، منذ آلاف السنين، يبتكرون ما يجعلهم يستغنون عن بعض أعمالهم، منذ أن اخترعوا العربات ذات العجلات لنقل البضائع، أو علموا الثيران جر المحاريث بكفاءة تفوق ما يستطيع أي إنسان تقديمه.

وعبر التاريخ، أتاح ذلك للبشر ابتكار وظائف جديدة، ودفع عجلة التقدم التكنولوجي إلى الأمام. لكن هذه المرة قد تكون مختلفة. فمع ظهور "الذكاء الاصطناعي العام" AGI، أي الذكاء الذي يضاهي الإنسان، قد تصبح الأدوات التي تحل محلنا قريباً الأقدر على ابتكار الوظائف الجديدة، والأقدر أيضاً على أدائها.

© The Independent