"أبناء اليوتيوب" يهيمنون على مستقبل سينما الرعب
عصر جديد من سينما الرعب يعيشه العالم، بعد توالي التجارب الناجحة للمخرجين القادمين من "يوتيوب"، فعلى رغم أنهم لم يدرسوا في مؤسسات متخصصة، ولكنهم تعلموا مباشرة مع الجمهور، إذ يقومون بأكثر من مهمة إنتاجية وفنية وترويجية جعلتهم مطلبون لدى شركات الإنتاج الضخمة، بعدما حققوا أعمالهم الأولى بموازنات ضعيفة، فيما عناصر أفلامهم التي تنتمي لعالم العرب تبدو مغايرة تماماً للأفكار التقليدية في هذا المضمار.
"أبناء يوتيوب"، مصطلح يمكن إطلاقه على الجيل الجديد من مخرجي السينما، فالمنصة التي تكمل الـ22 عاماً بعد أشهر عدة، صنعت نجوماً في المجال بعضهم ولد من الأساس بعد إنشائها، إذ شهدت دور العرض في الفترة الأخيرة حصاد هذا العالم المفتوح الذي يسمح للجميع بتقديم إبداعاته، من خلال أفلام عدة حققت نجاحات هائلة، بل بعضها شكل ظواهر سينمائية، والقاسم المشترك بها هو الموازنة المحدودة مع الإيرادات الضخمة، إضافة إلى أن بداية مخرجيها كانت من خلال التعلم والتجريب بموازنات شبه منعدمة عبر تطبيق الفيديو الشهير، ومنه لبقية منصات العرض المجانية الداعمة للهواة.
اللافت حتى الآن أن تجارب المخرجين القادمين من عالم المنصات المفتوحة والسوشيال ميديا تركز على سينما الرعب، إذ إن غالبية الأعمال التي شغلت العالم أخيراً تتميز بغوصها في عوالم مخيفة وقاتمة، كما تتميز أيضاً بأنها تنافس بقوة في شباك التذاكر، متجاوزة أفلاماً أخرى يقف عليها مخرجون مخضرمون وشركات إنتاج ضخمة، وسلسلات سينمائية ذات حضور راسخ، وإذا كانت تجربة مخرجي اليوتيوب قد وضعت بصمتها في عالم السينما العالمي، وهي في طور متقدم من تشكيل الهوية، فإن الأمر في العالم العربي لا يزال أبطأ بعض الشيء، وتتركز غالبيتها في جوانب أخرى من خريطة الترفيه، مثل صناعة المحتوى في مجالات، مثل الإعلانات والوثائقيات والأفلام القصيرة.
الإنفاقات الضخمة في مؤسسات الترفيه ترتبط بقوة بعوالم السوشيال ميديا، لكن مع ذلك ظلت السينما بعيدة بعض الشيء، بخاصة حينما يتعلق الأمر بالأفلام الاحترافية وبالنجاحات الكاسحة في شباك التذاكر، إلا أنه على ما يبدو تتغير قواعد اللعبة التقليدية، بدليل تسابق شركات الإنتاج على التعاقد مع المخرجين الذي انطلقوا من تلك المنصات للاستفادة من أسلوبهم في مطاردة النجاح بأقل إمكانات وبأفكار تخاطب القاعدة الأكبر من جمهور السينما في هذا العصر.
لكن عالمياً يبدو أنه لم يعد هناك احتكار الطرق التقليدية لاكتشاف المواهب الإخراجية، التي كانت تتلخص في المهرجانات ومعاهد دراسة السينما، فقد افتتح اليوتيوبر الأميركي مارك فيشباخ إنتاجات الأفلام القادمة من عالم الإنترنت هذا العام بفيلمه "رئة حديدية"، وهو فيلمه الطويل الأول بعد سلسلة من الفيديوهات القصيرة والسلاسل التفاعلية التي عرضت حصراً عبر المنصات، إذ صنع فيلمه الاحترافي الأول من خلال قصة تنتمي بالأساس إلى عالم الألعاب الإلكترونية، وصاغ منها حكاية رعب نفسي توتر الأعصاب، وتلعب على الغموض، من خلال عالم تختفي فيه مقومات الحياة، وعلى البطل الذي يقوم بدوره أيضاً مارك فيشباخ أن يسبح في محيط من الدماء ليقود عملية استكشافية.
المخرج صاحب الـ36 سنة قام بتمويل الفيلم ذاتياً بموازنة بالكاد تخطت 4 ملايين دولار أميركي، بينما حقق أرباحاً تجاوزت 50 مليوناً كإيرادات شباك تذاكر، إضافة إلى ما يجنيه بعد عرضه على تطبيقات الفيديو ومنصات المشاهدة الإلكترونية. وقد حرص مارك الذي عرف أولاً مؤثراً عاشقاً للسينما، ولديه عدد متابعين يتجاوز 70 مليوناً، أن تكون قائمة الأبطال من ممثلين مغمورين ومؤدين صوتيين، ولم يلجأ بطبيعة الحال للنجوم التقليديين بهدف توفير النفقات، لكنه نجح في تقديمهم بصورة جعلتهم حديث الجمهور.
أفلام مخرجي اليوتيوب، إن جاز التعبير، تأتي ومعها نجومها ومعها أيضاً طريقتها في السرد التي لا تتقيد باشتراطات نمطية. فقد استعان كاري باركر أيضاً بممثلين صاعدين وغير مشهورين في فيلمه الظاهرة الذي ينتمي إلى عالم الرعب النفسي "هوس" أولى أعماله الاحترافية الطويلة، التي تعرض في قاعات السينما، وبات المخرج الذي تحول من صانع محتوى ينتج أفلاماً قصيرة يعرضها على متابعيه، ويحاول بشق الأنفس أن يشارك بها في بعض المسابقات، إلى واحد من أكثر المخرجين طلباً وعقد صفقات عدة ضخمة أخيراً بينها صفقة مع شركة يونيفرسال وفقاً لهوليوود ريبورتر.
حول باركر الذي بالكاد أتم عامه الـ26 شغف الهواة إلى قصة احتراف ناجحة، وبموازنة ضئيلة لم تتجاوز 750 ألف دولار أميركي جمعها بصعوبة تمكن من جني أرباح لفيلمه الكبير الأول وصلت إلى 371 مليون دولار، إنها قصة نجاح مادي وأدبي بات من المتوقع تكرارها كثيراً في هذه الآونة، إذ يحصد تلامذة "يوتيوب" النجيبون ثمار مثابرتهم، فسيناريو الفيلم الذي تمتزج فيه الرومانسية بالرعب بالسحر والصدمة، أصبح بالفعل هوساً لدى المشاهدين، لا سيما من الأجيال الجديدة الذين أعجبوا بالفكرة على بساطتها، وشعروا أنه على رغم خياليتها وسوداويتها فإن حدوثها ليس مستبعداً على أرض الواقع بصورة أو بأخرى.
فيما الأرباح الضخمة مقارنة بميزانية الفيلم وضعت باركر في مكانة مختلفة تماماً والجميع تسابق للعمل معه، فلديه ثلاثة مشاريع سينمائية جديدة، أبرزها فيلم "كل شيء إلا الأشباح". واللافت أن مشاهير النجوم باتوا أكثر ثقة فيه، ولم يعد مضطراً إلى البحث عن الممثلين ذوي الأجور الضئيلة، فالعمل المنتظر من بطولة برايس دالاس هوارد وآرون بول نجم المسلسل الشهير "بريكينج باد".
الظاهرة الآخذة في الاتساع جعلت أباطرة الإنتاج يلتفتون إلى أن صناع المحتوى المبدعين لديهم طرق مبتكرة بالفعل في إدارة الموازنات، ولديهم مرونة البحث عن حلول غير تقليدية، لأنهم يعملون في بيئة شديدة القسوة من حيث الإنفاق، ومن حيث المنافسة أيضاً وسط ملايين المؤثرين الآخرين، ولهذا يعرفون كيف يجلبون الجمهور، لأنهم يمتلكون أكثر من ميزة، ففي الوقت الذي أصبحت تلجأ فيه شركات التوزيع والدعاية للإنفلونسرز من الأساس للترويج لأعمالها على المنصات أو الأفلام المعروضة في السينما، فإن الجيل الجديد من المخرجين الذين تعلموا في مجتمع "يوتيوب" لديهم ملايين المتابعين، ولديهم أيضاً شفرة جذبهم، ولهذا فالترويج لتلك الأعمال لم يعد معضلة في هذه الناحية في الأقل.
هذا النضج الذي شهدته تجربة هؤلاء المخرجين أصحاب الأفلام الاحترافية الطويلة الأولى، وترجم في نجاح جماهيري ملموس، لا يزال حتى الآن يدور في عوالم الخيال العلمي والرعب، فهناك تميز خاص لمخرجي يوتيوب في هذا الإطار ولمستهم تبدو مغايرة تماماً، إذ إن مستقبل دراما الرعب يتغير ويخلع عن نفسه الإطار الكلاسيكي من خلال الاعتماد على قصص أكثر بساطة تتحول فيها الأشياء العادية جداً لرموز مخيفة، فثوابت دراما الرعب المرتبطة بالوحوش والقدرات الخارقة والأظافر التي تمزق الأجساد، أو الدمى القبيحة القاتلة لم تعد هي فقط التي تستهوي هذا الجيل على ما يبدو سواء كصناع أم مشاهدين، بل باتت تفاصيل مثل إضاءة السقف المزعجة واللمبات الطنانة، أو عفن الحوائط، والسلالم، والجدران ذات الألوان الموحدة في المكاتب أو المدارس أو حتى محال بيع الأثاث أكثر تحفيزاً للخوف والهلع من عناصر أخرى كانت تظهر في أعمال الرعب التقليدية.
وهذا الرعب المستحدث ظهر بقوة على سبيل المثال في فيلم "الغرف الخلفية" للمخرج الأميركي كين بارسونز (21 سنة) النجم اليوتيوبي، الذي لفت إليه الأنظار منذ أن كان في الـ17 من عمره، إذ بدأ إرهاصات القصة عبر نشر فيديوهات مصورة على "يوتيوب"، وهو في مثل هذا العمر، وتبعها بمحاولات عديدة لفتت إليه الأنظار، لتتعاقد معه شركة A24، التي جلبت له في فيلمه الروائي الطويل الأول الذي يعرض جماهيرياً مجموعة من مشاهير السينما لإيمانها بموهبته، وبينهم مارك دوبلاس وشيوتيل إيجيوفور وريناتي رينسف، وقد حقق الفيلم أكثر من 80 مليوناً في شباك التذاكر، بينما موازنته كانت 10 ملايين فقط.
وإن كان بات من الواضح الآن أن قسماً لا يستهان به من مستقبل هوليوود سيكون مرتبطاً بهذه الموجة من المخرجين الذين يعلنون أنفسهم بوضوح، فإن البدايات المتقطعة السابقة كانت بتوقيع مخرجين خاضوا محاولات أكثر صعوبة للوصول إلى هذه المرحلة، بينهم السويدي ديفيد ساندبيرغ الذي بدأ مسيرته بلا موازنة وبلا دراسة في مؤسسات السينما، إذ كان منزله هو ساحة الحلم والمثابرة، وعمل مخرجاً ومؤلفاً ومنتجاً ومصوراً ومهندساً صوتياً وشاركته زوجته التمثيل.
لم يجد سوى منصة يوتيوب ليعرض عليها شغفه وهواجسه، ثم من خلال فيلم رعب مدته ثلاث دقائق بعنوان "Lights Out - إطفاء الأنوار" جذب الأنظار بشدة وتتواصل معه شركات إنتاج كبيرة، وهو في العشرينيات من عمره، ليتمكن في عام 2016 من تقديم نسخة طويلة من الفيلم، ليكون عمله الأول الذي يعرض في السينمات، وتصبح قصته التي تدور حول شخصيات غامضة تظهر عند إطفاء الأنوار محور أحاديث محبي أفلام الرعب، بخاصة أنه يدور في مساحة مكانية محدودة، وبعدد شخصيات صغير تتواءم مع الموازنة البسيطة.
وقد تبنى المخرج جيمس وان المعروف بنجاحاته الكبيرة في أفلام الرعب، موهبته وفتح له الباب، ليحقق "الأنوار المطفأة" نحو 150 مليون دولار أميركي على رغم أن كلفته لم تتجاوز 5 ملايين دولار، ومن هنا جاءت انطلاقة واحد من أبرز مخرجي سينما الرعب والأكشن في العصر الحالي، إذ تولى إخراج أعمال عدة مهمة، من بينها "شازام" بجزأيه لتكون قصة صعود ديفيد ساندبيرغ من أكثر القصص إلهاماً بالنسبة إلى الشباب الصاعدين الذين يسيرون على خطاه، وتحضر أسماء أخرى في هذا المضمار أيضاً ممن تخرجوا في مدرسة "يوتيوب" للتعلم الذاتي، إن جاز التعبير، بينهم الأخوان داني ومايكل فيليبو اللذان صنعا قاعدة جماهيرية عبر قناتهما بالمنصة من خلال إنتاجات بسيطة ذات أفكار مبتكرة، وتحمس لهم المنتجون حينما قدما فيلمهما الطويل الأبرز "تحدث معي - Talk to Me"، ثم العام الماضي "Bring Her Back - أعيدوها"، وكلاهما ينتميان لعالم الرعب.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
موازنات ضعيفة وقصص غير مستهلكة وسيناريوهات تضع بصمتها على مستقبل الصناعة بطريقة سرد غير نمطية، جعلت مخرجي "اليوتيوب" يضعون أقدامهم على أرض ثابتة في وقت قصير، وتتسابق الشركات للتعاقد معهم، وقد علق ستيفن غالاوي، عميد كلية السينما في Chapman University بكاليفورنيا لـ"نيوزويك" بالقول إن ما يحدث هو تحول هائل في صناعة السينما، واصفاً الجيل الجديد من المخرجين بأنهم متمردو السينما في العصر الحالي، وعلى رغم أن تجارب هؤلاء الصناع لا تزال تفتقر إلى التنوع وتجري وراء اللون الأكثر نجاحاً والأكثر رواجاً بين متابعيهم، وهو الرعب فإن المنتج الأميركي جيسون بلوم، يرى أن هذا أمر طبيعي لأنهم يخاطبون جيلاً مختلفاً نشأ على طريقة مختلفة في التلقي، ويبحثون عن قصص تشبع خيالهم.