التهاب السحايا: في أنواعه وخطورته والوقاية منه... 10 أسئلة
على نحو مفاجئ شهدت بريطانيا أخيراً تزايداً ملاحظاً في عدد الإصابات بالتهاب السحايا الذي يصنف كمرض فتاك يمكن أن يودي بحياة الأفراد، وغالباً ما يسفر عن مشكلات خطرة على المدى الطويل، فماذا نعرف عن هذا الداء؟
بعدما تفجرت من حانة في مقاطعة كنت شرق بريطانيا حالات عدة من الإصابات بالتهاب السحايا أو الحمى الشوكية، استنفرت حكومة لندن وتداعت الجهات الصحية المعنية في البلاد للتعامل مع انتشار غير مسبوق للمرض، كما يقول وزير الصحة، وتجددت أسئلة كثيرة حول المرض وما يخص منشأه وأعراضه وعلاجه وسبل الوقاية منه.
التهاب السحايا مرض يصيب الأنسجة المحيطة بالدماغ والحبل النخاعي ويمكن أن يتسبب بالوفاة أو تترتب عليه مضاعفات طويلة الأمد، لذا يتطلب رعاية طبية عاجلة، وتتسبب فيه كائنات حية عدة مثل البكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليات، وقد تحدث حالات قليلة منه بسبب الجروح والسرطانات والعقاقير.
ويُعد التهاب السحايا البكتيري أخطر أنواع المرض، فهو يهدد الحياة ويؤدي أحياناً إلى عواقب مرضية طويلة الأمد، وثمة أربعة أصناف من البكتيريا تسبب هذا الالتهاب وهي "المكورة السحائية" و "العقدية الرئوية" و"المستدمية النزلية" و"العقدية B"، وهي مسؤولة عن أكثر من نصف وفيات السحايا حول العالم، وقد تسبب أمراضاً أخرى مثل الإنتان والالتهاب الرئوي، وتوجد بكتيريا أخرى تسبب التهاب السحايا مثل "المتفطرة السلية" و"السالمونيلا غير التيفية" و"الليسترية المستوحدة"، كذلك تسببه الفيروسات المعوية وفيروسات الهربس والفيروسات المفصلية وفطريات مثل المستخفيات وطفيليات مثل بعض أنواع الأميبات.
يمكن أن يطاول التهاب السحايا أي شخص بغض النظر عن عمره أو موقعه الجغرافي، ولكن قد تختلف البكتيريا المسببة للمرض وفق عوامل السن وقدرة الجهاز المناعي ومستوى تعرض الإنسان للأخطار تبعاً لظروفه المعيشية وبلده، إذ يعتبر الأطفال حديثي الولادة أكثر عرضة للإصابة بالعقدية "B"، بينما يصبح اليافعون والمراهقون أقرب إلى الإصابة بالمكورة السحائية والعقدية الرئوية والمستدمية النزلية، وكذلك تتسبب المكورات الرئوية بكثير من حالات التهاب السحايا البكتيري بين البالغين.
ويواجه أصحاب المناعة الضعيفة خطر الإصابة بالتهاب السحايا أكثر من غيرهم، فعالمياً يُسجل أعلى عبء لهذا المرض في منطقة واقعة ضمن أفريقيا جنوب الصحراء تُعرف باسم "حزام التهاب السحايا الأفريقي"، وهي منطقة ممتدة من السنغال إلى إثيوبيا، وتتزايد فيها أخطار تكرار اندلاع أوبئة التهاب السحايا الناجمة عن المكورات السحائية.
تتزايد وتيرة تفشي حالات المكورات السحائية في ظل ظروف معينة مثل الأماكن المكتظة التي يكون الناس على مقربة من بعضهم، ومناطق التعدين، والحشود البشرية مثل المناسبات الدينية أو الرياضية، والأماكن التي تؤوي لاجئين أو نازحين، والمؤسسات المغلقة ومعسكرات الجيش والمناطق ذات الكثافات السكانية العالية مثل الأسواق شديدة الاكتظاظ.
وتختلف طريقة انتقال العدوى باختلاف مسبباتها، فمعظم البكتيريا المسببة لالتهاب السحايا مثل المكورات السحائية والعقدية الرئوية والمستدمية النزلية تستقر في أنف الإنسان وفمه، وتنتقل من شخص لآخر عبر القطيرات التنفسية أو الإفرازات الحلقية، وغالباً ما تستقر بكتيريا المجموعة "B" في الأمعاء البشرية أو المهبل، ويمكن أن تنتقل من الأم إلى الجنين خلال الفترة المحيطة بالولادة.
ولا يكون حمل البكتيريا عادة ضاراً وقد يسهم في بناء مناعة ضد العدوى، إلا أن المشكلة تقع حين تغزو الجسم فتسبب التهاب السحايا والإنتان وأشكالاً أخرى من الأمراض.
وفق "منظمة الصحة العالمية" فإن تشخيص التهاب السحايا يتطلب إجراء بزل قطني لفحص السائل الدماغي النخاعي، وينبغي اتخاذ هذا الإجراء قبل البدء في إعطاء المضادات الحيوية، ومع ذلك فإذا كان هناك اشتباه في الإصابة بالتهاب السحايا البكتيري بناء على علامات وأعراض، فلا ينبغي أبداً أن يؤخر البزل القطني العلاج بالمضادات الحيوية.
وتجري المختبرات فحوصاً معينة باستخدام السائل الدماغي النخاعي أو الدم لتحديد العامل الممرض المسبب للعدوى، إذ تساعد الفحوص أيضاً في تحديد العلاجات اللازمة، وبخاصة فيما يتعلق بالعدوى البكتيرية والحساسية لأنواع معينة من المضادات الحيوية، إضافة إلى تحديد سلالة العامل الممرض المسؤول والاسترشاد بذلك في استجابات الصحة العامة.
تختلف أعراض التهاب السحايا بناء على سبب الإصابة ووتيرة تقدم المرض ومدة الإصابة ومدى تضرر الدماغ وحدوث مضاعفات خطرة أخرى مثل الإنتان، وتشمل الأعراض الشائعة الحمى وتصلب الرقبة والتشوش الذهني أو تغير الحال النفسية والصداع والحساسية للضوء والغثيان والقيء، وللمرض أعراض أقل شيوعاً ومنها النوبات والغيبوبة والقصور العصبي مثل ضعف الأطراف، ويعاني الرضع غالباً أعراضاً مختلفة مقارنة بالبالغين، فيرافقها قلة نشاط الطفل وصعوبة إيقاظه وتهيج الجلد والبكاء وعدم الرغبة في الطعام وانتفاخ البقعة اللينة في الرأس.
وقد تسبب بعض أنواع البكتيريا أعراضاً أخرى نتيجة عدوى مجرى الدم التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث الإنتان، ومن أعراضها برودة اليدين والقدمين وسرعة التنفس وانخفاض ضغط الدم، وقد يظهر طفح جلدي يتحول إلى اللون الأبيض مع الإنتان الناجم عن المكورات السحائية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يمكن لالتهاب السحايا بنوعيه الفيروسي والبكتيري أن ينتقل من شخص إلى آخر، فإذا كنت تعيش مع شخص مصاب بأي من هذين النوعين فعليك أولا التحدث إلى طبيبك في شأن تناول مضاد حيوي مناسب، ويجب عليك المواظبة على غسل يديك وخصوصاً قبل تناول الطعام، وتجنب المخالطة الوثيقة وتقاسم الأكواب أو أدوات المائدة أو فرشاة الأسنان أو مشاركة أية أدوات قد تحمل لعاب الشخص المصاب.
تُعطى المضادات الحيوية للقضاء على مسببات التهاب السحايا في الأنف وتقليل أخطار انتقال العدوى، ومن أشهر هذه المضادات الـ "سيفترياكسون" أو الـ "سيفوتاكسيم" اللذان يستخدمان كعلاج أولي واسع الطيف، ثم الـ "فانكوميسين" في حالات الاشتباه ببكتيريا مثل المكورات الرئوية والـ "أمبيسلين" لعلاج بكتيريا "الليستيريا" لدى كبار السن أو حديثي الولادة، وبالنسبة إلى الأمهات اللواتي يواجهن خطر انتقال العقدية من المجموعة "B" إلى أطفالهن أثناء المخاض، فيعطين البنسلين من طريق الوريد.
توفر اللقاحات أفضل حماية ممكنة من التهاب السحايا ويوجد حاليا 3ثلاثة أنواع من الأمصال، أولها التطعيمات التي تصنع من سكريات يجري استخلاصها وتنقيتها من أنواع معينة من بكتيريا المكورات السحائية، وتستعمل بصورة أقل من غيرها لأن فاعليتها تدوم أقل، ولا يمكن استعمالها للأطفال دون عمر سنتين، أما النوع الثاني فهي لقاحات السحايا المقترنة وتصنع من طريق ربط أو اقتران السكريات التي يجري استخلاصها وتنقيتها من أنواع معينة من المكورات السحائية ببروتين حامل، مما يسبب استجابة مناعية قوية وحماية لفترات أطول، والنوع الثالث هو لقاح السحايا البروتيني معاد التركيب، ويجري إنتاجه عبر تقنيات الهندسة الجينية التي تتضمن عمليات وصل الجينات أو ما يعرف بإعادة تركيب الحمض النووي، ويستخدم للوقاية من نوع واحد من المكورات السحائية وهي النوع "B".
تعتبر لقاحات السحايا آمنة الاستعمال ولا تسبب مشكلات خطرة عند معظم الأشخاص، إلا أنها قد تتسبب بحدوث أعراضا جانبية مثل الألم والاحمرار مكان الحقن وارتفاع درجة الحرارة، وفي اللقاحات المقترنة يضاف إلى تلك الأعراض آلام العظام أو العضلات والصداع والشعور بالتعب، أما اللقاحات معادة التركيب فيمكن أن تسبب أيضاً الغثيان أو الإسهال، واللقاحات عموماً قد تسبب الإغماء ولذلك ينبغي إخبار الطبيب عند الشعور بالدوار أو تغير في الإبصار أو طنين في الأذنين، إضافة إلى أن بعض الأشخاص قد يشعرون بألم شديد في الكتف ويعانون صعوبة في تحريك الذراع التي تلقوا فيها الجرعة.
قد يعاني واحد من كل خمسة ناجين من التهاب السحايا البكتيري آثاراً لاحقة طويلة الأمد، مثل فقدان السمع وضعف الأطراف وصعوبات في الرؤية والكلام واللغة والذاكرة والتواصل، إضافة إلى الندوب وبتر الأطراف بعد الإنتان.