مليون قمر اصطناعي يهدد بتغيير سمائنا إلى الأبد
يتسارع ازدحام المدار المحيط بالأرض مع القفزة الهائلة في أعداد الأقمار الاصطناعية، فيما تدفع "سبيس إكس" هذا التحول إلى مستوى غير مسبوق بخطة لإطلاق مليون قمر لتوفير قدرات حوسبة للذكاء الاصطناعي. السباق نحو مراكز البيانات الفضائية يعِد بقدرات تقنية ضخمة، لكنه يهدد في المقابل بتفاقم الحطام الفضائي والتلوث الضوئي وتحويل سماء الليل والمدارات القريبة من الأرض بصورة قد يصعب عكسها.
في ليلة صافية من ليالي أغسطس (آب) الماضي، استلقيت على كرسي في الحديقة وأرجعت ظهره إلى الخلف لأنظر إلى السماء. كانت زخة شهب البرشاويات في ذروتها، مع توقع رؤية ما يصل إلى 100 شهاب في الساعة. لم أَرَ سوى نحو 12 شهاباً، لكن في مقابل كل واحد منها، كانت عشرات الأجسام الأبطأ والأقل إثارة تنساب عبر سماء الليل.
مضت قرابة 10 أعوام منذ أن أمضيت آخر مرة وقتاً حقيقياً في مراقبة النجوم. كان التغير مذهلاً. فهناك الآن أكثر من 18 ألف قمر اصطناعي نشط يدور حول الأرض، بعدما كان العدد يزيد قليلاً على ألف قبل عقد من الزمن. دفعني ذلك إلى التساؤل: ماذا تفعل كل هذه الأقمار هناك؟
شهد العام الماضي رقماً قياسياً، إذ أطلق 4510 أجسام إلى الفضاء (انظر الرسم أدناه)، متجاوزاً الرقم القياسي السابق البالغ 2903 أجسام والمسجل عام 2023. والغالبية العظمى منها أقمار للاتصالات تشكل كوكبات ضخمة مثل "ستارلينك" التابعة لـ"سبيس إكس"، التي توفر الإنترنت العالي السرعة للمستخدمين على الأرض.
تؤدي الأقمار الأخرى أدواراً تمتد من الملاحة عبر نظام تحديد المواقع العالمي "جي بي أس" والتنبؤ بالطقس إلى التجارب العلمية وحماية الحياة البرية. أما نسبة صغيرة منها فمخصصة لأغراض عسكرية، بما في ذلك أقمار تستخدم للتجسس على أقمار أخرى أثناء عمليات اقتراب شديد منها.
أثار تزايد أعداد الأقمار الاصطناعية مخاوف علماء الفلك من التلوث الضوئي، فضلاً عن الحطام الفضائي. وفي أسوأ السيناريوات، قد تؤدي سلسلة من الاصطدامات المتلاحقة والخارجة عن السيطرة، في ما يعرف بـ"متلازمة كيسلر"، إلى تكوين سحابة من الحطام شديدة الكثافة تجعل إطلاق الصواريخ مستحيلاً، فتحاصر البشرية فعلياً على الأرض.
وبحلول سبتمبر (أيلول) 2026، كان نحو 16,500 قمر اصطناعي نشط يدور في مدار أرضي منخفض، وفق أحدث بيانات دليل "سيلستراك" CelesTrak. وقد يبدو هذا العدد كبيراً، لكنه لا يشكل حتى الآن ازدحاماً يصعب التعامل معه. ففي يوم عادي، يوجد ما بين 10 آلاف و20 ألف طائرة في السماء في أي لحظة، وعلى رغم أن الطائرات تحلق على ارتفاعات أدنى بكثير من الأقمار الاصطناعية، فإن الفضاء المحيط بالأرض لا يزال متسعاً.
لكن هذا الوضع على وشك أن يتغير، إذ يتوقع أن يزداد الفضاء المحيط بالأرض ازدحاماً، إلى حد قد يجعل المرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى الخيال العلمي.
فإيلون ماسك يسيطر بالفعل، من خلال شبكة "ستارلينك" التابعة لـ"سبيس إكس"، على نحو ثلثي جميع الأقمار الاصطناعية النشطة. وقد تقدم بطلب لإطلاق مليون قمر اصطناعي لتوفير قدرات المعالجة التي يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي. وتقول "سبيس إكس" في طلبها المقدم إلى "لجنة الاتصالات الفيدرالية" الأميركية إن المشروع قد يمثل "الخطوة الأولى نحو بلوغ مستوى حضارة من النوع الثاني على مقياس كارداشيف"، في إشارة إلى تصور طرحه عالم فلك سوفياتي للمرة الأولى في ستينيات القرن الماضي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفق هذا المقياس، تكون الحضارة من النوع الثاني قادرة على تسخير مجمل الطاقة التي تنتجها الشمس لتلبية حاجاتها من الطاقة. وكتب ماسك في فبراير (شباط)، عند إعلان اندماج "سبيس إكس" مع شركته للذكاء الاصطناعي "إكس أي آي": "لا يمكن ببساطة تلبية الطلب العالمي على الكهرباء اللازمة للذكاء الاصطناعي بحلول أرضية، حتى على المدى القريب، من دون فرض أعباء على المجتمعات والبيئة".
وأضاف "لذلك، فإن الحل المنطقي الوحيد هو نقل هذه الأنشطة كثيفة الاستهلاك للموارد إلى مكان تتوافر فيه طاقة هائلة ومساحات شاسعة... ومن خلال الاستفادة المباشرة من طاقة شمسية شبه مستمرة، بكلفة تشغيل وصيانة محدودة، ستحدث هذه الأقمار الاصطناعية تحولاً في قدرتنا على توسيع قدرات الحوسبة".
لكن الأرض لا تزال بعيدة كل البعد حتى من بلوغ مستوى الحضارة من النوع الأول على مقياس كارداشيف، وهي حضارة تستطيع تسخير جميع مصادر الطاقة المتاحة على كوكبها، ومنها الطاقة الحرارية الجوفية وطاقة الرياح. وقال أحد مؤلفي دراسة نشرت عام 2023 وقدرت موقع الأرض على هذا المقياس، في حديث أخير إلى "سي أن أن"، إن بلوغ النوع الأول وحده "سيستغرق على الأرجح آلاف السنين"، ما لم يحدث اختراق علمي كبير، في مجال مثل الاندماج النووي، يغير هذا المسار.
لكن هذه التقديرات لا يبدو أنها تثني ماسك عن طموحاته، إذ كشف أخيراً عن خطط لبناء منشأة لإطلاق الصواريخ في لويزيانا بكلفة 100 مليار دولار، لدعم مشروعه لإنشاء كوكبة تضم مليون قمر اصطناعي. وسيكون هذا أكبر مجمع لـ"سبيس إكس" حتى الآن، إذ تزيد مساحته على ثمانية أمثال مساحة مانهاتن، وسيكون قادراً على إطلاق آلاف صواريخ "ستارشيب" سنوياً، وفق رئيسة الشركة غوين شوتويل. ومن المقرر أن يبدأ تشييده العام المقبل.
مركبة "ستارشيب" ومعزز "سوبر هيفي في 3" التابعان لـ"سبيس إكس" أثناء الإقلاع في الرحلة التجريبية الـ13 من مجمع الشركة في "ستاربيس" بولاية تكساس، 24 يوليو (تموز) 2026 (رويترز)
وسيكون كل صاروخ من طراز "ستارشيب" قادراً على نقل 200 طن إلى المدار، فيما حدد الطلب الذي قدمته "سبيس إكس" إلى "لجنة الاتصالات الفيدرالية" وتيرة مستهدفة للإطلاق تبلغ صاروخاً واحداً كل ساعة. وأظهر تحليل حديث للسباق الفضائي العالمي أن صاروخاً يغادر الأرض حالياً كل 29 ساعة.
وأدت الزيادة الهائلة في وتيرة إطلاق الصواريخ، إلى جانب الارتفاع المفاجئ في عدد الأجسام الموجودة في المدار، إلى دعوات لإنشاء إطار دولي ملزم للتنسيق من أجل حماية المدار الأرضي المنخفض. وقال دين سلادن، مهندس الطيران والفضاء في شركة الهندسة الدقيقة "أكو كومبوننتس" Accu Components، التي نشرت التحليل، لـ"اندبندنت": "لم يعد الوصول إلى المدار مجرد مسألة تتعلق بالموازنة والهندسة. التحدي الأصعب هو ما نتركه وراءنا".
وأضاف سلادن: "سيظل هذا الحطام في الفضاء قروناً بعد رحيلنا، وهناك انبعاثات لا نكاد نفهمها، وسماء ليلية لا تحميها أي معاهدة. وإذا لم يتعامل القطاع مع الاستدامة باعتبارها جزءاً أساساً من تصميم منتجاته، لا مسألة ثانوية يلتفت إليها لاحقاً، فإننا نخاطر بحرمان أنفسنا من استخدام المدارات نفسها التي نتسابق اليوم إلى ملئها".
وفي الوقت نفسه أعلنت شركات أخرى، من بينها "غوغل"، خططاً لإنشاء مراكز بيانات في الفضاء لتوسيع قدرات الذكاء الاصطناعي. ومن المقرر أن تطلق "غوغل"، ضمن مشروعها "بروجكت صن كاتشر" Project Suncatcher، أول أقمارها الاصطناعية التجريبية مطلع العام المقبل.
وتحظى هذه الخطط أيضاً بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وقع أخيراً أمراً تنفيذياً يمهد لتنفيذ ألف عملية إطلاق صاروخي سنوياً من الأراضي الأميركية، أي نحو خمسة أضعاف العدد الحالي.
مع قدرة كل عملية إطلاق على حمل عشرات الأقمار الاصطناعية، قد تمتلئ سماء الليل سريعاً بمراكز البيانات الموجودة في المدار، إلى حد قد تبدو معه النجوم المتحركة أكثر عدداً من النجوم الثابتة. وإذا مر عقد آخر قبل أن أستلقي مجدداً لمشاهدة زخة شهب، فقد تصبح الشهب نفسها عندئذ مجرد مشهد ثانوي أمام ما يعبر سماء الليل.
© The Independent