ألمانيا وسوريا.. عدالة اعترفت بالعنف وعدالة خففت الجريمة

المصدر : سناك سوري | الخميس , 12 شباط | : 24

كان حكم السجن المؤبد الذي أصدرته محكمة ألمانية بحق لاجئ سوري قتل زوجته طعناً أمام أطفالهما، لحظة لعبت فيها العدالة دورها الكامل، بدون أي تبرير للجريمة، بينما وصفت رئيسة المحكمة، القاضية هايكه هارتمان غارشاغن، الزوج القاتل بأنه متسلط ومتهيج، معتبرة أن الدوافع “دنيئة”، وأن المسؤولية الجنائية كاملة.

وفي التفاصيل فإن اللاجئ السوري البالغ من العمر 37 عاماً، كان شبه عارٍ حين قفل الباب على زوجته، وأقدم على طعنها 15 مرة بسكين المطبخ، رغم توسلات أبنائهما بالتوقف.

اللافت في القضية أن القاضية كانت امرأة، وهذا دلالة على مقاربة قضائية رأت في الضحية امرأة سُلب حقها بالحماية قبل أن تسلب حياتها، واعترفت بالعنف الزوجي بوصفه جريمة لا “خلافات عائلية”.

في المقابل، وعلى بعد جغرافي وقانوني، تستعيد الذاكرة السورية واحدة من أكثر القضايا إيلاماً جريمة قتل الشابة آيات الرفاعي، التي قضت عام 2022 بعد تعرضها للضرب المبرح على يد زوجها وعائلته، ورغم فداحة الجريمة، لم يعترف بها كجريمة قتل عمد، بل كـ”إيذاء مفض إلى الموت”، وفق المادة 536 من قانون العقوبات العام.

بعد نحو عشرة أشهر، أصدرت محكمة الجنايات الأولى في دمشق حكما بسجن الزوج ووالده سبع سنوات فقط، وتجريدهما من الحقوق المدنية، ومنع الإقامة في مكان ارتكاب الجريمة. فيما حكم على والدة الزوج بالسجن ستة أشهر، وعلى شقيقه بسنة واحدة، مع الاكتفاء بالمدة، إضافة إلى تعويض مدني قدره 15 مليون ليرة سورية، بحسب ما نشرته صفحة كلية الحقوق في جامعة دمشق وقتها.

الفارق بين القضيتين لا يكمن فقط في عدد سنوات السجن، بل في الاعتراف القانوني بطبيعة الجريمة ففي الحالة الألمانية، رأت المحكمة أن العنف المتكرر، والهيمنة، والإجبار على المعاشرة، تشكل سياقا جنائياً كاملاً يفضي إلى القتل، ويستوجب أقصى العقوبة أما في الحالة السورية، فقد جُردت الجريمة من بُعدها البنيوي، وأعيد توصيفها بما يخفف المسؤولية، ويبقي العنف ضد النساء ضمن هامش التساهل القانوني.

هنا، لا تكون المقارنة بين قضاء “غربي” وآخر “شرقي”، ولا بين ثقافتين، بل بين منظومتين قانونيتين إحداهما ترى المرأة صاحبة حق بالحياة والحماية، والأخرى لا تزال عاجزة عن الاعتراف بالعنف ضد النساء كجريمة قائمة بذاتها، وهو عجز لا يتوقف عند حدود القضاء، بل يمتد إلى بنية التشريع نفسها.

ومن هذا المبدأ تطالب النساء بتمثيل سياسي أكبر في مواقع صنع القرار، حيث قالت عضو الحركة السياسية النسوية راوية الشمري في لقاء مؤخراً مع سناك سوري، أن القوانين المعمول بها في سوريا «ما تزال مجحفة بحق النساء»، ولا سيما في ملفات الأحوال الشخصية والحضانة والجنسية، مشددة على أن غياب النساء عن مواقع التشريع يعني سن قوانين تقر من دون تمثيل حقيقي لمصالح النساء واحتياجاتهن.

وتضيف الشمري: «حتى يتغير هذا الواقع، لا بد من وجود النساء داخل البرلمان، خصوصا في المرحلة الراهنة التي يفترض أن تشهد إقرار قوانين جديدة. فالوجود النسائي في لحظة صناعة القوانين ليس تفصيلًا شكليًا، بل شرط أساسي لأي تغيير حقيقي يمكن أن ينعكس حمايةً وعدالةً في حياة النساء».

آيات الرفاعي والسيدة التي فقدت حياتها بألمانيا، جريمتا قتل بعد سنوات من العنف لكن واحدة فقط، انتزع لها حقها بالعدالة كاملة، ولو متأخراً، أما الأخرى، فحرمت من حقها مرتين، مرة حين تركت دون حماية، ومرة حين تم تخفيف الجريمة التي أنهت حياتها.