مرض الكلى يتربص بنحو 14 ألف تونسي
أول عملية زرع كلى في تونس حصلت في عام 1986، ومن وقتها أجرى الأطباء التونسيون نحو 2500 عملية زرع كلى.
أسهمت العادات الغذائية الجديدة وتغير نمط حياة التونسيين، في اتساع خريطة الأمراض، ومنها أمراض الكلى التي باتت تتربص بنحو 14 ألف تونسي وتونسية، وقد تبلغ خلال الأعوام القليلة المقبلة المرتبة الثالثة ضمن الأمراض المسببة للوفاة.
وبحسب المتخصصين، فإن الانتشار الواسع لمرض ضغط الدم والسكري في صفوف التونسيين، يسهم في تزايد عدد المصابين سنوياً بمرض الكلى، ويوصف هذا المرض بـ"القاتل الصامت"، بينما أدرجت منظمة الصحة العالمية أمراض الكلى المزمنة ضمن أولويات الصحة على مستوى العالم هذا العام.
فما أسباب تزايد عدد المصابين بأمراض الكلى في تونس؟ وهل من حلول عملية للتقليص من حدة الإصابات وانتشارها؟
يتكبد المصاب بالقصور الكلوي المزمن رحلة شاقة محفوفة بالوجع والتعب وطول الانتظار لزرع كلية، التي تعتبر الحل الجذري للمريض الذي أنهكه المرض.
سهام واحدة من هؤلاء، تقوم بتصفية الدم ثلاث مرات في الأسبوع، تقول "أقبع لأربع ساعات تحت رحمة الأجهزة الطبية، هي ساعات من الألم والوجع تقطع فيها أنفاسي، ثم أعود للحياة منهكة. هو موت بطيء، فخلال الساعات التي أمضيها في المستشفى أعاني ضغطاً نفسياً رهيباً، أرجع إلى بيتي وعائلتي مسلوبة القوة، أنام ساعات طويلة قبل أن أسترد قوتي ونشاطي، لا يمكنني الاعتناء بابني، أو متابعة دروسه، أو حتى اصطحابه إلى مدينة الألعاب أو حديقة الحيوان، لأنني لا أستطيع أن أمشي لفترة طويلة، الإرهاق يلازمني كظلي. أصبت بهذا المرض منذ عام 2009، وبدأت من وقتها رحلتي مع جلسات تصفية الدم".
تضيف سهام "نحن محرومون من الفواكه الجافة والبقوليات والغلال والخضر، أشرب فقط نصف ليتر من الماء خلال يوم ونصف يوم، الأدوية والفيتامينات مكلفة وغير متوفرة أصلاً، لا يمكنني أن أعمل لتأمين احتياجاتي المادية، مريض الكلى يحتاج إلى رعاية نفسية ودعماً مادياً. فالمرض يعكر صفو المحيطين بالمريض، نظراً إلى ما يتطلبه من عناية خاصة وبروتوكول صحي وحمية غذائية، فالكلفة عالية والدولة لا تتحمل مع المريض إلا جزءاً بسيطاً، آمل في أن يتبدد هذا الكابوس".
وفي خضم هذه المعاناة، يلوح بصيص من الأمل في حياة سهام بعد موافقة شقيقتها على التبرع لها بكلية، وهي في انتظار قرار الجنة الطبية النهائي، داعية التونسيين إلى الإقبال على التبرع لتخفيف آلام تصفية الدم لدى مرضى الكلى، وأيضاً إلى تنقيح التشريعات لتسهيل عمليات التبرع.
وكانت المنسقة المسؤولة عن التحسيس بالتبرع بالأعضاء في المركز الوطني للنهوض بزرع الأعضاء بثينة زناد قد كشفت لوكالة الأنباء الرسمية في تونس عن أن أكثر من 1500 مريض مدرجون حالياً في قائمة انتظار زرع الكلى، وأن عام 2025 شهد إجراء 73 عملية زرع كلى، توزعت بين 23 عملية من متبرعين متوفين دماغياً و50 عملية من متبرعين أحياء.
واعتبرت زناد أن "الزيادة السنوية في عدد المرضى المدرجين ضمن قائمات الانتظار تفوق بكثير عدد عمليات الزرع المنجزة"، مؤكدة "عزوف بعض العائلات عن التبرع بأعضاء ذويهم المتوفين دماغياً، بينما سجل عام 2025 نحو 100 حالة وفاة دماغية، لم توافق سوى 16 عائلة منها على التبرع".
يذكر أن أول عملية زرع كلى في تونس تمت في عام 1986، ومن وقتها أجرى الأطباء التونسيون نحو 2500 عملية زرع كلى.
وتشير إحصاءات الجمعية التونسية لأمراض الكلى إلى أن تونسياً واحداً، من بين كل 10، مصاب بأحد أمراض الكلى.
وتؤكد رئيسة الجمعية ألفة معلى أن "مرض الكلى بدأ يتسع ليشمل الشباب بالنظر إلى تغير نمط حياة التونسيين وانتشار ظاهرة التدخين، هذا إلى جانب انخفاض عدد الأشخاص الذين يمارسون الرياضة"، ومشددة على أن "الدولة توفر جلسات التصفية بصورة مجانية لكل المرضى، إلا أن الحل الجذري للمصابين بهذا المرض هو التبرع من أحد أفراد العائلة، داعية إلى مزيد التوعية بأهمية التبرع بالأعضاء".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوصي رئيسة الجمعية بـ"إرساء تقاليد غذائية وصحية جديدة في تونس، مع التشجيع على ممارسة الرياضة والتخلي عن الأكلات السريعة والانقطاع عن التدخين والابتعاد من استخدام الحشائش أو العقاقير التي لم يثبت الطب جدواها والتقليل من استهلاك الملح والسكر، اللذين يؤديان إلى الإصابة بضغط الدم والسكري ثم إلى القصور الكلوي، وما يخلفه من آثار سلبية في صحة القلب والصحة النفسية والمحيط العائلي".
تتعدد أسباب أمراض الكلى إلا أنها تشمل الاضطرابات الجينية والاستخدام العشوائي لبعض العقاقير والأدوية، مما يؤثر في أداء الكلى، علاوة على الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم.
وتؤكد ليليا بن فاطمة، طبيبة أمراض كلى وتصفية دم وزراعة كلى، أن 40 في المئة من المصابين بالسكري أو ضغط الدم يصابون بأمراض الكلى في مراحل مختلفة، لافتة إلى أن "خاصية أمراض الكلى أنها صامتة ولا تعطي علامات، والمريض في غالب الحالات لا ينتبه"، داعية إلى ضرورة التقصي المبكر بخاصة للأشخاص المعرضين أكثر للإصابة بأحد أمراض الكلى، وهم الذين يعانون ارتفاع ضغط الدم ومرضى السكري، لأن التقصي المبكر يوفر إمكان العلاج باعتماد الحمية الغذائية التي تكون ناجعة وتوقف المرض في مراحله الأولى".
تعتبر أمراض الكلى من أبرز تحديات الصحة العمومية في تونس، لأنها تتطور بصمت من دون أعراض في مراحلها الأولى، وتتسع رقعتها سنوياً لتشمل مزيداً من المصابين. ولتعزيز الوقاية والكشف المبكر، أصدرت وزارة الصحة أخيراً الكتاب الأبيض الذي يتضمن المفاهيم وكيفية التدخل ومراحل المرض الكلوي المزمن.
والواقع أن أمراض الكلى تحتاج إلى سياسات عمومية صحية ناجعة وطويلة الأمد، تقوم على تربية الأجيال الجديدة على جودة الحياة، من خلال التشجيع على ممارسة الرياضة وتوفير الفضاءات والمناطق الخضراء للإقبال على الحركة والتقليص من نسبة الخمول التي تتجاوز 80 في المئة في صفوف الأطفال، علاوة على التقليص قدر الإمكان من استخدام السموم البيضاء من الملح والسكر، لا سيما في المطاعم المدرسية والجامعية ودور حضانة الأطفال، وهي خطوات من شأنها أن تقضي على أسباب المرض والوقاية منه قبل معالجته.