لا تتركوا الشهداء للذاكرة العابرة

المصدر : الثورة | الأربعاء , 04 تشرين الثاني | : 26

ثمة رجال ونساء لا تنتهي حكاياتهم حين تنتهي أعمارهم، بل تبدأ لهم في ذاكرة الشعوب حياة أخرى أكثر امتداداً وأثبت أثراً؛ حياة لا تُقاس بالسنين التي عاشوها، وإنما بما تركوه من مفاخر ومحامد، وما فتحوه لمن جاء بعدهم من أبواب كانت موصدة وفي تاريخ سوريا الحديث وجوه كثيرة من هؤلاء، شباب ونساء ورجال، بل وأطفال، خرجوا من بيوت بسيطة وحارات منسية وقرى لم يكن كثيرون يعرفون أسماءها.

لم يكونوا مشاهير، ولا أصحاب جاه أو سلطان، ولم تكن تنتظرهم المنابر أو عدسات المصورين. كانوا من عامة الناس، يحملون أحلاماً تشبه أحلامنا، وهموماً تشبه همومنا، غير أن لحظة من لحظات التاريخ وضعتهم أمام امتحان استثنائي. فخرجوا يطلبون الحرية والكرامة، وهم لا يعلمون إلى أين سيمضي بهم الطريق.

ولم يكن طريقاً قصيراً ولا هيّناً، فقد امتد عبر سنوات من الدماء والمعتقلات والملاحقات والتعذيب والجوع والتهجير والفقد. وفي تلك الرحلة الطويلة، كان لكل إنسان حكايته، ولكل بيت نصيبه من الألم، ولكثيرين نهاية لم يكونوا يتمنونها لأنفسهم. ومع ذلك، بقيت من سير هؤلاء حكايات تستحق أن تُروى، ومواقف جديرة بأن تُحفظ، وقيم لا ينبغي أن تطويها عجلة الأيام.

ليست العظمة دائماً في أن ينجز المرء عملاً خارقاً، فقد تكون في أن يثبت على ما يؤمن به حين يصبح الثبات مكلفاً، وأن يحتفظ بإنسانيته حين تضيق عليه الدنيا، وأن يرى في كرامة الآخرين قضية تستحق أن يبذل من أجلها شيئاً من راحته وأمنه وحياته.

وكم من شاب لم يعرفه الناس إلا بعد رحيله، ثم اكتشفوا في سيرته من الشجاعة والصدق والنبل ما جعل عمره القصير أوسع أثراً من أعمار مديدة! وكم من أمّ حملت من الصبر ما تعجز عنه الجبال، ومن معتقل خرجت حكايته إلى الناس شاهداً على قسوة ما جرى، ومن غائب لا تزال أسرته تنتظر خبراً يبدد حيرة السنين. هؤلاء ليسوا أرقاماً في سجلات الضحايا، ولا صوراً تُستعاد في ذكرى سنوية ثم تعود إلى غياهب النسيان.

إن وراء كل صورة تفاصيل كثيرة، ووراء كل اسم عالم من الأحلام والعلاقات والذكريات، ووراء كل غياب حكاية لم تكتمل. ولعل أشد ما يؤلم في النسيان أنه لا يمحو الأسماء وحدها، بل يمحو معها شيئاً من المعاني التي عاش أصحابها من أجلها. وليس حفظ مكانة هؤلاء ضرباً من التقديس، ولا دعوة إلى رفع البشر فوق منازلهم. فهم في النهاية بشر، يصيبون ويخطئون، ولا تُصان سيرتهم بإنكار ما فيها من نقص، كما لا تُصان الذاكرة بتحويل التاريخ إلى حكاية لا تقبل السؤال والمراجعة. لكن بين النقد والجحود بونٌ شاسع، وبين قراءة التاريخ بإنصاف وامتهان رموزه فرق لا يخفى على ذي بصيرة.

ومن حق الأجيال أن تسأل وتبحث وتناقش، ومن واجبنا أن نقدم لها رواية أمينة، لا أساطير مصنوعة ولا أحكاماً متعجلة. غير أن حرية النظر في التاريخ لا تستلزم الاستهانة بآلام الناس، ولا تسوّغ السخرية من ضحاياهم أو إهانة ذكراهم. فالاحترام لا يمنع النقد، والإنصاف لا يقتضي العصمة. وما أحوجنا إلى هذه الموازنة في زمن تختلط فيه الأصوات، وتعلو فيه أحياناً نبرة الإساءة على صوت المعرفة، ويصبح إطلاق الأحكام أسهل من قراءة الوقائع وفهم سياقاتها.

ولعل من مفارقات زماننا أنّ الذاكرة العامة باتت تتشكل، في جانب منها، على شاشات صغيرة، تحكمها خوارزميات لا تسأل عن قيمة الإنسان بقدر ما تقيس قدرته على اجتذاب الانتباه. فقد يمضي باحث أو ثائر أو صاحب تضحية عمره في خدمة الناس فلا يعرفه إلا القليل، بينما يحصد آخر شهرة واسعة بمشهد عابر أو عبارة مثيرة أو خصومة مفتعلة.

وليست المشكلة في الشهرة ذاتها، ولا في وسائل التواصل التي أتاحت للناس فرصاً واسعة للتعبير والتوثيق، وإنما في الخلط بين الانتشار والاستحقاق، وبين كثرة المتابعين وعمق الأثر. فليس كل من ملأ الشاشات جديراً بأن يملأ الذاكرة.

وهنا تقع على عاتق المجتمع مسؤولية لا ينبغي أن يتركها للخوارزميات: من الذين نعرّف أبناءنا بهم؟ وأي السير نرويها لهم؟ ومن نمنحه مكانة القدوة في المدرسة والبيت والمنبر والملاعب والإعلام؟ إن الأمم التي تحسن حفظ ذاكرتها لا تترك رموزها رهائن للمصادفة أو موجات الاهتمام العابرة، بل تعتني بسيرهم وتوثق تجاربهم، وتتيح للأجيال أن تعرفهم في سياقهم الإنساني والتاريخي، بما لهم وما عليهم.

ولا يكفي أن نكتب عن الشهداء حين تحل ذكراهم، أو أن نرفع صورهم في المناسبات، ثم نمضي إلى شواغلنا كأنّ شيئاً لم يكن. إنّ حفظ الذاكرة عمل طويل، يبدأ بجمع الشهادات وتوثيق الأسماء والحكايات، ويمتد إلى الكتب والأفلام والمناهج والمتاحف والأعمال الفنية والبحثية، وإلى صون حقوق الضحايا وأسرهم، والبحث عن الحقيقة والعدالة.

فالأجيال القادمة لم تعش ما عشناه، ولن تعرف من تلك السنوات إلا ما نتركه لها من روايات ووثائق وآثار. وإذا أهملنا هذه الأمانة، فقد يأتي يوم تعرف فيه أسماء مشاهير عابرين، ولا تعرف شيئاً عن أناس كانت تضحياتهم جزءاً من تاريخ بلادها. وليس المقصود أن تبقى الأجيال أسيرة الحزن، أو أن يتحول الماضي إلى عبء يحول بينها وبين الحياة. بل أن يكون تذكره معيناً على فهم الحاضر، وبوصلة أخلاقية تعينها على بناء المستقبل. فالذاكرة التي لا تهدي إلى عمل قد تتحول إلى حنين، والوفاء الذي لا يثمر مسؤولية يبقى ناقصاً مهما صدقت عاطفته.