كلمة السر لصعود اليمين المتطرف في أوروبا.. ألمانيا  نموذجاً

المصدر : الثورة | الخميس , 24 أيلول | : 40

في السنوات الأخيرة بدأ نجم اليمين المتطرف في أوروبا بالظهور، فلم يعد حالة سياسية عابرة، بل أصبح ظاهرة تحمل معاني اجتماعية وسياسية تستحق الوقوف. 

لا يمكن قراءة هذا الصعود بمعزل عن التحولات الاقتصادية والأمنية والسياسية خلال السنوات الماضية، كما لا يمكن اختزالها بأزمة المهاجرين وحدها، فهو نتيجة تراكمات متعددة، منها فقدان الثقة الشعبية بالأحزاب التقليدية وشعور قطاعات واسعة من المجتمع الأوربي بأن النظام السياسي التقليدي لم يعد قادرا على تقديم الحلول لأزمات عصفت بالقارة العجوز مثل الهجرة والحرب بين روسيا وأوكرانيا وتبعاتها الاقتصادية مثل التضخم الذي تعاني منه كثير من دول الاتحاد وأزمة الطاقة، وهنا تقدم ألمانيا المثال الأكثر وضوحا لانتعاش اليمين المتطرف.

ففي الانتخابات الاتحادية عام 2021 حصل حزب البديل اليميني المتطرف على 10.4 في المئة من الأصوات، قبل أن يضاعف تقريبا حصته في انتخابات 2025 ويصل إلى 20.8 في المئة. وفي الانتخابات الإقليمية عام 2024 تجاوزت حصته 30 في المئة في ساكسونيا وتورينغن، ثم جاءت نتائج سبتمبر 2026 لتؤكد استمرار صعوده، إذ حصل على 43.8 في المئة في ساكسونيا-أنهالت و38.3 في المئة في مكلنبورغ-فوربومرن، مقابل 16.3 في المئة في برلين.

وتلك النتائج تشير إلى انتقال خطاب كان لسنوات خارج اللعبة السياسية إلى موقع مؤثر ومهم داخل المؤسسات التشريعية. 

صعود اليمين في أوروبا كانت دعايته السياسية الأكثر تداولاً في الخطابات في كل أوروبا هي ملف الهجرة، التي أصبحت في السنوات الماضية مرتبطة بأسئلة تتعلق بالأمن والاندماج وشيوع ثقافة المهاجرين على حساب الثقافة الأوروبية، وهذا ما تعتبره الأحزاب اليمينية مؤشراً على خطر، ليس متعلقاً فقط بقضية الأموال التي تصرف على طالبي اللجوء بحسب زعم الأحزاب اليمينية،  بل إلى بث خطاب يحذر أوروبا من تغير ديموغرافي يهدد وجود الأوروبيين ويشيع ثقافة مختلفة عنهم ومعادية لثقافتهم، وأن قيمهم التقليدية مهددة. 

هذا الشعور حتى لو كان مبالغا فيه أصبح مادة أساسية في خطاب اليمين، إضافة إلى  الهجمات التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الماضية مثل حوادث الدهس في عدد من المدن. كل تلك الدعوات أصبحت تعتبر بمثابة قانون داخلي للأحزاب اليمينية.

وهناك العامل الاقتصادي الذي زعزع الثقة المجتمعية بالأحزاب التقليدية لحساب الأحزاب المتطرفة، فتراجع للطبقة الوسطى، ارتفاع تكاليف المعيشة، وتباطؤ النمو جعل قطاعات واسعة تبحث عن خطاب سياسي “حاسم” يعد بإعادة السيطرة على الحدود والاقتصاد. 

مثل مسألة التضخم التي تعيشها كثير من الدول الأوربية بعد جائحة كورونا ثم أزمة الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ما جعل شريحة في المجتمع الأوروبي تبتعد عن الأحزاب المعروفة وتشعر بأن الحكومات عاجزة عن تقديم حلول لتلك الأزمات الاقتصادية. 

كما استغل اليمين المتطرف حالة الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع روسيا، ليقدم نفسه كصوت “واقعي” يدعو إلى حماية المصالح الوطنية بدل الانخراط في صراع دولي مكلف. 

إضافة إلى بروز الخلاف الأمريكي الأوروبي على السطح، حول ملفات الطاقة والتجارة، رغم أن اليمين المتطرف لا يخفي إعجابه بسياسة ترامب الداخلية خاصة في ملف الهجرة، وكذلك حرصه على المحافظة على التقاليد الثقافية للرجل الأبيض، ويتفقون معه في معاداة الهجرة غير النظامية، ومناهضة العولمة، والتركيز على المحافظة بشدة على الهوية القومية الغربية، إلا أن هناك نقاط خلاف فيما يتعلق بسياسة ترامب الجمركية، والتباين بشأن الحرب الأمريكية مع إيران. 

لكن كل المخاوف الأوروبية بشأن شكل العلاقة مع الولايات المتحدة، يساهم  في تغذية خطاب اليمين الأوروبي، الذي يدعو إلى استقلالية أكبر عن الولايات المتحدة، وإعادة تعريف المصالح الأوروبية.

كل تلك العوامل مجتمعة جعلت خطاب اليمين المتطرف أكثر حضوراً في الإعلام إضافة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بدأت الأحزاب اليمينية تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من الإعلام التقليدي، لقدرته على الوصول إلى شرائح الشباب، فهي أصبحت منصة رئيسية لنشر سرديات الأحزاب اليمينية بطرق مختلفة، ومنها الكوميديا السوداء في التندر على المهاجرين وأنهم لا يعملون، فهم  فقط يتلقون المساعدات من أموال دافعي الضرائب، وأنهم لم يندمجوا بالثقافة الأوربية بل ضدها. هذه السرديات أصبحت تشكل وعياً جمعياً عند بعض أوساط المجتمع الأوربي، وهي في صعود، ننيجة تأثير هذه الدعاية على الشارع. 

صعود اليمين لا يقتصر على ألمانيا، فقد شهدت فرنسا صعوداً مماثلاً، والانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة ربما تشهد مفاجآت. فمارين لوبان تحشد لحملتها الانتخابية، وتشير الاستطلاعات إلى تقدم شعبيتها، كذلك شهدت الأمر نفسه إيطاليا، هولندا، السويد، النمسا، حيث حققت الأحزاب اليمينية نتائج قوية في الانتخابات على مستويات عدة. 

وهنا لا بد من الإشارة إلى تأثير صعود اليمين في أوروبا على المهاجرين عامة، ومنهم السوريون، فرغم كثير من الدراسات في عدد من البلدان الأوروبية التي تؤكد أن نسبة كبيرة من السوريين اندمجوا في سوق العمل، وأن معدلات الجريمة بينهم أقل من المعدلات العامة، لكن الخطاب الشعبوي الذي تمارسه الأحزاب اليمينية لا يعتمد على الأرقام، بل على صناعة خوف والمبالغة فيه والتركيز على بعض الجرائم التي قام بها سوريون، لأن نسبة السوريين من بين طالبي اللجوء والحاصلين عليه كبيرة. 

لذا ونتيجة لهذا الخطاب أصبح السوريون، إلى جانب مجموعات مهاجرة أخرى، هدفاً لحملات إعلامية وسياسية تقوم بها الأحزاب اليمينية، تتراوح بين التشكيك في في أحقية منح وإبقاء حق اللجوء، والدعوة إلى ترحيلهم وسحب الجنسية منهم، وإعاقة الحصول على لم الشمل ومنح الجنسية. 

إن صعود اليمين المتطرف لا يهدد فقط مستقبل اللاجئين، بل يهدد أيضاً قيم أوروبا نفسها القائمة على التعددية وحقوق الإنسان، وتقبل الآخر المختلف ومنحه حقوقاً متساوية مع المواطن الأوروبي نفسه.