"سيما-6"... أفلام مصرية برؤية تشكيلية

المصدر : INDEPENDENT | الأحد , 26 نيسان | : 117

يقدم الفنان هاني راشد في معرضه الأخير تجربة فنية تحقق شكلاً من التواصل بين الفنون، تحديداً السينما والفن التشكيلي، عبر تقديم سياق جديد لمجموعة من المشاهد السينمائية لمجموعات من الأفلام، معظمها يقع خلال الحقبة الممتدة ما بين السبعينيات والتسعينيات.

في تجربة فنية تحقق شكلاً من التواصل بين الفنون، وتحديداً السينما والفن التشكيلي، يأتي معرض هاني راشد "السيما سيما-6" ليقدم سياقاً جديداً لمجموعة من المشاهد السينمائية لبعض الأفلام التي أنتج معظمها خلال الحقبة الممتدة ما بين السبعينيات والتسعينيات.

ويقدم الفنان تجربة تعتمد على الغوص في الأرشيف البصري للسينما المصرية ولكن ليس بالصورة التقليدية المتعارف عليها بإعادة إنتاج مشهد بعينه من أحد الأفلام، حتى ولو بصورة فيها رؤية أو طرح جديد، وإنما اعتمد على التفكيك وإعادة البناء لفكرة أو مفهوم معين من خلال إعادة الترتيب والتكبير أو التصغير، وعزل بعض المشاهد أو تجريدها من تسلسلها، ومن خلال إعادة التركيب تظهر المشاهد الجديدة في الأعمال الفنية بين المألوف واللا مألوف في بناء لسيناريوهات مختلفة.

التكامل بين الفنون هو أمر شائع ومتعارف عليه، فالمخرج السينمائي قد يستلهم من لوحة تشكيلية تكويناً لمشهد أو فكرة معينة للديكور أو الإضاءة أو غيرها من العناصر السينمائية، وفي الوقت نفسه فإن الفنانين التشكيليين كثيراً ما استلهموا من الأفلام والمشاهد السينمائية أعمالاً تشكيلية أو أفكاراً جاءت من وحي عمل معين، أعادوا صياغته أو قدّموه بتصور معاصر أو رؤية مغايرة، والسينما المصرية شديدة الثراء بصورة تجعلها مادة خصبة لإعادة إنتاج فنون متعددة من وحيها.

وعن معرضه الأخير المقام في "غاليري أوبونتو" يقول الفنان هاني راشد إن "كثيراً من المشاريع الفنية والمعارض استُلهمت من السينما المصرية، وعند العمل على مشروع جديد فلا بد من أن تكون هناك فكرة أو إضافة لا مجرد نقل لمشاهد بعينها، لكن التحدي هنا هو أن السينما منتج، وكيف نعيد صياغته لنخرج بعمل يقدم طرحاً جديداً أو وجهة نظر جديدة، ومعظم الأعمال التي استعنت بها تقع في ما بين السبعينيات والتسعينيات، واعتمدت هذه الحقبة تحديداً لأنها كانت بداية للسينما الملونة التي كانت في حينها نقلة كبيرة للمشاهد، بعد عقود من سينما الأبيض والأسود".

ويضيف راشد، "الفنون المعاصرة تعتمد على إعادة الصياغة وتغيير السياقات المعتادة، وفي هذا المعرض لم أعتمد النمط الشائع في الأعمال التشكيلية التي تستلهم من السينما، وهو رسم مشهد بعينه من أحد الأفلام، حتى ولو برؤية جديدة أو شكل معاصر، وإنما اعتمدت على تفكيك وإعادة بناء ثيمات معينة من السينما المصرية في الحقبة المختارة، فقبل البدء في الجانب الفني كان هناك جهد أرشيفي استمر أكثر من عام بين مشاهدة عشرات الأفلام وانتقاء مشاهد بعينها وفرزها وتجميعها بحسب السياق أو الموضوع، للخروج بإشارات معينة تتعلق بموضوع بعينه، فالأمر كان يشبه لعبة البازل، بمعنى تفكيك المشهد وإعادة بنائه".

التجربة الفنية لهاني راشد الممتدة منذ التسعينيات، والتي يغلب عليها الـ "بوب آرت"، نجد دائماً فيها شيئاً جديداً وغير متوقع يدفع المتلقي إلى التأمل والتفكر لتفسير المعنى الذي قد يقصده الفنان من العمل، سواء في الأعمال التي كان لها طابع سياسي أو فني، وكذلك يعتمد الفنان بصورة كبيرة على السخرية والتشويه والتباين والسياقات غير المنطقية كأداة للتعبير عن كثير من المعاني والأفكار مهما كانت قسوة الفكرة، ويمثل هذا نمطاً فنياً تميز به الفنان على امتداد تجربته، وفي هذا المشروع الفني اعتمد الفنان في جزء منه على فكرة الثنائيات، مثل الفرح والحزن واللقاء والوداع وغيرها من الثنائيات المتناقضة التي جُمعت في فضاء واحد، يفتح مجالاً لوجود علاقات بينهما يكتشفها المشاهد بعد لحظات من التأمل والتفكر في الإطار الذي تدور فيه كثير من الأحداث في مصر، والتي على رغم تناقضها التام فقد يجمعها شيء مشترك يرتبط بثقافة المصريين وعاداتهم وتراثهم الشعبي.

يقول راشد "جمعت ثنائيات مختلفة مثل الفرح والحزن في لوحة تجمع مشاهد سرادقات الأفراح والعزاء، ومن المفارقات أن كلا الحدثين في الثقافة الشعبية المصرية يجري في سرادق من قماش الخيامية المصري الأحمر الشهير، فجمع هذه المشاهد السينمائية في تكوين يضمها يجعل مشاهد اللوحة يتفكر في اللحظات وهل هذا المشهد لفرح أو عزاء؟ وهل الإطار المصاحب هو السعادة أو الحزن؟ وهذا من المفارقات التي تميز المصريين، وفي عمل آخر جمعت مشاهد ظهرت بها سلالم الطائرات في أفلام عدة ضمن لوحة تجمع ثنائية اللقاء والوداع، وهذه المشاهد كانت شائعة جداً في كثير من الأعمال السينمائية خلال هذه الفترة".

ويكمل "هناك عمل آخر ارتكز على مشاهد سينمائية من المكاتب الحكومية وأقسام الشرطة التي كان فيها عامل مشترك، وهو إما صورة الرئيس أو لوحة تحمل اسم الله، وتقريباً كان هذا عاملاً مشتركاً في معظمها، فجمع هذه المشاهد في عمل فني واحد يتيح لنا قراءة الطابع العام الذي تظهر به والذي يتشابه إلى حد كبير، ومن حقبة لاحقة اخترت أربعة مشاهد من فيلم 'اللي بالي بالك' لمحمد سعد، وأعدت بناء مشهد غنائه مع زملائه في السجن بتكرارات فن الكولاج، وكونت علاقة جديدة وقراءة مختلفة لواحد من أهم مشاهد الفيلم الذي يعد ضمن الأشهر خلال هذه الحقبة، وقد كان للـ 'أفيشات' في السينما أهمية كبيرة لأنها فن بذاتها، وقد اخترت مجموعة من الـ 'أفيشات' ونزعت عنها الكتابة وأية إضافات بخلاف الرسم، وعرضتها كلوحة فظهرت بصورة مغايرة تماماً، مما دفع المتلقي نحو التفكير والتأمل في معنى الرسم وفكرته بعد أن جرى حذف كل ما من شأنه أن يعطى إشارة أو دلالة عن المضمون".

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اختار الفنان كلمة "سيما" لا سينما عنواناً لمعرضه، لأنها الكلمة التي كانت دارجة على ألسنة الناس وبخاصة البسطاء منذ وُجد الفن السابع في مصر بدايات القرن الـ 20، فكان الذهاب للـ "سيما" جزءاً من ثقافة الناس ومثّل واحداً من أهم جوانب الترفيه عند المصريين طوال فترات زمنية طويلة، أما اختيار رقم (6) فلأن حفلة الساعة السادسة كانت الأهم والأكثر إقبالاً في كثير من الأوقات، وكثير من السينمات غالباً ما تحوي ست قاعات.

يقول راشد "في مصر تاريخ طويل في كل المجالات الفنية وعندنا مادة غنية جداً لكن ينقصنا الأرشيف، وهي جزء من ذاكرة الشعب المصري، وعند الأجيال الأكبر حالياً تمثل شكلاً من أشكال الحنين، وفي أعمالي أقدم نمطاً معاصراً ولغة غربية، لكن المنتج مصري بحت تأكيداً للهوية والشخصية المصرية، وترسيخاً لثقافة المجتمع التي تعتبر السينما جزءاً وثيقاً منها، وحينما فكرت في هذا المعرض كان لديّ هدف تقديم عمل في مجال بعيد من السياسة التي كانت موضوعاً لكثير من أعمالي السابقة، لكن في الوقت الحالي يحتاج الناس إلى مشاهدة مواضيع بخلاف السياسة بعد كمّ الضغط المتلاحق للأحداث التي يشهدها العالم خلال الأعوام الأخيرة، ولا يزال مستمراً".