حين يوضع الألم السوري على سرير التشخيص
تتردد في الآونة الأخيرة، عبر المنصات الرقمية والجلسات اليومية، عبارةٌ باتت تُقال بكثرة تارةً على سبيل المزاح وتارةً بلهجة الحسم: «الشعب كله بحاجة إلى طبيب نفسي». تخرج هذه المقولة كتعقيب سريع على حجم القهر والنزوح والمرارات المتراكمة التي عاشها السوريون على مدى سنوات طويلة، والتي مسّت جوهر كرامتهم وآدميتهم.
ورغم أن ظاهر هذه العبارة يشي بالتعاطف أو الاعتراف بحجم الألم، إلا أن التعاطي المعرفي معها يحتم علينا التوقف ملياً عند دلالاتها وأبعادها النفسية والاجتماعية. إن تسليم المجتمع بهذه الفكرة دون تفكيك يوقعه في فخ اختزال التجارب الإنسانية الكبرى في نموذج طبي ضيق، يجرد الإنسان من سياقه الاجتماعي والسياسي والثقافي، ليحوله من كائن يناضل ويقاوم ظروفاً غير طبيعية إلى مجرد حالة سريرية تعاني من خلل داخلي يحتاج إلى رعاية تخصصية معزولة.
إن نقد هذا الطرح لا يعني بحال من الأحوال إنكار دور الطب النفسي أو التقليل من أهمية الرعاية التخصصية التي يحتاجها بعض الأفراد في ظروف محددة وواقعية. فالطب النفسي والعلاج النفسي والسلوكي أدوات علمية لها مكانتها المحترمة والضرورية في التعامل مع الاضطرابات الصحية الفعلية والحالات المرضية المحددة. غير أن المشكلة تبرز حين نخلط بين الاضطراب النفسي الفردي وبين الاستجابة الإنسانية الطبيعية للظروف القاسية والمضنية.
فحين يُصبح كل إحساس بالإرهاق، أو كل تعبير عن الضيق والمظلومية، دليلاً على «مرض» ينبغي تصحيحه بالمسكنات أو الجلسات العلاجية المغلقة، فإننا نكون قد مارسنا عملية طأببة شاملة للمجتمع، وهي عملية تجرد المعاناة من قيمتها الأخلاقية والإنسانية، وتحول الاحتجاج الطبيعي على الظلم إلى مجرد عرض جانبي لمرض فردي.
تظهر الفجوة الأخلاقية بوضوح حين نتأمل تجارب المعتقلين السوريين والناجين من زنازين التعذيب الإنساني في معتقلات كـ «صيدنايا» وغيرها من مسالخ القهر. إن الناجي الذي قضى سنوات تحت وطأة التنكيل والحرمان والتغييب القسري، حين يستجيب لواقع الخروج بأرقٍ مستمر، أو استعادة مريرة للتفاصيل، أو ضيقٍ شديد تجاه الأصوات العالية، لا يمكن بحال من الأحوال اختزال تجربته الإنسانية في خانة «الاعتلال النفسي» أو الخلل الكيميائي الشاغر.
إن مأساة الناجي من صيدنايا ليست خللاً في وظائف الدماغ الذاتية، إنما هي ردة فعل طبيعية وإنسانية بالغة الصدق تجاه توحش لا إنساني مُورس بحقه. إن تحويل تجربة معتقل نجا بكرامته من أدوات القمع إلى مجرد تشخيص سريري ينبغي تعديله بعقار دوائي، هو نوع من تجريد الضحية من قيمة معاناتها الشريفة، وتحويل الجريمة الممارسة ضد الجماعة إلى مجرد معضلة فردية معزولة عن مسبباتها الحقيقية.
تستوجب المقاربة المنصفة والموائمة لسياقنا الثقافي تمييزاً لغوياً ومفاهيمياً بين جملتين شائعتين: «أنا تعبان» في واقعنا المجهد، و«أنا مكتئب» في بيئة رفاه مادية ومستقرة. حين يقول الفرد في مجتمعنا «أنا تعبان»، فهو يطلق صرخة تعبيرية أصيلة عن حجم الأعباء الحياتية المتزايدة، وعن مشاعر الفقد وحرمان الكرامة وصعوبة العيش في بيئة تفتقر إلى الأمان المادي والمعنوي.
هذا التعب ليس اعتلالاً في كيمياء الدماغ، هو رد فعل صحي وسليم من جهاز إنساني يتفاعل بوعي ناضج مع واقع غير سليم. إن الجسد والروح حين يشعران بالتعب أمام القهر، فهذا دليل على حيوية الاستجابة وصحة الفطرة الإنسانية، وليس دليلاً على اضطراب أو عجز نفسي.
في المقابل، تميل الأدبيات الفردية الغربية، التي نشأت في مجتمعات تتسم بالاستقرار المادي والرفاه الاجتماعي، إلى إحالة المعاناة في الغالب إلى الفرد ذاته، فتصنف الشعور المستمر بالضيق تحت مسمى «الاكتئاب» كاعتلال فردي يتطلب تدخلاً علاجياً مركزاً على الذات وفصلها عن محيطها.
إن استيراد هذه المفاهيم الجاهزة وإسقاطها قسراً على واقع كالسياق السوري يؤدي إلى تشويه فهمنا لمصادر الألم الحقيقية. فالمواطن الذي يواجه ضغوط المعيشة ومرارة الابتعاد عن دياره وفقدان الأمان لا يشكو من مشكلة في آليات التفكير الشخصية أو توازن النواقل العصبية، بل يشكو من سلب حقوقه الأساسية ومساس كرامته الإنسانية. وبالتالي، فإن اختزال ألمه في تشخيص سريري يساهم في إزاحة المسؤولية عن العوامل الموضوعية القاسية وتفريغ المعاناة من معناها السليم.
يتطلب التعامل مع هذا المشهد الكبير منظوراً إنسانياً شاملاً يرفض الفردانية المفرطة في مقاربة الصحة النفسية. فالإنسان ليس وحدة معزولة تعمل بتوافق كيميائي مجرد، هو كائن اجتماعي يتشكل أمانه ونموه من خلال شبكة العلاقات والعدالة والانتماء والشعور بالحقوق الحصينة.
إن مساندة الناس في مجتمعاتنا لا تبدأ من تحويل الملايين إلى مرادفات لمرضى نفسيين، إنها تبدأ من احترام تجاربهم وتوفير المساحات الاجتماعية والإنسانية التي تتيح لهم التعبير والمساندة المتبادلة. إن الدعم النفسي الاجتماعي الحقيقي ينبغي أن يستند إلى تعزيز القدرة على التكيف، واستعادة فاعلية الأفراد، وبناء شبكات الأمان الأهلية، والاعتراف بأن التعب السوري هو شهادة حية على التمسك بالحياة والكرامة والعدالة في وجه انعدام الأمان.
إن تحويل الألم الناجم عن سلب الحقوق وانتهاك الجسد والكرامة إلى ملفات طبية هو مساس آخر بكرامة الإنسان، إذ يجعله يبدو وكأنه الخلل الوحيد في معادلة يسودها اضطراب الواقع. إن التضامن الإنساني الواعي يتطلب منا أن نسمي الأشياء بمسمياتها؛ التعب تعب، والقهر قهر، والظلم ظلم.
والتعافي لا يكون بإنكار هذه المشاعر أو محاولة تغطيتها بحبوب دواء أو جلسات فضفاضة تنعزل عن الواقع، بل بمواجهة أسباب الضغط وتدعيم أسباب الصمود الجماعي. فالشعب الذي يقاوم الظروف لا يحتاج إلى وصمة تشخيصية عامة، يحتاج إلى عدالة، وأمان، واحتضان إنساني يعيد لكل فرد شعوره بآدميته وحقه المشروع في حياة كريمة ومستقرة.
تأسيساً على ذلك، ينبغي أن تظل مؤسسات الرعاية النفسية والإعلامية على وعي تام بمسؤوليتها: الكلمة والأثر. إن التوعية بالصحة النفسية لا تعني نشر الذعر السريري أو إيهام الناس بأنهم عاجزون ومصابون باعتلالات دائمة، بل تعني فتح الآفاق لنظرة متوازنة تعطي العلاج الطبي قدره المستحق عند الحاجة السريرية الفعلية، وتحمي في الوقت ذاته التعب الإنساني من التنميط والاستئصال.
إن احترام المعاناة يبدأ من عدم تبسيطها، ومن الإيمان بأن استعادة العافية النفسية لمجتمعنا تظل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باستعادة شروط الحياة السوية والكرامة الأصيلة التي يستحقها كل إنسان على هذه الأرض.