إلى الشعب السوري العظيم.. اصبروا!
من كان يصدق قبل سنوات قليلة أن بشار الأسد سيهرب من دمشق، وأن نظاماً حَكم سوريا بالحديد والنار لأكثر من نصف قرن سينهار؟ من كان يتخيل أن السجون ستُفتح، وأن الميليشيات الإيرانية ستفقد نفوذها، وأن سوريا ستعود إلى أبنائها بعدما ظن كثيرون أن حكم الأسد سيستمر إلى الأبد؟ ما حدث لم يكن مجرد سقوط نظام، بل معجزة حقيقية دفع السوريون ثمنها من دمائهم وأعمارهم ومستقبل أبنائهم.
اليوم تبدأ سوريا عهداً جديداً بقيادة الرئيس أحمد الشرع، الذي وجد نفسه أمام واحدة من أصعب المهمات في العالم: إعادة بناء دولة دمّرها حكامها قبل أن تدمرها الحروب. ولهذا أقول للشعب السوري الذي نحبه ونعتز بتضحياته: أرجوكم، اصبروا قليلاً على وطنكم. أعرف أن الظروف المعيشية قاسية، وأن الغلاء يرهق العائلات، وأن المواطن يريد الكهرباء والعمل والرواتب والخدمات. وهذه حقوق لا يجوز لأحد أن يطالبه بالتخلي عنها. لكن علينا أن نتذكر حجم الكارثة التي ورثتها الدولة الجديدة.
منذ استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، ثم حكم حافظ الأسد، تحولت سوريا إلى دولة تحكمها عائلة وأجهزة أمنية. نُهبت ثرواتها، وانتشر الفساد، وتراجعت مؤسساتها، وهُجّرت كفاءاتها. ثم جاء المخلوع بشار الأسد، وحوّل البلاد بعد ثورة 2011 إلى ساحة حرب، قُتل فيها مئات الآلاف وهُجّر الملايين، واستُدعيت الميليشيات الإيرانية للمشاركة في قمع السوريين.
هذه هي سوريا التي تسلمها أحمد الشرع: اقتصاد منهار، ومصانع متوقفة، وبنية تحتية مدمرة، وقطاعات زراعية وصناعية منهكة. ويكفي أن البنك الدولي قدّر احتياجات إعادة إعمار البلاد بنحو 216 مليار دولار لندرك حجم المهمة. فهل يُعقل أن نطالب الحكومة الجديدة بإصلاح كل ذلك خلال أشهر؟ وهل يمكن معالجة عقود من الفساد والنهب وأربعة عشر عاماً من الحرب بقرار رئاسي؟
انظروا إلى أوروبا وأميركا. دول تملك اقتصاداً قوياً ومؤسسات مستقرة، ومع ذلك عانت من التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء نتيجة الحروب والأزمات الدولية، من حرب أوكرانيا إلى المواجهات مع إيران واضطرابات الأسواق. إذا كانت هذه الدول تعاني رغم إمكاناتها الهائلة، فكيف نتوقع من سوريا الخارجة من تحت الركام ألا تتأثر؟
هذا لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها ومن حق السوري أن ينتقد ويحاسب ويطالب بتحسين معيشته. لكن علينا التمييز بين من صنع الكارثة ومن يحاول معالجتها، وبين الأزمات الموروثة والأخطاء الجديدة. اصبروا على وطنكم، لا على الفساد. ادعموا الدولة، لكن حاسبوا مسؤوليها. طالبوا بالشفافية والعدالة والإصلاح، ولا تسمحوا بعودة الاستبداد تحت أي عنوان.
وأقول للقيادة السورية أيضاً: هذا الشعب الذي قدم كل هذه التضحيات يستحق دولة مختلفة، تحترم كرامته، وتحارب الفساد، وتفتح أبواب المشاركة لجميع أبنائها، وتضع تحسين حياتهم فوق كل اعتبار. أيها السوريون، تذكروا أنكم قبل سنوات كنتم تحلمون فقط برؤية سوريا بلا أسد. كان النظام يبدو وكأنه باقٍ إلى الأبد، وكانت إيران وميليشياتها تفرض نفوذها، وكان ملايين السوريين يتساءلون إن كانوا سيعودون يوماً إلى وطنهم. ثم تحقق ما اعتبره كثيرون مستحيلاً. فإذا استطعتم تحقيق ذلك، فلماذا تفقدون الأمل بإعادة بناء بلدكم؟
اليوم تحتاج سوريا إلى الاستقرار والاستثمارات وعودة المصانع والسياح والمغتربين. وهذه أمور تتطلب وقتاً وثقة وعملاً مشتركاً بين الدولة والشعب ورجال الأعمال وأبناء سوريا في الخارج.
وأريد هنا أن أتحدث من قلبي. سوريا بالنسبة إليّ ليست مجرد بلد أحبه أو قضية أدافع عنها. إنها وطن وجدت فيه شخصياً ملاذاً آمناً، رغم أنني لا أحمل جنسيته. أحمله في قلبي وعقلي وروحي، ولا أريد أن أخسره لأي سبب. أنا الذي قد يعتبرني البعض غريباً عن سوريا، لم أتخلَّ ولن أتخلى عن دعمها وشعبها الطيب، مهما كانت التضحيات. ولهذا أرجوكم، بكل ما تحمله الكلمة من معنى: حافظوا على وطنكم، وعلى الفرصة التاريخية التي انتزعتموها بعد كل هذه المعاناة.
وأرجوكم أيضاً، أنصفوا الرجل الذي حمل روحه على كفه من أجل سوريا. تذكروا ما تحمله أحمد الشرع من قصف روسي وإيراني، وما واجهه من معارك ومخاطر، وما خسره من أصدقاء ورفاق في طريق طويل نحو تحرير البلاد. قد يختلف البعض معه في قرار أو سياسة، ومن حقكم أن تحاسبوا وتنتقدو، لكن من الإنصاف ألا تنسوا تضحياته، وألا تحكموا على تجربته من خلال الأزمات التي ورثها قبل أن تُتاح له فرصة حقيقية لمعالجتها.
لا أطلب من السوريين صبراً بلا حدود، ولا تفويضاً مفتوحاً لأي مسؤول. أطلب فقط ألا نسمح للإحباط بأن يسلبنا الأمل، وألا تتحول صعوبات المرحلة الأولى إلى سبب لضياع فرصة انتظرناها عقوداً. لقد انتهت معركة إسقاط النظام، وبدأت معركة بناء الدولة، وهي معركة تحتاج إلى صبر وعمل ووحدة وثقة.
إلى الشعب السوري العظيم.. أرجوكم، اصبروا! لقد انتظرتم أكثر من نصف قرن حتى تروا سوريا بلا أسد، فلا تسمحوا لصعوبات اليوم بأن تنسيكم عظمة ما تحقق. سوريا لم تُبنَ بعد، لكنها استعادت فرصتها لكي تُبنى. لقد استعدتم وطنكم، فلا تفقدوا الأمل في إعادة بنائه. اصبروا على سوريا، وعلى من ضحّى من أجل حريتها، واجعلوا من هذا الانتصار بداية نهضة تستحقها أجيالكم القادمة. فهذا الوطن العظيم، وشعبه العظيم، يستحقان منا جميعاً أن نمنحهما فرصة للحياة من جديد.