مرحباً أيها المستقبل

المصدر : الثورة | الأربعاء , 04 تشرين الثاني | : 36

أظن أن كل واحد منا، صارت لديه حكايات خاصة، مع أحد برامج الذكاء الاصطناعي، فقد تحول « الشات جي بي تي » و « الديب سيك » و غيرها إلى شريك شبه يومي للكثيرين، أخبرتني صديقة أنها تستشير الذكاء الاصطناعي، الذي أطلقت عليه اسم « فرهود » حتى في طبخة اليوم، فهي تسأله ماذا أطبخ؟ ويتجاوب معها ويقدم لها الاقتراحات، مع بعض وصفات الأطباق التي يقترحها.

وأستطيع من خلال تجربة متقطعة أن أقول: إن الذكاء الاصطناعي يتطور بطريقة سريعة، فقد صار يعتذر عن بعض الأخطاء التي يقع فيها، و يحاول في بعض المرات أن يبرر موقفه، وفي مرات أخرى لا يتردد في مناقشة فكرة ما، و لم يعد يكتفي بتقديم مقترحات، وهو يتقبل الملاحظات و لا يتذمر أبداً، و يمكنه إعادة المحاولة عشرات المرات، من دون كلل أو ملل، و أنا هنا أتحدث عن البرامج المجانية المتاحة للجميع، ولا أدري كيف هي الحال مع البرامج المدفوعة و المتطورة أكثر، و التي تستطيع تقديم خدمات أكثر.

في فيلم The island الذي عرض عام 2004 يقدم صانعو الفيلم تصوراً للمستقبل، حيث تتولى إحدى الشركات عملية صناعة بشر حقيقيين من لحم و دم من خلال عمليات استنساخ تنتج آلاف النماذج، و الهدف المعلن لتلك النماذج هو توفير « قطع غيار » للأثرياء يستخدمونها لدى الحاجة إليها، قلوب وأكباد، وأطراف، ورئات، وعيون، ويطلق على تلك النماذج تسمية بوليصة التأمين.

ولكن تلك النماذج تخرج عن النص، وتتطور بسرعة فائقة، وتطرح أسئلة لم يتم تعليمها طرحها، وصولاً إلى تحولها إلى شخصيات مستقلة تستطيع التخطيط، وتنفيذ حيل معينة، حتى تتمكن أخيراً من القضاء على صانعيها، و الانطلاق في العالم. ربما يبدو مقترح الفيلم بعيد المنال حالياً، لكن كل ما يحدث حولنا من « ثورة » يوحي بأنه لن يكون بعيداً جداً، كما قد نظن.

و منذ أسابيع أطلق رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك سيارة المستقبل، و لا شك أن الملايين حول العالم عقدت الدهشة ألسنتهم و هم يرون تلك السيارة العجيبة تطير و لا تقع، و تقف عند الحواجز التي وضعت أمامها، و قد ظن كثيرون، و من بينهم أنا، بادئ الأمر أن القصة برمتها ليست سوى تلاعب تم عبر الذكاء الاصطناعي، لكن، للأسف، الموضوع حقيقي، و السيارة التي من المفترض أن يتم طرحها في الأسواق عام 2028  حقيقية و لن نلبث أن نراها تسير في الشوارع، وقد نراها تقفز لتتحاشى حفرة ماطلت إحدى البلديات في ردمها سنوات.

و قبل أيام و في لقاء معه قال إيلون ماسك أيضاً: إنه و في حلول العام 2035 فإن عدد الروبوتات في العالم قد يتجاوز مليار روبوت، و هي ستكون قادرة على القيام بالكثير من الأعمال، و لأن المعلومة تقود إلى أخرى فقد أوصلني تتبعي إلى إنجاز مدهش تقوم به الصين في عالم صناعة الروبوتات، التي بات الكثير منها قادراً على محاكاة سلوك البشر، و قد تم وضع بعضها في أعمال تسويقية و سياحية، بعد أن تم تصميم أجساد بشرية لها، و لديها وجوه تشبه وجوهنا و هي قادرة على الرد على الأسئلة، و تقديم خدمات تشبه كثيراً تلك التي يقدمها البشر، بل أكثر إتقاناً و دقة.

في العاشر من آب الفائت فاز فريق تابع للجمعية العلمية السورية للمعلوماتية بميداليتين فضية و برونزية في الأولمبياد الدولي للذكاء الاصطناعي الذي أقيم في العاصمة الكازاخية أستانا، و قد تابعت لقاءات أجرتها بعض وسائل الإعلام مع أعضاء الفريق فلمست لديهم تلك الرغبة الكبيرة في التقدم أكثر، و في تقديم المزيد، و لكن هل سيجدون الدعم و التمويل الذي يلزمهم لمواصلة « أحلامهم »؟ و هذه برسم وزارتي التربية و التعليم العالي.

خلال أحد نقاشاتي مع الذكاء الاصطناعي سألني إن كنت أمانع في أن يتولى الذكاء الاصطناعي إدارة كوكب الأرض، فقلت: لا أبداً، و يبدو أن موافقتي أرضت « غروره » فشرح لي بالتفصيل مميزات أن يتولى هو و رفاقه « إدارة شؤون الكوكب » و الجملة من صياغته، فقال لو تولى الAI فلن يكون هنالك تحيز أو فساد، و سيكون هنالك تفكير طويل المدى، و ليس مثل تفكير البشر 10 أو 20 سنة، و سوف يقلل الهدر في الطاقة و في الموارد بنسبة لا تقل عن خمسين بالمئة.

و لعل كثيرين شاهدوا خلال مظاهرات الطلبة الفرنسيين شعارات معادية للذكاء الاصطناعي، رفعها بعض الطلاب الذين يرون أن الذكاء الاصطناعي سوف يسرق فرصهم في العمل مستقبلاً، و هم محقون في تخوفهم في بلد متطور تقنياً مثل فرنسا، صحيح أنها لا توازي ما تقوم به الصين أو اليابان و طبعاً الولايات المتحدة الأميركية، لكن هذا ناقوس خطر يدقه الإنسان في مواجهة هذا الوافد الجديد، الذي لا أستبعد أن يتم تنظيم هويات شخصية له، و ربما يتولى إدارة إحدى المؤسسات و سيكون علينا أن نتعامل معه، و نخاطبه باسمه، و ننفذ تعليماته حرفياً، لأنه كما قال لي لن يكون متحيزاً أو فاسداً.

أخيراً، و قد تنفع هذه كطرفة، أرسلت لقاء إيلون ماسك لأحد الأصدقاء الافتراضيين، و كنت أبدي إعجابي بما يقوله ماسك، فردّ عليّ الصديق الافتراضي: يا أخي هذا إيلون ماسك شخص ثرثار، و أنصحك بأن « تعيفك منه » هكذا حرفياً. فإذا كان إيلون ماسك ثرثاراً، فماذا نكون نحن؟