ماراثون اللا شيء.. عن السوريين الذين يركضون ولا يصلون!

المصدر : سناك سوري | الأثنين , 21 أيلول | : 26

تصفيات أولومبية في سوق الكوخ بمحافظة دير الزور، الجميع هنا يركض، الموظف والعامل وحتى المتقاعد الذي أمضى عمره في الخدمة يركض، وهذا الركض الجماعي لا يهدف لقطع مسافات أو إحراز بطولات بل لمجاراة أسعار السلع التي تركض بسرعة تحتاج إلى عداء عالمي لمجاراتها.

في السوق أنظر بعيون من حولي فأرى حزناً ثقيلاً ومزمناً يمتد من أطراف الرموش لينبت تعباً واضحاً في تفاصيل الوجه. عيون الناس المجهدة هذه باتت خبيرة في حساب الفوارق بين الرواتب والأسعار بمجرد النظر إلى واجهة المحل وهي عيون لا تنام ليلها من التفكير بطبخة الغد. فالحزن هنا رصيف ثابت يسكن ملامحنا ويمنح وجوهنا هوية موحدة من القهر المتوارث من غلاء إلى غلاء أعلى.

أما أيدينا فهي الحكاية الأكثر بلاغة في إثبات الفقر، أيدٍ خشنة تشققت من كثرة العمل والتدوير ومحاولاتنا المستمرة لشحذ الليرة لتكفي ثمن ربطة خبز أو كيلو بندورة، أصابعنا تمسك ما تبقى من فئات نقدية تالفة بقوة ليس تمسكاً بالمال بل خوفاً من أن تطير في مهب أول فواتير الطاقة أو حليب الأطفال، إنها أيدٍ تعبر بوضوح عن حجم معاناتنا حيث تحولت من أداة للبناء والراحة إلى مجرد آلات حاسبة بيولوجية تعد الخسائر على مدار الساعة.

ظرف نسكافيه بدل الـ 10 ليرات والتعرفة تتبع مزاج السائق بعد رفع المحروقات

نسير في شوارعنا بخطوات متسارعة لكن ملامحنا تؤكد أننا لا نعرف إلى أين. أخرج من بيتي صباحاً وتحركني غريزة البقاء والبحث عن أي مورد إضافي لأدور في فلك المدينة ككوكب تائه انقطع عنه الجذب، الفقر هنا فرض شروطه علينا بالكامل جعل الضحكة عملة نادرة أشد ندرة من المازوت وحوّل أنفاسنا إلى سلسلة من الفوازير اليومية، أو الأسئلة المصيرية كيف نأكل اليوم وكيف نتدفأ غداً وكيف نصل إلى عملنا دون أن ندفع راتبنا كاملاً لأصحاب السرافيس؟.

هذا هو حالنا اليوم باختصار مشهد حقيقي نعيشه بين الضحك المر والوجع اليومي نمشي في الشارع والكل تائه يركض وراء سراب الاستقرار بينما ترسم التجاعيد على وجوهنا تعب السنين تعب بلد يرهقه الفقر كل يوم أكثر ومع ذلك ما زلنا نقاوم ونبحث عن أمل بسيط نعيش عليه في تفاصيل يومنا.

باعة الخبز في دمشق .. فرصة عمل خلقتها الظروف بمواجهة الفقر والبطالة