من سيطأ سطح القمر أولا الصين أم "ناسا"؟

المصدر : INDEPENDENT | الثلاثاء , 14 نيسان | : 36

قبل بضعة أعوام فقط كان هذا السيناريو مستحيلاً، لكن يبدو الآن أن هناك احتمالاً واقعياً بأن تنجز الصين التزاماتها بل وأن تتفوق على الولايات المتحدة في سباق حددت أميركا مساره. إذ أعلن برنامج الفضاء الصيني أنه سيطأ أرض القمر في 2030 فدخل السباق رسمياً مع الولايات المتحدة التي تلعب بورقتها الرابحة حالياً وهي برنامج "أرتيمس" عبر "ناسا".

تعهدت الصين المعروفة بالتزامها بالجداول الزمنية، إرسال رواد فضاء إلى القمر بحلول عام 2030. وقبل بضعة أعوام فقط كان سيناريو منافسة الصين لأميركا في مهمة استعمار القمر، شبه مستحيل، لكن يبدو الآن أن هناك احتمالاً واقعياً بأن تحقق الصين التزاماتها، بل وأن تتفوق على الولايات المتحدة في سباق حددت الأخيرة مساره قبل عقود من الزمن. فمن سيعود إلى القمر أولاً، وهل يهم ذلك حقاً؟

فبرنامج الفضاء الصيني الذي أعلن أنه سيطأ أرض القمر في 2030 دخل السباق رسمياً مع الولايات المتحدة التي تلعب بورقتها الرابحة حالياً وهي برنامج "أرتيمس" عبر وكالة "ناسا". وأصبح هذا البرنامج المنافس الوحيد لبرنامج الفضاء الأميركي الذي أعلن بدوره أنه سيطأ أرض القمر في عام 2028.

لكن للبرنامج الصيني أوجه ضعف عدة، ويمكن حصرها في أن برنامج الفضاء الصيني للرحلات المأهولة بشرياً إلى القمر تحديداً معروف بكونه برنامجاً حديث العهد مقارنة ببرنامج "ناسا" التاريخي، وأنه اختار التحالف مع دول غير فاعلة في الفضاء الآن وعلى رأسها روسيا المُنهكة اقتصادياً بسبب الحروب، وكونه برنامجاً لا يزال يعتمد على الروبوتات ولم يدخل البشر إلى رحلاته، فإن كل هذه الأسباب إضافة إلى غموض البرنامج عالمياً وإعلامياً، جعلت منه في نظر كثر من المراقبين برنامجاً مُصمماً لخوض صراع فضاء جيوسياسي أكثر من كونه برنامجاً علمياً جاداً وطموحاً مقارنة ببرنامج أميركا.

الفضاء الصيني حقق إنجازات علمية لا يستهان بها في فترة زمنية وجيزة، إضافة إلى التزامه الواضح بجدول زمني صارم. إذ أطلقت الصين أول رائد فضاء لها في عام 2003. وتُشغل الصين محطات فضائية منذ عام 2011، وقد حققت إنجازات رائدة ومهمة من خلال برنامج استكشاف القمر "تشانغ إي". ولذلك يجادل كثيرون في المجتمعين العلميَين الأميركي والأوروبي اليوم بأن البرنامج الصيني هو المنافس الوحيد للفضاء الأميركي في مهمة استعمار القمر التي تحظى بمتابعة حثيثة من ملايين البشر حول العالم.

في واحد من مواقع المحادثات العلمية البريطانية ناقش علماء هذه الفكرة من خلال سؤال محدد وهو: "من سيكون أول من يعيد البشر إلى سطح القمر؟". والمقصود هنا بكل تأكيد الصين أم الولايات المتحدة؟ إذ تحالفت أميركا عبر "ناسا" مع دول أوروبية ودول أخرى ذات باع لا يُستهان فيه في هذا المجال وهي دول منطوية الآن تحت اتفاقات "أرتيميس"، وذلك وفق ما أعلنت عنه "ناسا" وبهدف تخفيف الأخطار وتوزيع الجهود. في المقابل، تحالفت الصين مع روسيا ودول أخرى أقل شأناً في الفضاء. مع ملاحظة أن روسيا فقدت كثيراً من خبراتها وقدراتها التاريخية في مجال الفضاء تحديداً.

يرى كثيرون أن برنامج الصين للوصول إلى القمر في عام 2030 يسير بخطوات ثقيلة لكنها واثقة، وعلى مسار استثنائي لكنه وصف بأنه "طموح جداً" بالنسبة لدولة أطلقت أول رائد فضاء لها في عام 2003. فما أهم المشاكل التي يُعاني منها برنامج القمر الصيني، والتي قد لا تجعل الإنسان الجديد الذي سيطأ أرض القمر ناطقاً باللغة الصينية؟

ولكن قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من التنويه إلى أن عدداً كبيراً من علماء الفلك يؤكدون أنه "لا يهم إن كان رواد الفضاء الأوائل في القرن الـ21 صينيين أم أميركيين"، إذ "يجب على حكومات هذه الدول أن تكون قدوة في السلوك المسؤول. وينبغي أن تكون مبادئ السلام والشمولية والاستدامة هي المبادئ التوجيهية في هذا السباق العلمي. ولذلك لا ينبغي أن تكون العودة إلى القمر مسألة سيطرة أو تفوق، بل يجب أن تكون فرصة لإثبات قدرتنا على تحسين سلوكنا على الأرض مقارنة بما فعلناه سابقاً".

وقد ورد هذا الرأي تحديداً ضمن مقالة للمحاضر في الفيزياء الفلكية في جامعة "كيل" وهو البرفسور جاكو فان لون، الذي كتب في موقع المحادثة البريطاني أن "الولايات المتحدة تواجه الآن خطر الخسارة أمام الصين في سباق إعادة البشر إلى سطح القمر". وهو أيضاً من أثار التساؤل حول من سيكون أول من يعيد البشر إلى سطح القمر.

وفي ما يخص برنامج الصين الفضائي فإن هناك اتهامات له بكونه غامضاً بالنسبة للإعلام العالمي تحديداً. لكن في المقابل أكد مراقبون لشأن الفضاء الأميركي والعالمي أن العكس هو ما يحدث تماماً داخل الصين الرسمية. فالفضاء الصيني ينال اهتماماً إعلامياً ومالياً كبيراً ومتزايداً من قبل جميع الجهات الرسمية داخل البلاد، لكنه ولأسباب عدة ليس معلناً ولا متابعاً من جميع وسائل الإعلام العالمية. وأكد هذه الفكرة الصحافي المختص في هذا المجال، رود بايل، وذلك عبر برنامج بودكاست "هذا الأسبوع في الفضاء" مع رئيس تحرير موقع "سبيس دوت كوم" طارق مالك في الحلقة 204، التي أذيعت تحت عنوان "ناسا الجديدة". وأذيع هذا البودكاست عشية انطلاق "أرتيميس2" إلى القمر. وعرض موقع طارق مالك ملخصاً بقلم فريق من كتاب الموقع تحت عنوان "رحلة ’أرتيميس2’ من منظور شخصي، إيزاكمان يُحدث تغييراً جذرياً في ناسا"، إذ قدم كل من رود بايل وطارق مالك البرنامج من هيوستن، بينما كانت تستمر مهمة "أرتيميس2" في ذلك اليوم.

وخلال البرنامج وبعد حديث مطول عن "أرتيميس2"، لفت رود بايل إلى ضرورة تحييد الفضاء الروسي تماماً من مشهد المنافسة، إذ وصف الفضاء الروسي العريق بكونه الآن "جاثياً على ركبتيه". أما في ما خص الفضاء الصيني فقد وضع بايل يده على الجرح الأميركي تماماً، إذ قال "يبدو أننا نحتاج إلى أي منافس حقيقي مثل الصين لننجز هذا النصر".

أثناء البودكاست المذكور أكد طارق مالك أنه لا يرى ضرورة للسباق في هذه المهمة، ولكن بايل أوقفه عن الحديث قائلاً "إن الصين تتحدى". إذ جاء في تصريحات لمسؤولين عن البرنامج الصيني قولهم، "سنجعل الأميركيين يظهرون بصورة سيئة جداً في هذه المنافسة". وأضاف، "بل إنك إذا قرأت ما يكتبون في صحافتهم الرسمية ستجد من يقول: سوف نؤدب هؤلاء". بدوره رد مالك، "لا أعتقد أبداً أنه سباق بل هي أولويات علينا أن نلتزم بها". وأضاف، "إنه سباق إذا جعلت منه سباقاً فقط. ولست أرى أعلاماً صينية كثيرة تلوح عبر وسائل الإعلام الصينية وتقول: سوف نهزم أميركا".

في مقالته عبر موقع المحادثة البريطاني، تساءل جاكو فان لون: "تُرى، أية لغة سيتحدث رائد الفضاء الجديد الذي سيعلن فوز بلاده في هذا السباق؟ هل سيتحدث الإنسان التالي الذي سيطأ سطح القمر الإنجليزية أم الصينية؟"، مشيراً إلى أن 12 أميركياً هبطوا على سطح القمر بين عامي 1969 و1972. والآن تستعد كل من الولايات المتحدة والصين لإعادة البشر إلى هناك خلال هذا العقد". ويرى فان لون أنه "يمكن حصر أسباب تأخر أميركا وبرنامج أرتيميس في نقطة واحدة ولكنها خطرة"، فبعض النقاد يرون أن مشكلة مهمة "أرتيميس" هي أنها معقدة للغاية، مشيرين إلى "الطريقة المعقدة التي يتم بها جمع رواد الفضاء ومركبة الهبوط على سطح القمر في مدار قمري، وإلى العدد الكبير من الأنظمة المستقلة". ولفت النقاد أيضاً إلى العدد الكبير من الشركاء التجاريين المستقلين وعدد عمليات إطلاق مركبة "ستار شيب" المطلوبة.

حتى هذه اللحظة اعتمد البرنامج الصيني على الروبوتات بالكامل، وهذه نقطة ضعف لا يمكن التغاضي عنها. فالتفاعل البشري في رحلات استكشاف القمر صار شرطاً مهماً للنجاح بعد "أرتيميس2" التي حملت بدورها أربعة رواد فضاء من البشر دفعة واحدة.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي البرنامج الصيني أعادت هذه المهمات الروبوتية عينات من سطح القمر، بما في ذلك عينات من الجانب البعيد منه. ومن خلالها اختبرت الصين تقنيات قد تكون حاسمة لهبوط البشر هناك. فيما ستهبط المهمة التالية للصين عند القطب الجنوبي للقمر، وهي منطقة تحظى باهتمام بالغ لوجود جليد مائي في فوهاتها المظللة. ويمكن استخدام هذا الماء لدعم الحياة في قاعدة قمرية، وتحويله إلى وقود صاروخي.

ومن المهم الإشارة إلى أن تصنيع الوقود الصاروخي على سطح القمر سيكون أرخص من جلبه من الأرض، مما يجعل استكشاف القمر أكثر جدوى. ولهذه الأسباب ستهبط مهمة "أرتيميس3" عند القطب الجنوبي، وهو أيضاً الموقع المخطط له لإنشاء قواعد بقيادة الولايات المتحدة والصين.

حتى الآن فازت الصين رسمياً في سباق بدلات رواد الفضاء. ففي 28 سبتمبر (أيلول) 2024، عرضت الصين بدلة فضاء سيرتديها روادها القمريون، صُممت لحماية مرتديها من تقلبات درجات الحرارة الشديدة والإشعاع الشمسي غير المصفى. وهي خفيفة الوزن ومرنة. ويعد هذا مؤشراً إلى تفوق الصين على الولايات المتحدة في أحد جوانب سباق الفضاء، إذ أجرت شركة "أكسيوم سبيس"، المصنعة لبدلة "أرتيميس" القمرية، تعديلات كثيرة على جوانب عدة من التصميم المرجعي الذي قدمته لها وكالة "ناسا".

في المقابل تأخر إطلاق مركبة الهبوط التي ستنقل رواد الفضاء الأميركيين من مدار القمر إلى سطحه، بعدما مُنحت شركة "سبيس إكس" التابعة لإيلون ماسك في عام 2021 عقد بناء هذه المركبة المُستوحاة من مركبة "ستار شيب" التابعة لـ"سبيس إكس"، التي يبلغ طولها 50 متراً، على أن تُطلق على أقوى صاروخ تم بناؤه على الإطلاق. وفي 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أجرت "ستار شيب" بنجاح رحلتها التجريبية الخامسة. لكن لا تزال هناك خطوات صعبة عدة مطلوبة قبل أن يتمكن نظام هبوط "ستار شيب" البشري من نقل رواد الفضاء إلى سطح القمر. ولا تستطيع "ستار شيب" الطيران مباشرة إلى القمر، بل يجب عليها التزود بالوقود في مدار الأرض أولاً. ولذلك تحتاج "سبيس إكس" إلى إثبات قدرتها على التزود بالوقود وإجراء هبوط تجريبي على سطح القمر من دون طاقم قبل انطلاق مهمة "أرتيميس3".

ويلفت خبراء الفضاء إلى نقطة مهمة وقد تكون حاسمة في هذا السباق، وهي أن على المتنافسين أن يطوروا تكنولوجيا الفضاء الجديدة "من خلال مساع جريئة تتجاوز الحدود وليس عبر مناهج عادية بسيطة". وعلى سبيل المثال لا الحصر يعد تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي بمرآته المطوية وموقعه البعيد في الفضاء، عاملاً فعالاً في السباق. إذ يُتيح لعلماء الفلك الأميركيين استكشاف أعماق الكون كما لا يستطيع أي تلسكوب آخر. ولذلك يُعد الابتكار التقني عنصراً بالغ الأهمية، لا سيما مع الأخذ في الاعتبار الطموحات المستقبلية لمهمات استعمار النجوم مثل تعدين الكويكبات وإنشاء مستوطنة لاحقاً على المريخ.