كشف برنامج سري للمركبات الفضائية العسكرية الصينية منذ 2020
نجحت أقمار تجسس أميركية تنتشر في الفضاء وعلى مسافات أعلى بكثير من المدار الأرضي المنخفض قبل عامين "صدفة"، في رصد واحدة من أهم المركبات الفضائية العسكرية الصينية، والتقطت لها صورة دقيقة للغاية. واكتفت وكالة الفضاء الصينية بالقول إن "شينلونغ" تسهم في اختبار تقنيات ستمهد الطريق لوسائل أكثر ملاءمة وأقل كلفة للقيام برحلات ذهاب وإياب، بهدف الاستخدام السلمي للفضاء في المستقبل.
في وقت أعلنت فيه أميركا أخيراً رسمياً امتلاكها أسلحة جديدة للفضاء، تبقي الصين برنامجها القتالي المداري، الذي يعتقد أن قوامه أربع مركبات فضائية، سرياً للغاية.
وأخيراً، نجحت أقمار تجسس أميركية تنتشر في الفضاء وعلى مسافات أعلى بكثير من المدار الأرضي المنخفض، في رصد واحدة من أهم المركبات الصينية السرية، التي باتت تعرف باسم مركبة "شينلونغ" (Shenlong)، إذ التقط قمر اصطناعي أميركي تجاري صورة دقيقة للمركبة.
وفي تعليقها على ذلك، اكتفت وكالة الفضاء الصينية بالقول إن مركبتها "شينلونغ تسهم في اختبار تقنيات ستمهد الطريق لوسائل أكثر ملاءمة، وأقل كلفة، للقيام برحلات ذهاب وإياب، بهدف الاستخدام السلمي للفضاء في المستقبل".
في هذا السياق، أفاد موقع "سبيس دوت كوم" بأن "الصورة الدقيقة تظهر المركبة الفضائية الآلية شينلونغ وهي ملتحمة بقمر اصطناعي آخر"، فيما لم يعرف بعد ماهية هذا القمر، لكن الصورة تظهر أبواب حجرة الحمولة الخاصة بـ"شينلونغ"، وهي في وضع مفتوح أيضاً.
من جهته أكد الصحافي المتخصص بشؤون الفضاء "بريت تينغلي" أن أبواب حجرة الحمولة هذه قد تقدم أدلة حول طبيعة المهمة الرابعة للمركبة شينلونغ، التي انطلقت في فبراير (شباط) 2026، وقد يناقض ذلك ما ذكرته وكالة الفضاء الصينية حول الاستخدام السلمي للمركبة.
ووفق تينغلي فإن "مراقبين رصدوا قيام شينلونغ بإطلاق أجسام أخرى أثناء وجودها في المدار، ففي يونيو (حزيران) 2026، على سبيل المثال، أفادت شركة ليو لابز (LeoLabs) الأميركية المتخصصة في استخبارات الفضاء بأنها رصدت جسماً جديداً بالقرب من المركبة".
أثار هذا الاكتشاف مخاوف أميركا من أن الصين قد تضع قريباً أسلحة موجهة في الفضاء، وأشارت تقارير وكالة استخبارات الدفاع الأميركية (DIA) إلى أنه وبعد اكتشاف نشاط المركبة الصينية التي "لم تتمكن من الاختباء في المدار الأرضي المنخفض"، أتاحت وكالة الاستخبارات الأميركية قبل أيام قليلة صورة المركبة الفضائية الصينية "ذات الأجنحة"، التي تبدو مطابقة إلى حد كبير للمركبة الفضائية العسكرية الأميركية "X-37B" أمام الجمهور.
وكشف المسؤولون الأميركيون عن صور لمركبات "X-37B"، وهي من تصنيع شركة "بوينغ" (Boeing)، كما نشروا معلومات حول تصميمها وأبعادها، مفصحين عن بعض التجارب التي نقلت على متنها إلى المدار، على رغم ذلك تظل معظم أنشطة المركبة الفضائية الأميركية "X-37B" في الفضاء سرية أيضاً.
قال الصحافي الأميركي "ستيفن كلارك" عن برنامج المركبات الفضائية الصينية السري، "إن الصين أطلقت أربع مهمات لمركبات فضائية فائقة السرية منذ عام 2020، وصلت مدة بعضها إلى تسعة أشهر. فيما توجد المهمة الرابعة حالياً في المدار، بعد أن انطلقت في فبراير الماضي". وأشار كلارك إلى أنه "من غير المعروف علناً ما إذا كانت الصين تمتلك مركبة واحدة من هذا النوع أم أكثر؟"، مضيفاً "لكن في 2024 التقط القمر الاصطناعي التجاري التابع لشركة ماكسار (Maxar) المعروفة سابقاً باسم فانتور (Vantor) صورة دقيقة لواحدة من أهم تلك المركبات، وبذلك أصبحت صور دقيقة للمركبة متاحة أمام الأميركيين". وتعد "ماكسار" واحدة من الشركات التي توفر صوراً استطلاعية لمواقع حول العالم لصالح الجيش الأميركي ووكالات الاستخبارات الأميركية، إذ يمكن لهذه الأقمار الاصطناعية المتخصصة في تصوير الأرض توجيه تلسكوباتها نحو أجسام في الفضاء أيضاً.
أدرجت وكالة استخبارات الدفاع الأميركية (DIA) اكتشاف نشاط المركبة الصينية التي "لم تتمكن من الاختباء في المدار الأرضي المنخفض" تحت بند تقييم التهديدات، الذي أشار بدوره إلى أن الصين قد تضع قريباً أسلحة طاقة موجهة في الفضاء.
وتتميز المركبة الفضائية الصينية فائقة السرية، وفق ستيفن كلارك، "بأجنحة مثلثة (دلتا)، وأبواب لحجرة الحمولة، ودرع حراري داكن اللون، ووحدة خدمات مثبتة في الجزء الخلفي مزودة بألواح شمسية لتوليد الطاقة"، ولذلك أشار خبراء الفضاء الأميركيون إلى أن تصميم هذه المركبة الصينية يعد إلى حد كبير نسخة طبق الأصل من المركبة الفضائية "X-37B"، التي تشغلها قوة الفضاء الأميركية.
بدوره أكد الصحافي "بريت تينغلي"، وهو مدير التحرير في موقع "سبيس دوت كوم" (Space.com)، أنه "وفي ظل التنافس المحتدم حالياً بين الصين والولايات المتحدة على الصدارة في ما يصفه عدد من المراقبين بسباق فضاء جديد، قد تكون لمحات نادرة كهذه وسيلة تستخدمها المؤسسات العسكرية وأجهزة الاستخبارات للكشف الجزئي عن قدراتها، من دون الإفصاح عنها بالكامل للجمهور". وقبل صدور تقييم وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، كانت هناك صور غير دقيقة للمركبة الفضائية الصينية، مما منع الوكالة من إيضاح صورتها العامة وجعل الصورة متاحة للجمهور. وكشف مسؤول في قوة الفضاء الأميركية عن عملية الرصد التي قامت بها "ماكسار" خلال مؤتمر عقد في كوريا الجنوبية قبل عامين، لكن البنتاغون لم ينشر الصورة عالية الدقة للجمهور إلا قبل أيام قليلة، إذ وردت الصور ضمن تقييم علني أعدته وكالة استخبارات الدفاع حول التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة في الفضاء.
بدورها تمتلك قوة الفضاء الأميركية مركبتين من طراز "X-37B" تعملان بالتناوب، إذ استمرت أطول مهمة من بين مهماتها الثماني حتى الآن، لمدة عامين ونصف عام، منذ لحظة الإطلاق وحتى الهبوط. وكشف مسؤولون أميركيون سابقاً عن صور لمركبات "X-37B"، ونشروا معلومات حول تصميمها وأبعادها، كما أفصحوا عن بعض التجارب التي نقلت على متنها إلى المدار. ولكن وكالة استخبارات الدفاع الأميركية ذكرت في تقرير لها أن "القدرة العالية على المناورة" التي تتمتع بها المركبات الفضائية الصينية تجعلها "أكثر ملاءمة لمهمات معينة، مقارنة بالأقمار الاصطناعية التقليدية".
يذكر أنه وحتى الآن، لم تحلق المركبة الفضائية الصينية إلا في المدار الأرضي المنخفض وعلى ارتفاع بضع مئات من الأميال. في المقابل، وصلت إحدى رحلات المركبة "X-37B" التابعة لقوة الفضاء الأميركية إلى ارتفاع يزيد على 24 ألف ميل، قبل أن تستخدم تقنية "الكبح الهوائي" (aerobraking) للتمهيد لدخول الغلاف الجوي والهبوط.
ومثلها مثل المركبة "X-37B"الأميركية، تنطلق المركبة الفضائية الصينية شينلونغ داخل غطاء الحمولة لصاروخ تقليدي، ثم تعمل كقمر اصطناعي بمجرد وصولها إلى المدار. وتحلق المركبة التي تشبه أيضاً نسخة مصغرة وغير مأهولة من مكوك الفضاء التابع لوكالة "ناسا"، ثم تعود لدخول الغلاف الجوي لتهبط ذاتياً على مدرج أرضي في نهاية كل مهمة، لتقوم بعدها الفرق الأرضية بتجهيزها لرحلة أخرى، وذلك وفقاً لموقع "أرسي تكنوليجز".
تضمن تقييم وكالة استخبارات الدفاع الأميركية للتهديدات الفضائية تحديثاً حول مساعي الصين لتطوير تكنولوجيا مضادة للأقمار الاصطناعية، أو ما يعرف بـ"الأسلحة المضادة للفضاء"، وتشير الوكالة إلى أن الجيش الصيني يرى على الأرجح في "أسلحة الطاقة الموجهة" (DEWs) أنظمة مثالية لمواجهة الأقمار الاصطناعية، وذلك لقدرتها على تعطيل الأقمار الأخرى بصورة دائمة أو موقتة. وقد ذكرت الوكالة أن "الصين تمتلك أسلحة ليزر أرضية متعددة ذات مستويات طاقة متفاوتة، تهدف إلى التشويش على الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض أو إضعافها أو إلحاق الضرر بها". وأضافت الوكالة وفق الصحافي ستيفن كلارك أنه "بحلول أواخر العشرينيات من القرن الحالي، قد تنشر الصين أنظمة طاقة موجهة في الفضاء، إلى جانب أنظمة أرضية أكثر قوة قادرة على تهديد الأقمار الاصطناعية في مدارات أعلى".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما أشارت الوكالة إلى اختبارات الصين لصواريخ أرضية مضادة للأقمار الاصطناعية، ولفتت أيضاً إلى إنجازها "التاريخي" العام الماضي المتمثل في إعادة تزويد قمر اصطناعي بالوقود في المدار المتزامن مع الأرض على ارتفاع نحو 36 ألف كيلومتر فوق خط الاستواء، وهو إنجاز لم تحققه أية دولة أخرى خارج المدار الأرضي المنخفض. وإضافة إلى ذلك، اختبرت الصين ذراعاً آلية قادرة على التقاط مركبة فضائية وإخراجها من مدارها، كما تدير حالياً مجموعة متنامية من الأقمار الاصطناعية تعرف باسم "TJS"، التي تقترب بصورة دورية من مركبات فضائية تابعة لدول أخرى.
تشير مقالتا كل من "ستيفن كلارك" و "بريت تينغلي" إلى أن أميركا تراقب الفضاء الصيني من كثب، وأنها تفعل ذلك بكثير من التوجس والقلق، أما ما أثار قلق أميركا أكثر من أي شيء آخر، فهو تقدم أحد خصميها اللدودين، الصين وروسيا، عليها في مجال أسلحة الفضاء. فالمركبات الفضائية من نوع هذه المركبة الصينية السرية الغامضة، يمكن لها إطلاق أقمار اصطناعية صغيرة من حجرة الشحن الخاصة بها. من جهة ثانية، أظهرت الصين أخيراً قدرة على التقاط جسم ما في المدار، باستخدام ذراع آلية. إذ قامت المركبة الموجودة حالياً في الفضاء "شينلونغ"، بإطلاق قمر اصطناعي في يونيو الماضي، ثم أعادت التقاطه في يوليو (تموز)، وكررت العملية ذاتها في أغسطس (آب) وسبتمبر(أيلول)، وذلك وفقاً لتحليل بيانات تتبع المدارات المتاحة للجمهور، الذي أجراه "جوناثان ماكدويل" عالم الفيزياء الفلكية المتخصص في رصد وتوثيق أنشطة الرحلات الفضائية.
لم تكشف وكالة استخبارات الدفاع الأميركية عن الظروف الدقيقة التي رصدت فيها شركة "ماكسار" هذه المركبة الفضائية الصينية، ولم توضح توقيت الرصد أو موقعه أو المسافة الفاصلة بالضبط، إلا أن عمليات رصد الأجسام من الأرض أو حتى في الفضاء تعتمد غالباً على استخدام الكاميرات لمراقبة أجسام أخرى أثناء تقاطع مداراتها، وهو مجال ناشئ يعرف بـ"التصوير من خارج الأرض" (Non-Earth Imaging – NEI).
ووفق الصحافي كلارك "يتيح هذا المجال للمشغلين التجاريين والمحللين الحكوميين فحص الأقمار الاصطناعية، وهو أمر مفيد بصورة خاصة لجمع معلومات حول تصاميم الأقمار السرية أو المملوكة لجهات خاصة، مما يفتح آفاقاً جديدة للتجسس الدولي أو المؤسسي في الفضاء الخارجي".
تختلف القدرات والتحركات الأخيرة لبعض المركبات الفضائية العسكرية الصينية والروسية عن قدرات قوة الفضاء الأميركية. وعلى سبيل المثال، قامت المركبة الروسية "كوزموس 2612 (Kosmos 2612) أخيراً بمناورة "متعمدة"، للاقتراب من قمر اصطناعي أميركي مخصص للتصوير الراداري.
ووفقاً لمسؤولين في الاستخبارات الأميركية، فإن روسيا تعمل أيضاً على برنامجها القتالي المداري الخاص، الذي يتضمن طموحاً لنشر سلاح نووي في الفضاء. كما طورت روسيا نظام تسليح أكثر تقليدية يعرف باسم "نيفيلير" (Nivelir)، وهو مصمم لإطلاق "مقذوفات" من قمر اصطناعي باتجاه قمر آخر لتدميره. وأجرى الجيش الروسي محاكاة لهجوم باستخدام هذا النظام في عام 2020. وفي أبريل (نيسان) الماضي، أطلقت روسيا مجموعة أقمار اصطناعية صغيرة في مدار قريب من قمر اصطناعي تجاري أميركي مزود برادار، وهو قمر يوفر صوراً استطلاعية لأوكرانيا. كما ذكر مسؤولون أميركيون أن أحد الأقمار الروسية اقترب في وقت سابق من هذا الشهر لمسافة "عشرات الأمتار" من قمر اصطناعي أميركي، قبل أن يبتعد منه مجدداً.