حلم الإنجاب بالمغرب بين الطب الحديث ومعتقدات العقم المتوارثة

المصدر : INDEPENDENT | الأثنين , 05 تشرين الأول | : 39

كلف مالية تبدأ عند أبواب الأطباء ولا تنتهي عند الأسواق الشعبية ومحال العطارة.

لم يكن "الطفل الغائب" عن بيت سعيد وناديا مجرد صورة مؤجلة في "ألبوم العائلة"، بل تحول، مع مرور الأعوام، إلى سؤال يومي يلاحقهما في البيت والشارع ومجالس الأقارب: "متى سيأتي المولود المرتقب؟".

في البداية، بدا الوضع مجرد أشهر قليلة من الانتظار، ثم عام، ثم مر عامان، لتتدخل العائلة التي رأت أن الأمر يحتاج فقط إلى الصبر، قبل أن تنصحهما إحدى القريبات بوصفة شعبية، وبعد ذلك اقترحت على الزوجين "زيارة ضريح متخصص في علاج العقم".

جرب الزوجان العقيمان طوال أشهر مديدة تناول الأعشاب وبعض الوجبات "الشعبية"، ولما لم يُرزقا بالذرية دخلا عيادة طبية لإجراء الفحوص، وكلما طال الانتظار اتسعت قائمة الاقتراحات من العلاج الطبي إلى الوصفات الشعبية، ومن الأعشاب إلى ممارسات تمزج المعتقدات الدينية بالشعوذة.

قصة سعيد وناديا تختصر مأزق آلاف الأزواج الذين يجدون أنفسهم في المغرب بين مسارين متوازيين: مسار طبي يبحث عن سبب قابل للتشخيص والعلاج، ومسار "شعبي" يستند إلى تجارب متوارثة ومعتقدات ووعود بالإنجاب السريع، وبين المسارين يضيع أحياناً الوقت، ويستنزف المال، ويزداد الضغط النفسي على الزوجين.

ولا يتعامل المجتمع دائماً مع هذه الحقيقة الطبية بالقدر ذاته من الوضوح، ففي كثير من الحالات يبدأ البحث عن "السبب" داخل جسد المرأة، حتى عندما تشير المعطيات الطبية إلى احتمال وجود عامل ذكوري أو مشترك، وهنا لا يعود العقم مجرد ملف داخل عيادة، بل يصبح اختباراً اجتماعياً للمرأة والرجل معاً.

أقر المغرب عام 2019 القانون رقم 47.14 الخاص بالمساعدة الطبية على الإنجاب، مقلصاً الاستفادة من هذه التقنيات على المرأة والرجل المتزوجين، شريطة أن يكونا على قيد الحياة وأن تكون الأمشاج المستخدمة في عملية الإنجاب متأتية منهما حصراً، كذلك اشترط القانون تقديم طلب مكتوب وموقع من الطرفين وفق الأصول القانونية، مرفقاً بنسخة من عقد الزواج.

وتشمل المساعدة الطبية على الإنجاب، عند عدم تحقق الحمل بعد مرور عام كامل من المحاولات المنتظمة للإنجاب بطريقة طبيعية "كل تقنية سريرية وبيولوجية تمكن من الإخصاب الأنبوبي أو حفظ الأمشاج واللواقح والأنسجة التناسلية أو التلقيح المنوي أو نقل اللواقح، وكل تقنية أخرى تمكن من الإنجاب خارج السياق الطبيعي".

تقول في السياق، المتخصصة في أمراض النساء والتوليد والمساعدة الطبية على الإنجاب، ريم بنحيون، إن المشرع المغربي وضع الأرضية الملائمة لمساعدة الزوجين على الإنجاب، كذلك فإن الأطباء اجتهدوا في مواجهة العقم بفضل تطور طب الإنجاب، خصوصاً بتحفيز وتنشيط الإباضة واستخدام تقنيات الإخصاب.

وتردف بأنه في حال لم يثمر حل تحفيز المبايض عن شيء، يوجه الطبيب الزوجين إلى خيار آخر يتمثل في تناول أدوية هرمونية قبل الشروع في التلقيح، وهي المرحلة الدقيقة التي تتطلب توفير شروط قبلية ضرورية ومهمة.

وهناك حلول طبية أخرى، وفق المتكلمة، مثل الإخصاب خارج الجسم، وهي التقنية التي تعني طبياً تحفيز المبيض لإنتاج قدر كافٍ من البويضات، وسحبها وتلقيحها في المختبر، ومتابعة تطور الجنين ونقله إلى الرحم.

واستدركت المتحدثة بالقول إن هذه الحلول الطبية تهم حالات عدم الحمل الناجمة عن أسباب طبية، من قبيل ضعف خصوبة الرجل أو إصابة الزوجة ببطانة الرحم المهاجرة، وأيضاً توافر أدنى شروط الحمل، لكنها لا تفيد شيئاً عند وجود تشخيص يؤكد العقم التام لدى الزوجين.

ناديا، برفقة زوجها سعيد، جربت بعض هذه الحلول الطبية، خصوصاً تناول أدوية هرمونية، لكن الحمل تأخر كثيراً، ومعه كثرت أسئلة الزوجين، و"الحرج" أمام أسئلة الأقرباء وأفراد الأسرة عن "المولود المرتقب"، ليزداد الضغط، وتقرر ناديا تجريب "الطب الشعبي"، وبعده ذهبت إلى حد اللجوء إلى خدمات "أضرحة متخصصة في علاج العقم".

تحكي ناديا القصة قائلة، "كثرة الإلحاح تكسر الحجر"، لأضطر إلى تجريب وصفات شعبية معروفة في المجتمع المغربي، مثل تناول الكسكس بالقديد (اللحم المجفف)، وتحديداً 101 قطعة قديد يجري جمعها وحفظها منذ عيد الأضحى إلى يوم عاشوراء.

واستطردت الزوجة، "سمعت أن عدداً من النساء العاقرات رُزقن بالذرية عند أكل قديد العاقر (أو كديدة العاكْرة كما يسميها المغاربة)، الذي يُجمع من أسر تنجب أطفالاً، ويُطهى مع الكسكس في مناسبة عاشوراء".

وأكملت ناديا أن "القديد لم ينفع في حالتها، ولم تُرزق بأولاد، لتتجه بإلحاح من صديقات مجربات إلى التبرك بأحد الأضرحة الشهيرة التي يُشاع أنها تعالج العقم"، متابعة بأنها أخفت الأمر عن زوجها وزارت ضريح بوشعيب الرداد بمنطقة أزمور.

وأبدت الزوجة أسفها العميق لهذه التجربة التي وصفتها بـ"الغبية"، لأنها انساقت وراء أقاويل الناس، ولم يقدم الضريح ولم يؤخر شيئاً في حالتها، إذ ظلت كما هي، لتقرر مرة أخرى العودة إلى سلك الطرق الطبية الحديثة في انتظار مجيء الذرية المنشودة.

ليس أكل المرأة العاقر قديد الأضحية في مناسبة عاشوراء الوصفة الشعبية الوحيدة التي تجربها كثير من النساء في المغرب، بل تكثر الوصفات والخلطات التي لا تجد لها سنداً علمياً ولا طبياً ولا اجتماعياً ولا حتى دينياً، يورد الباحث الاجتماعي منير زرغومي.

ويشرح أن هناك أيضاً وصفة غذائية تتمثل في تناول المرأة العقيم دجاجة فتية (تُسمى العتوكة)، تكون مليئة بالتوابل والأعشاب الساخنة، التي تسمى "رأس الحانوت"، بهدف منح الرحم "السخونة" اللازم وطرد "البرد القديم"، وإتاحة الفرصة لتلقيح البويضة، وفق الاعتقاد الشائع.

ووفق الباحث، "تنتشر خلطات أخرى شائعة في المجتمع مثل استعمال نبتة ’كف مريم‘، وشرب الحلبة على صورة شاي لتنشيط تبويض المرأة، وهو ما لا تدعمه الأبحاث الطبية، وقد تنشأ خطورة ما في اتباع مثل هذه الوصفات، لأنها قد تفضي بالمرأة إلى مشكلات صحية هي في غنى عنها".

وإلى جانب هذه الخلطات والوصفات الشعبية التي تغامر بعض النساء في تناولها جلباً للذرية، وفق المعتقدات الشائعة، يتشكل المخيال المجتمعي من صور تروج لأضرحة بعينها على أنها الحل الناجع للعقم، فتشد بعض النساء العاقرات الحائرات الرحال إليها.

وفق الزرغومي، فإن عدداً من الأضرحة اشتهرت بأن المرأة التي لا تنجب عندما تزورها وتتمسح على أعتاب قبر "الولي الصالح" الذي ينتصب وسطها، تحقق غايتها المرجوة قبل مرور عام على زيارتها تلك، وهو ما لا يتحقق على أرض الواقع، إضافة إلى كونها "سلوكيات تعارض العقل والدين معاً"، على حد قوله.

من هذه الأضرحة، تبعاً للمتكلم، ضريح مولاي بوشعيب الرداد بمدينة أزمور، الذي اشتهر بلقب ذي دلالة اجتماعية وهو "عطاي العزارة"، والمعنى "واهب الذكور"، وضريح مولاي إبراهيم في منطقة تمصلوحت نواحي مدينة مراكش، وضريح سيدي ميمون في شرق البلاد، يقصدنه النساء اللواتي يرغبن في التخلص من العقم والحصول على حلم الذرية.

العقم ليس فقط ملفاً اجتماعياً وأسرياً ونفسياً، بل يمتد إلى العجلة المالية والاقتصادية لجلب الذرية، سواء عبر زيارة العيادات الطبية، أو التمسح بأعتاب الأضرحة الشعبية، أو تجريب الوصفات والخلطات القديمة.

يقول في هذا الصدد الباحث في اقتصادات الصحة، محمد سلهامي، إن الحرص الشديد على الإنجاب وإيجاد حلول علاجية لعقم الزوجين تتقاطع فيه كلف مالية، تبدأ عند أبواب العيادات الطبية ولا تنتهي عند الأسواق الشعبية ومحال العطارة.

وأفاد الباحث عينه بأنه يمكن تسمية هذا "الرواج المالي" لحل مشكلة العقم بين الأطباء والمشعوذين و"وصفات الجدات" بـ"اقتصاد العقم"، لأنه إشكال اجتماعي وأسري يتمخض عنه بالفعل إنفاقات مالية كبيرة في الاتجاهين معاً، تكلف الأسر وتثقل كاهلها في مجتمع منهك أصلاً بارتفاع الأسعار والتضخم.

في جانب العيادات والأطباء، يسترسل الباحث، ينفق الزوجان أموالاً طائلة لرؤية مولود عبر إجراء كثير من الفحوص المعقدة، وشراء الأدوية الهرمونية، وتجريب أكثر من طبيب متخصص في الولادة أو الخصوبة والعقم.

ومضى المتحدث قائلاً إنه في حال إجراء التقنيات الحديثة المساعدة على الإنجاب، فإن الإنفاق المالي يكون أكبر بكثير، نظراً إلى أن مثل هذه التقنيات باهظة الكلفة، على رغم أنها غير مضمونة النتائج 100 في المئة.

وعلى الضفة الثانية من المشهد، بحسب الباحث عينه، فإن وصفات محاربة العقم وخلطات جلب الذرية، علاوة على شد الرحال إلى الأضرحة وأداء ما يسمى "الباروك"، تكلف الأسر المعنية أموالاً تفاقم إرهاقهم الاقتصادي والاجتماعي والنفسي.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفهم تنقل كثير بين الطب الحديث والطب الشعبي والعلاج الديني والرمزي في شأن طلب الذرية، أفاد أستاذ السوسيولوجيا، مدير مختبر التخصصات البينية في العلوم الاجتماعية، زهير البحيري، بأن الأمر يعود إلى ثلاث عتبات أساسية، تبدأ بالضغط الاجتماعي المرتبط بمكانة الأمومة.

وأوضح البحيري أن مكانة المرأة تتوقف، إلى حد كبير، في المخيال الاجتماعي الشعبي على الإنجاب، لذلك لا يُفهم العقم على أنه مشكلة طبية وحسب، وإنما بوصفه تهديداً للهوية والمكانة الاجتماعية واستقرار الزواج، وما قد يرافق ذلك من مخاوف مرتبطة بالطلاق أو التعدد.

وأشار أستاذ السوسيولوجيا إلى أن النساء يتحملن عبء البحث عن العلاج بدرجة أكبر من الرجال، على رغم أن العامل الذكوري حاضر طبياً في نسبة مهمة من حالات العقم، غير أن هذا العامل يظل في كثير من الأحيان مسكوتاً عنه حماية لصورة الرجولة.

أما العتبة الثانية، بحسب المتحدث ذاته، فتتعلق بالنماذج التفسيرية الثقافية للمرض، إذ كثيراً ما يُفهم العقم داخل التمثلات الاجتماعية على أنه نتيجة للسحر أو "التقاف" أو العين. وبيّن أن السبب، ما دام يُتصور خارج الجسد البيولوجي، فإن العلاج المنتظر يكون بدوره من الجنس نفسه، من خلال البركة وزيارة الأضرحة والطقوس وغيرها.

وشدد البحيري على أن الأمر لا يتعلق بغياب العقلانية، وإنما بمنطق متماسك داخل منظومة من المعتقدات تمنح المعاناة معنى وتفتح أمام الشخص أفقاً للفعل، مبرزاً أن "هذه المنظومة تستمد جزءاً من قوتها من الشبكات النسائية التي تتولى نقلها وإعادة إنتاجها، من خلال الأمهات والحموات والجارات وغيرهن".

وتتصل العتبة الثالثة، وفق البحيري، بحدود الطب الحديث والعوائق المرتبطة بالولوج إليه، كون نسب نجاح العلاجات الطبية ليست مضمونة بنسبة 100 في المئة، كذلك فإن التشخيص قد يظل غامضاً في بعض الحالات، ومن بينها حالات "العقم غير المفسَّر".

ولفت الباحث إلى أن العلاقة بالطبيب تظل، في كثير من الأحيان، علاقة تقنية يغيب عنها البعد الإنساني، معداً أن هذا الفراغ يتيح للممارسات الشعبية تقديم ما لا يقدمه المستشفى أو الطبيب، من قبيل الأمل والإصغاء والإحساس بالقدرة على الفعل، عوض الاكتفاء بالانتظار السلبي.

وبحسب أستاذ السوسيولوجيا فإن "حدود الطب الحديث لا ترتبط فقط بطريقة ممارسته، وإنما تمتد أيضاً إلى شروط الولوج إليه"، مردفاً أن تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب مكلفة، كذلك فإنها تتمركز أساساً في المدن الكبرى، فضلاً عن محدودية تغطيتها من طرف التأمين الصحي.

وفي المقابل، تبدو الوصفات الشعبية وزيارة الأضرحة، في الظاهر، أيسر وأقل كلفة، إلى جانب ما توفره من قرب اجتماعي وجغرافي، وهو ما يجعلها حاضرة ضمن الخيارات التي تلجأ إليها بعض النساء والأسر في مواجهة العقم.

وخلص البحيري إلى أن "هذه الممارسات لا تشكل بديلاً من الطب الحديث"، محذراً في الوقت ذاته من أنها قد تنطوي على أخطار صحية حقيقية، كذلك قد تعرض الفئات الهشة للاستغلال"، ورأى أن "معالجة الظاهرة تقتضي ترسيخ الحق في العلاج كونه حقاً اجتماعياً لا امتيازاً، إلى جانب تغيير التمثلات الاجتماعية للمرض والإنجاب، وكذلك المعايير التي تُبنى عليها المكانة الاجتماعية داخل المجتمع".