الزراعة المائية في سوريا.. 3 ميزات رئيسة وتجارب تحدد شروط النجاح

المصدر : سانا | الأثنين , 21 أيلول | : 33

دمشق-سانا

أمام الجفاف المتكرر وانحسار الأراضي الزراعية بفعل الزحف العمراني، تبرز الزراعة المائية في سوريا كخيار إستراتيجي يتجاوز عقبة التربة، ويوفر الجزء الأكبر من المورد المائي الشحيح.

يقول حسان الضاهر، وهو صاحب مشروع زراعي قائم على فكرة الزراعة بلا تربة إن واقع المنطقة التي يعيش فيها شرقي حمص، يناسبه هذا النمط من الزراعة في ظل تحديات مرتبطة بالمياه وطبيعة التربة.

وأوضح في حديثه لـ سانا أن بحثه عن أسلوب يضمن إنتاجاً جيداً بأقل استهلاك ممكن للمياه قاده إلى الزراعة المائية كخيار مثالي، لما توفره من دقة في إدارة الري والتغذية، واستغلال أمثل للمساحات داخل البيوت المحمية.


الزراعة المائية هي طريقة زراعة مبتكرة يتم الاستغناء فيها عن التربة، وتُزرع النباتات في الماء مباشرة أو في أوساط زراعية بديلة بحيث تحصل جذور النبات على العناصر الغذائية اللازمة للنمو من خلال محلول مائي مغذٍّ.

ويعتمد هذا النمط من الزراعة على إعادة تدوير مياه الري وتقليل الفاقد، بما يتيح إنتاج المحاصيل ضمن مساحات محدودة وبتوفير مائي أقل من الزراعة التقليدية، بما يصل نسبته بين 75 و 90% وفق ما يذكر الخبير في الزراعات المائية حسام كيال.

ويشرح الخبير كيال لـ سانا كيفية عمل أنظمة الزراعة المائية حيث تعتمد على إعادة استخدام مياه الري لعدة أيام، وبعد انتهاء عملية الري تعود المياه إلى حوض التجميع، ما يحد من هدرها، إضافة إلى إمكانية زيادة الإنتاج نتيجة توفير مساحة أكبر لحركة جذور النباتات داخل الأوعية المخصصة للزراعة.

وبحسب كيال، تتميز الزراعة المائية أو الزراعة بلا تربة بثلاث ميزات رئيسة وهي مناسبتها للمناطق التي تعاني من شح الموارد المائية، أو تكون فيها المساحات الزراعية محدودة، أو وجود مساحات زراعية يصعب استثمارها بطرق تقليدية.

وعن تجربته في الزراعة المائية يبين حسان الضاهر أنه استخدم 60 متراً مربعاً فقط في مشروعه، ورغم أنه لا يزال في مرحلة التجربة والتطوير كما يذكر غير أن زراعته للخس التي بدأ بها المشروع كانت مشجعة.

وفيما يتعلق بالتجهيزات التي يحتاجها المشروع، فهي بيت محمي وخزانات ومضخات وشبكة وأنابيب أو أحواض للزراعة، إضافة إلى أجهزة قياس الحموضة والملوحة والمحاليل المغذية والبذور أو الشتول المراد زراعتها.

ويذكر الضاهر أن كلفة تجهيزات مشروعه بلغت حوالي 4500 دولار، مشيراً إلى أن الكلفة تختلف بحسب المساحة ونوع النظام والتجهيزات، وأن التقييم النهائي للجدوى الاقتصادية لمشروعه لايزال مبكراً.

وعن الأصناف الممكن إنتاجها ضمن هذا النوع من الزراعة أوضح الضاهر أن تجربته بدأت بمحصول الخس وحققت نتائج جيدة شجعته على الاستمرار، كما جرب الخيار الهجين والفريز، موضحاً أنه من المبكر تحديد محصول واحد بوصفه الأفضل، لأن نجاحه يرتبط بالإنتاج والتكاليف وسعر البيع والطلب في السوق.

وأشار الضاهر إلى أن التجربة أثبتت له أن الزراعة المائية تحتاج إلى متابعة مستمرة للمياه والمغذيات والحموضة والحرارة والتهوية، وأنه واجه في البداية صعوبات بسبب حداثة التجربة، منها مشكلات مرتبطة بالجذور وإدارة المحلول، وتعلّم من خلالها أهمية التدرج وعدم استخدام أي مادة أو معالجة قبل معرفة تأثيرها في النبات.

وأكد أن المزارع التقليدي يستطيع تعلم الزراعة المائية، لكنه يحتاج إلى فهم أساسيات النظام والتعامل مع المياه والمغذيات والجذور والظروف المحيطة، إلى جانب المتابعة اليومية وسرعة التعامل مع المشكلات.

وأشار الضاهر إلى أن مشروعه، وبعد نجاح التجربة الأولى، يحتاج إلى الدعم للاستمرار والتوسع.

وذكر الضاهر أن أبرز التكاليف التشغيلية تتمثل في الكهرباء والطاقة والمحاليل المغذية والبذور والشتول والصيانة، إضافة إلى التدفئة شتاءً والتبريد والتهوية في الفترات الحارة، مؤكداً أن نجاح المشروع يرتبط بضبط التكاليف إلى جانب تحقيق إنتاج جيد وجودة مناسبة.

ولفت إلى أهمية الطاقة الشمسية في تشغيل مشاريع الزراعة المائية، وخاصة المضخات وأجهزة التهوية، موضحاً أن حجم المنظومة يعتمد على الأحمال الفعلية، وأنها قد تخفف تكاليف التشغيل على المدى الطويل، لكنها تحتاج إلى كلفة تأسيس وصيانة يجب احتسابها ضمن دراسة الجدوى.

من جهته بين الخبير كيال أن الزراعة بلا تربة في سوريا تجاوزت مرحلة التجارب الأولية إلى مشاريع قائمة تحقق عوائد اقتصادية لأصحابها، مبيناً أن هناك مشاريع شخصية متوسطة الحجم تعمل منذ فترة في عدد من المدن والمحافظات السورية.

وأضاف أنه قد شارك في الإشراف على بعضها وقدم استشارات متخصصة في الزراعة المائية لمشاريع أخرى، إلى جانب وجود تجارب منزلية صغيرة يتابع أصحابها الاستفسارات المتعلقة بتطبيق هذا النوع من الزراعة.


وأشار إلى أن تطبيق الزراعة المائية شهد توسعاً ملحوظاً على أرض الواقع في سوريا خلال الفترة الأخيرة، مع ازدياد المشاريع والتجارب العملية، لافتاً إلى أن استمرار هذه المشاريع وتحقيقها عوائد لأصحابها يعكس إمكانية تطوير هذا النمط والاستفادة منه ضمن المناطق محدودة الموارد.

ويؤكد الخبير كيال أن اختيار هذا النظام يعتمد بشكل أساسي على نوع المحصول المستهدف واحتياجاته الزراعية، وليس على الموقع الجغرافي بحد ذاته، موضحاً أن أنظمة الزراعة المائية يمكن تطبيقها في مناطق مختلفة، مع مراعاة الظروف والمتطلبات الخاصة بكل محصول.

وأشار إلى أن نجاح هذه الزراعة يتطلب توفير عدد من الشروط؛ أبرزها البيوت البلاستيكية للحفاظ على درجات الحرارة اللازمة، والخبرة الفنية في إدارة هذا النوع، إضافة إلى مصدر طاقة لتشغيل التجهيزات المرتبطة بالأنظمة، ومنها مضخات المياه ومراوح الشفط وأنظمة التبريد.

في حين يرى الضاهر أن نجاح التوسع في الزراعة المائية أو الزراعة بلا تربة في سوريا يحتاج إلى ثلاثة عوامل أساسية هي المعرفة والتدريب، واختيار المحصول المناسب للسوق والمنطقة، وإدارة تكاليف الطاقة والمياه والإنتاج.

في منتصف شهر آب الماضي، افتتحت نظمة «كاريتاس سوريا»، بالتعاون مع مديرية زراعة دمشق وريفها، سوقاً في بلدة جديدة عرطوز بريف دمشق، لعرض وبيع منتجات الأسر المشاركة في مشروع الحدائق المنزلية بمنطقة قطنا، وقدمت من خلاله نماذج للزراعة دون تربة بنظاميها العمودي والمائي.

وأوضح مدير مشروع سبل العيش الزراعية في المنظمة ميشيل ندور أن السوق يمثل ثمرة المشروع وختام أنشطته، من خلال عرض منتجات المستفيدين ومساعدتهم على تسويقها، مبيناً أن المشروع يركز على الزراعة التجديدية والذكية مناخياً لتعزيز قدرة المزارعين على التكيف مع التغيرات المناخية وشح المياه، وبكلفة منخفضة.

في شهر شباط الماضي، وقّعت نقابة المهندسين الزراعيين، مذكرة تفاهم مع جمعية «أصدقاء جايكا» اليابانية في سوريا، حيث يتعلق جزء منها بالتدريب ودعم الخبرات في مجال الزراعة بلا تربة.

من جانبه بين وزير الزراعة باسل السويدان أن الوزارة توجه المزارعين نحو الزراعات ذات الجدوى الاقتصادية الأعلى والأقل استهلاكاً للمياه، بالتوازي مع تأهيل البنى التحتية للموارد المائية بالتنسيق مع وزارة الطاقة.

وجاء ذلك في شهر آب المنصرم خلال لقائه المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي (WFP) ماريان وورد حيث جرى بحث مجالات التعاون في عدد من الملفات والمشاريع الزراعية والتنموية.

وكانت وزارة الزراعة أطلقت في الـ 16 من شباط الماضي من هذا العام، الخطة الوطنية للقطاع الزراعي 2026-2030 التي تتضمن في جزء منها تطوير منظومة زراعية متكاملة قادرة على مواجهة التغيرات المناخية وندرة المياه، وتبني الزراعات الذكية مناخياً.