كبد حيوي ثلاثي الأبعاد يغني عن عملية الزرع
تستخدم الطباعة الحيوية تقنيات تصوير متطورة لإنشاء نموذج رقمي للعضو أو النسيج المراد إنتاجه. بعد ذلك تجمع الخلايا من المريض وتدمج مع جزيئات حيوية أخرى لتكوين "حبر حيوي" تقوم طابعة متخصصة بترسيبه طبقة تلو الأخرى.
في تطور لافت يشهده عالم الطب يعمل علماء من جامعة "كارنيغي ميلون" الأميركية بالتعاون مع علماء من جامعة واشنطن ومستشفى "مايو كلينك" وجامعة "بيتسبرغ" على تطوير كبد حيوي ثلاثي الأبعاد وظيفي مصنع بتقنية الطباعة الحيوية ومُعد خصيصاً لعمليات الزرع، ويهدف هذا المشروع إلى معالجة نقص الأعضاء المتبرع بها من خلال تطوير أنسجة حيوية مهندسة لعلاج الفشل الكبدي الحاد.
ويسعى المشروع الطبي الرائد إلى تطوير كبد موقت يتيح الوقت الكافي لشفاء الكبد الطبيعي للمريض، مما يغني في نهاية المطاف عن الحاجة إلى عملية زرع كاملة. وقد أعلنت الجامعة في الأيام القليلة الماضية عن حصولها على تمويل بقيمة 28.5 مليون دولار من وكالة "مشاريع البحوث المتقدمة في مجال الصحة" الأميركية للمضي قدماً في جهودها.
قبل الغوص في تفاصيل مشروع تطوير الكبد الحيوي ثلاثي الأبعاد لا بد من التوضيح أن مرضى زراعة الأعضاء قد ينتظرون أشهراً أو حتى أعواماً للحصول على الأعضاء اللازمة، وكثير منهم لا يحصلون على أي عضو قبل وفاتهم. ووفقاً لقواعد بيانات المتبرعين العالمية، يبلغ متوسط فترات الانتظار على المستوى الوطني خمسة أعوام للكلى، وسبعة أشهر للكبد، وأربعة أشهر للقلب أو الرئة، وعامين للبنكرياس.
يعود نقص الأعضاء إلى عوامل متعددة، منها بعد المسافة بين المتبرعين والمتلقين، وقصر الفترة الزمنية اللازمة لبقاء العضو المزروع صالحاً، والحاجة إلى فصائل دم متوافقة، وانخفاض معدلات التبرع بصورة مستمرة. وحتى في حال نجاح عمليات الزرع، يبقى رفض الجهاز المناعي تحدياً قائماً، إذ لا تدوم الأعضاء عادة إلا من 15 إلى 23 عاماً، وتتطلب تناول أدوية مثبطة للمناعة مدى الحياة.
وتستخدم الطباعة الحيوية تقنيات تصوير متطورة لإنشاء نموذج رقمي للعضو أو النسيج المراد إنتاجه. بعد ذلك تجمع الخلايا من المريض وتدمج مع جزيئات حيوية أخرى لتكوين "حبر حيوي" تقوم طابعة متخصصة بترسيبه طبقة تلو الأخرى. وأخيراً، يوضع العضو المطبوع في مفاعل حيوي، حيث ينضج ليصبح نسيجاً وظيفياً قابلاً للزرع في كائن حي. وعلى رغم نجاح العلماء في طباعة أعضاء حيوانية وعينات أنسجة بشرية حيوياً، فإن الأعضاء البشرية الجاهزة للزرع والمتوافرة على نطاق واسع لا تزال بعيدة المنال، وغالباً ما تسمى "الكأس المقدسة" للطب التجديدي.
بالعودة إلى الموضوع الأساس يشار هنا إلى أن الكبد هو العضو الوحيد في جسم الإنسان القادر على التجدد الكامل، ولكنه يحتاج إلى وقت للشفاء، وعادة ما ينفد الوقت قبل أن يبدأ بالشفاء. لذا فإن هدف مشروع "كارنيغي ميلون" يتمثل بإنتاج قطعة من نسيج الكبد يمكن استخدامها كبديل لزراعة الكبد، وأن يدوم الكبد الذي سينتج لمدة تراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع.
ستتيح هذه الفترة التي تمتد لشهر كامل للكبد فرصة للتعافي. وفي حال نجاح العملية، يحتفظ المريض بكبده الأصلي، ويصبح كبد المتبرع الثمين، وهو مورد نادر ومحدود حالياً، متاحاً لشخص آخر.
ولتحقيق هذه الرؤية، يضم الفريق الذي يعمل على المشروع متخصصون في الخلايا الجذعية الكبدية والتصنيع الحيوي، إضافة إلى متخصصين في زراعة الأعضاء والطب التجديدي.
لبناء عضو وظيفي، لا يمكن استخدام البلاستيك أو المعدن، من هنا يستخدم العلماء في مشروعهم الثوري تقنية جديدة في الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد تسمى "FRESH"، وهي تقنية تمكنهم من طباعة مواد بيولوجية ناعمة وحساسة، مثل الكولاجين والخلايا الجذعية البشرية، في هياكل معقدة.
مع ذلك، فإن أكبر عقبة في أي عملية زرع ليست الجراحة نفسها، بل الجهاز المناعي. ففي الوضع الطبيعي، يعد جسم المريض العضو المطبوع جسماً غريباً ويهاجمه، مما يستلزم تناول أدوية مثبطة للمناعة مدى الحياة، لكن مشروع الجامعة الأميركية يتجاوز هذه المشكلة باستخدام خلايا منخفضة المناعة، وهي خلايا "مانحة عامة" مهندسة وراثياً لتكون غير مرئية للجهاز المناعي البشري.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن الجدير ذكره أن هذه الأكباد المتوافقة مناعياً تغني عن الحاجة إلى أدوية منع رفض الأعضاء، والتي غالباً ما تكون سامة لأنسجة الكبد والكلى المتبقية لدى المريض. وهكذا يمكن لأي شخص الحصول على الخلايا والأنسجة التي تقوم ببنائها الجامعة من دون الحاجة إلى تناول مثبطات المناعة.
على رغم أن الكبد هو الهدف الأول للمشروع نظراً إلى خصائصه التجديدية، لا تنتهي الخطة عند هذا الحد، إذ يعتقد فريق العلماء أن هذه التقنية هي المخطط الأمثل لمستقبل الرعاية الصحية، وفي نهاية المطاف ستطبق هذه التقنية في الهندسة الحيوية للقلب والبنكرياس وأعضاء أخرى.
في غضون خمسة أعوام، يتمثل الهدف في الحصول على كبد بحجم كبد شخص بالغ جاهز للاختبارات ما قبل السريرية. وإذا نجحت هذه التقنية، يمكن تكييفها لطباعة أنسجة قلبية للأطفال الرضع الذين يعانون عيوب خلقية، وخلايا منتجة للأنسولين لمرضى السكري، أو حتى كلى.
وبذلك يعد المشروع جزءاً من جهد أوسع لمعالجة نقص الأعضاء وتطوير حلول الهندسة الحيوية للحالات المرضية الخطرة. ومع وجود أكثر من 100 ألف شخص على قوائم انتظار زراعة الأعضاء في الولايات المتحدة وحدها، يمكن لهذه التقنية أن توفر أعضاء متبرعاً بها متاحة لأولئك الذين لا يستطيعون تجديد أنسجتهم.
توازياً، انضمت جامعة "جنوب غربي تكساس الطبية" إلى مساعي إضافة أعضاء بشرية وظيفية إلى قائمة الأعضاء التي يمكن إنتاجها بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. وحصلت الجامعة على دعم بما يقارب 25 مليون دولار من وكالة "مشاريع البحوث المتقدمة في مجال الصحة" كجزء من برنامج "الأنسجة النانوية المناعية التجديدية الشخصية"، الذي يهدف إلى استخدام الطباعة الحيوية والطب التجديدي لإنتاج أعضاء بشرية متوافقة مناعياً.
ويهدف مشروع الجامعة إلى تقليص قوائم انتظار زراعة الكبد والاستغناء عن الأدوية المثبطة للمناعة مدى الحياة، وتتلخص الفكرة باستخلاص خلايا الكبد من المرضى وتحويلها إلى خلايا جذعية قادرة على التمايز إلى أي نوع من خلايا الجسم. تدمج هذه الخلايا مع جزيئات حيوية أخرى لتكوين الحبر الحيوي، والذي يمكن طباعته بتقنية ثلاثية الأبعاد ليشكل كبداً بشرياً كاملاً. وعلى رغم أن العلماء قد أنتجوا أنسجة كبد باستخدام هذه الطريقة سابقاً، إلا أن فريق جامعة "جنوب غربي تكساس الطبية" قد طور الآن طريقة لتوليد الأوعية الدموية والقنوات الصفراوية اللازمة لوظيفة الكبد الكاملة.