أوروبا بصدد بناء شبكة فضائية مستقلة للتحرر من "ستارلينك"
بدائل أوروبية مستقبلية لكوكبة أقمار إيلون ماسك الاصطناعية في المدار؟
مجموع ما تملكه أوروبا في المدار اليوم من أقمار اصطناعية يصل إلى 1000 قمر اصطناعي، فيما تمتلك "سبيس إكس" وهي شركة فضاء أميركية خاصة ما يناهز 10 أضعاف هذا الرقم، وإذا احتسبنا برامج أوروبا المستقبلية لإطلاق الأقمار الاصطناعية التي تعمل عليها شركات ألمانية وفنلندية وسويدية، فإن مجموع ما تملكه أوروبا قد يكون خلال عقد من الزمن موازياً لكوكبة أقمار "سبيس إكس"، لذلك يمكن القول إن أوروبا تدفع ثمن تقدم أميركا عليها في مجال الفضاء غالياً، إذ ظهر ذلك عبر ساحات الحروب، التي تعد أوكرانيا أهمها اليوم، بدوره، يسد الذكاء الاصطناعي تلك الثغرة في الوقت الحالي، من خلال برامج تشغل مسيرات أوكرانية وأوروبية بكفاءة أقل من "ستارلينك".
وكشف مسار الحرب في أوكرانيا عن اختلال في موازين القوة في مجالي الفضاء والاتصالات، تجلى في الجدل في شأن دور خدمتي "ستارلينك" و"ستارشيلد" التابعتين لشركة "سبيس إكس"، المملوكة للملياردير الأميركي إيلون ماسك، وتأثيرهما في مجريات الحرب.
وإلى أن تصبح أوروبا جاهزة للاستغناء تماماً عن "ستارلينك" فإنه يجب على أوكرانيا "التعلم على القتال من دون "ستارلينك"، فيما يكون على أوروبا العمل سريعاً على "توفير بدائل الملاحة والتوجيه عبر الذكاء الاصطناعي الخاصة بالطائرات المسيرة وتسريع مشاريع خدمات الأقمار الاصطناعية الأوروبية".
وفي هذا السياق، أشارت مواقع علمية أوروبية ووكالات إعلام عالمية، إلى أن أوروبا تحدث أسلحتها لتصبح مناسبة لهذا الغرض، إذ تتركز أسلحة تطورها أوروبا لمواجهة نفوذ "ستارلينك" و"ستارشيلد" في حروبها المقبلة في مجالين رئيسين هما: المسيرات والأقمار الاصطناعية، ومن خلال مطالعة جهودها في هذا المجال، يمكن القول إن أوروبا تعلمت الدرس من حرب أوكرانيا، فوحدت معظم جهودها العسكرية لتجاوز "ستارلينك" و"ستارشيلد" في حروب المستقبل.
تسعى أوروبا إلى تصميم تقنيات الدفاع بما يتناسب مع واقع ساحة المعركة في المستقبل، إذ "لا يمكن ضمان الاتصال أبداً"، لذلك وضعت القارة العجوز خطتها الحربية التي تقوم على "مرونة الاتصالات كجزء لا يتجزأ من الاستقلالية العسكرية"، وفي هذا السياق، قال مسؤول من شركة "بونتر إيروسبيس" وهي شركة أوكرانية متخصصة في تطوير الطائرات المسيرة العسكرية وأنظمة الاستطلاع والبرمجيات المرتبطة بها "الدرس الأهم هو أن مرونة الاتصالات جزء لا يتجزأ من الاستقلالية العسكرية"، وفي السياق ذاته، أكد موقع علمي أميركي أن أوروبا حدثت أسطولاً من المسيرات التي باتت لا تعتمد على "ستارلينك" إطلاقاً، وأهمها الطائرة الاستطلاعية "بونتار-3" و"ميروبس"، وطائرات الاستطلاع "فيكتور"، والطائرة الاعتراضية "سبايس"، أما في مجال الأقمار الاصطناعية فتعمل أوروبا على تسريع تطوير بدائل سيادية خاصة بها تغنيها عن "ستارلينك"، أضخمها كوكبة أقمار "وان ويب" التابعة لشركة "يوتلسات" التي تمتلك ما يزيد على 600 قمر اصطناعي في المدار، "لكن ’يوتلسات‘ تمتلك ما يزيد قليلاً على 600 قمر اصطناعي في المدار، مقارنة بـ10 آلاف قمر تمتلكها 'ستارلينك'".
وعلى رغم الفارق الكبير في بعض القدرات بينها وبين القدرات الأميركية، فإن هذه البدائل قد أتثبت فائدتها في حرب حقيقية مثل حرب أوكرانيا، مما يبشر أنها ستكون ناجعة في المستقبل، وعلى سبيل المثال، تعد أقمار شبكة "وان ويب" (OneWeb) التابعة لشركة "يوتلسات (Eutelsat) "بديلاً رئيساً لبعض عمليات الاتصال، فيما أمضى الاتحاد الأوروبي ستة أعوام في التخطيط لإطلاق كوكبة IRIS² التي تضم 348 قمراً اصطناعياً للاتصالات والتي سيجري إطلاقها بدءاً من عام 2029، أيضاً هناك مشروع Bromo، وهو مشروع فضائي "قد ينشئ شركة أوروبية ضخمة تنافس ’سبيس إكس‘"، وذلك وفقاً لما ذكرته وكالات إخبارية منها وكالة "بلومبيرغ"، كذلك تخطط ألمانيا لبناء كوكبة أقمار اصطناعية خاصة بها للاتصالات تحت اسم SATCOMBw، وهي كوكبة ستكون لصالح جيشها وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أما شركة "ICEYE" الفنلندية للأقمار الاصطناعية وشركة "نوكيا لتكنولوجيا الاتصالات"، فقد أعلنتا عن خطط لبناء كوكبة من أقمار الاتصالات لصالح أوروبا أيضاً.
على رغم أهمية "ستارلينك" فقد بدأت المؤسسات العسكرية والدفاعية الأوكرانية بالفعل في إيجاد طرق لمواصلة القتال من دون هذه الخدمة الفضائية، ويعود ذلك "جزئياً" إلى أن القوات الروسية سعت إلى التشويش على إشارات "ستارلينك" في ساحة المعركة، بما في ذلك نشرها حديثاً أنظمة تشويش معقدة، لخلق مناطق انقطاع للخدمة داخل المناطق التي تقع تحت سيطرة موسكو في أوكرانيا، ورد ذلك في مقالة للصحافي جيريمي هسو نشرت وحدثت في الـ23 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وجاءت المقالة تحت عنوان "الاستغناء عن ’ستارلينك‘"، إذ أكد هسو أن "أوكرانيا تتعلم القتال من دون ’ستارلينك‘ بينما يمارس إيلون ماسك السياسة بالأقمار الاصطناعية"، موضحاً أيضاً أن أوكرانيا طورت تقنيات الطائرات المسيرة والحربية لتقليل اعتمادها على "ستارلينك".
وفي هذا السياق، صرح ممثل شركة "بلو بيرد تك " (BlueBird Tech) المصنعة للمسيرة "زهاخ" الأوكرانية الرباعية المراوح بتقنية الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV) لموقع "آرس تكنولوجيز" الأميركي العلمي قائلاً "لا نربط منتجاتنا بتقنية واحدة، ولا نصنع أنظمة تعتمد بصورة حاسمة على ’ستارلينك‘، وأضاف ممثل الشركة "دائماً ما كنا ندرك أخطار التشويش على ’ستارلينك‘ على طول خط المواجهة، ولهذا السبب تجنبنا استخدامها كوسيلة وحيدة للتحكم والقياس من بعد"، وقد دمجت "بلو بيرد تك" محطات "ستارلينك" في كثير من أنظمتها الأرضية والجوية، لكن ممثلها وصف ذلك بأنه "نسبة ضئيلة" من إجمال منتجاتها.
من أهم المسيرات التي جرى تحديثها أيضاً، المسيرة "زهاخ"، وطائرات "بامبل بي (Bumblebee)، ووفق الموقع العلمي آرس تكنولوجيز، "تعد طائرات "زهاخ" المسيرة بتقنية الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV) من بين كثير من الطائرات المسيرة الأوكرانية القادرة على الحفاظ على روابط اتصال مباشرة مع المشغلين عبر مد كابل ألياف ضوئية طويل، مما يجعلها محصنة ضد إجراءات الحرب الإلكترونية المضادة"، وتقول موسوعة أوروبية عن التسمية "اسم زهاخ في اللغة الأوكرانية (Жах) يستخدم بمعنى قريب من الرعب أو الفزع، وهو اسم ذو دلالة قتالية للطائرة"، إذ تستطيع هذه الطائرة المسيرة الرباعية المراوح المصنعة من قبل شركة "بلو بيرد تك" الأوكرانية، مد كابل ألياف ضوئية للحفاظ على الاتصالات مع المشغلين، كذلك تنتج الشركة فضاء "بلو بيرد تك" أنواعاً عدة من الطائرات المسيرة لمهام الاستطلاع والضربات الجوية، إضافة إلى روبوت أرضي، وأنظمة كشف الطائرات المسيرة، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وبدأت الشركة بتطوير طائرة مسيرة اعتراضية للدفاع الجوي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أنه لا تزال هناك "بعض تكوينات المنتجات التي لا يوجد لها بديل مباشر لخدمة ’ستارلينك‘ حالياً"، وذلك لأن "الإمكانات التقنية وسهولة الوصول إلى خدمة الأقمار الاصطناعية يجعلان من الصعب استبدالها في بعض التطبيقات"، وذلك وفقاً لما ذكره ممثل شركة "بلو بيرد تك"، فإن الشركة "تبحث بنشاط عن طرق لإضافة أنظمة احتياطية واستبدال هذه المكونات في المستقبل"، وتشمل بعض أكثر الطرق اللاسلكية الواعدة استخدام شبكات LTE أو 5G اللاسلكية الأرضية، أو حتى اللجوء إلى الاتصالات الضوئية القائمة على الليزر، وتدرس شركة "بلو بيرد تيك" أيضاً استخدام شبكات لا سلكية متشابكة (mesh networks)، ووفق صحيفة "كييف اندبندنت"(The Kyiv Independent) فإن ذلك يتيح لأجهزة الإرسال الأرضية، أو حتى الطائرات المسيرة المجهزة بأجهزة لا سلكية، العمل كنقاط ترحيل ضمن نظام اتصالات لا مركزي أوسع، وقد توسع استخدام هذا النهج في المهام التي تنفذها الطائرات المسيرة الروسية ضد المدن الأوكرانية، وفقاً لما ذكرته الصحيفة ذاتها أيضاً.
من جانبها، أوضحت شركة دفاع أوكرانية أخرى، وهي "بونتار إيروسبيس " (Buntar Aerospace)، أنها "وضعت في حسبانها دائماً احتمالية تعطل خدمات الاتصالات مثل ’ستارلينك‘ نتيجة لظروف المعركة"، وفي رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى موقع علمي أميركي قال الشريك المؤسس لشركة "بونتار إيروسبيس"، بوهدان ساس "لم تؤثر الاضطرابات الأخيرة في خدمات ’ستارلينك‘ و’ستارشيلد‘ على عملياتنا، لأننا كنا مستعدين لهذا السيناريو مسبقاً، "ففقدان الوصول إلى إحدى خدمات الاتصالات لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على تنفيذ المهمة"، إذ تستطيع الطائرة المسيرة الاستطلاعية "بونتار-3" (Buntar-3) دمج نظام "ستارلينك" ضمن نظامها، لكنها مزودة أيضاً بأنظمة اتصالات احتياطية، وقد زودت "بونتار إيروسبيس" القوات العسكرية الأوكرانية بطائرات مسيرة استطلاعية ذات أجنحة ثابتة، قادرة على التحليق لمسافة تصل إلى 100 كيلومتر (62 ميلاً)، وتستفيد هذه الطائرات خلال عملياتها من برنامج يعتمد على الذكاء الاصطناعي يدعى "بونتار كوبايلوت " (Buntar Copilot)، الذي يمكنه تعديل خطط الطيران بناءً على عوامل مثل أحوال الطقس، وجودة الإشارة أو التداخل، وعمر البطارية، ووفق مقالة هسو أيضاً، تشير الشركة إلى أن "تدفق البيانات من طائرتها ’بونتار-3‘ سواء كانت بيانات مستشعرات الطيران أو بث الفيديو من الكاميرا ينقل عبر قنوات منفصلة، وذلك للحد من تأثير تعطل أي من هذه التدفقات، وعلى رغم احتواء الطائرة على وحدة ’ستارلينك‘، فإنها تمتلك أيضاً وسائل اتصال بديلة في حال تعطل أية خدمة".
تؤدي ألمانيا دوراً محورياً واضحاً في هذا المجال، فهي تطور وتمول هذه الفكرة بالتعاون مع الدول الأوروبية المعنية إلى جانب تنسيقها مع "الناتو" بصورة مباشرة، وفي هذا السياق أوضحت شركة الدفاع الألمانية "كوانتم سيستمز" أن طائرات الاستطلاع من طراز "فيكتور " (Vector) التي نشرت في أوكرانيا، قادرة على التواصل مع محطات التحكم الأرضية عبر روابط لا سلكية مشفرة، كذلك تتمتع هذه الطائرات بـ"ذكاء اصطناعي مدمج وتقنيات ملاحة بديلة"، مما يمكنها من تنفيذ مهامها حتى في ظل وجود تشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) أو استخدام تدابير الحرب الإلكترونية. أما الطائرة الاعتراضية "سبايس" (SPYS) - التي طورتها شركة "كوانتم واي إندستريز" وهي مشروع مشترك ألماني - أوكراني، فتستخدم نظام منارات أرضية للملاحة بدلاً من الاعتماد على نظام (GPS)، وهي مزودة بقدرات تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتعرف إلى الأهداف، إلى جانب مستشعرات حرارية لتتبع الطائرات المعادية واستهدافها، ولا تعتمد هذه الطائرة الاعتراضية على "ستارلينك" إطلاقاً.
وفي رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى مواقع علمية أميركية، قال المتحدث باسم شركة "كوانتم سيستمز" الألمانية بول ستروبل "بصفتنا شركة دفاعية ذات جذور أوروبية وطموحات عالمية، نريد لأوروبا أن تظل قادرة تماماً على العمل جنباً إلى جنب مع حلفائنا، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بالقدرة على التصرف بطريقة مستقلة عند الضرورة"، وفي هذا السياق أكدت مواقع علمية أن الحكومة الألمانية قدمت تمويلاً لتزويد أوكرانيا بعشرات الآلاف من هذه الطائرات الاعتراضية خلال عامي 2026 و2027.