مسيرات شبيهة بالطيور... تكتيك في كبد السماء

المصدر : INDEPENDENT | الأحد , 19 نيسان | : 24

تتعدد استخدامات هذه الطائرات المسيرة، فمثلاً كثيراً ما عانى علماء الأحياء "تأثير المراقب" أي أن وجود الطائرات المسيرة في منطقة ما يغير سلوك الحيوانات أو الأشخاص قيد الدراسة، لذا، تعد الطائرة المسيرة التي تحلق وتتصرف كطائر أداة بالغة الأهمية.

تكثف روسيا والصين في الآونة الأخيرة من مساعيها لتصنيع وتطوير طائرات مسيرة شبيهة بالطيور، جذبت اهتمام كثير من المراقبين كونها تحدث نقلة نوعية في الاستخدامات العسكرية والمدنية.

هذه المسيرات الشبيهة بالطيور، وبفضل التطورات في المواد وأجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي، حولت الآلات الضخمة القديمة إلى طائرات تحاكي الطبيعة بصورة مذهلة، ولا تصدر هذه الطائرات أي طنين أو أزيز بل ترفرف وتنزلق، وتميل وتتأرجح كما يفعل الطائر أثناء الطيران، وتبدو حركاتها طبيعية للغاية لدرجة أنك عندما تشاهد اللقطات من مسافة بعيدة، تتساءل عما إذا كنت ترى صقراً أو طائراً حقيقياً.

طور باحثون صينيون في جامعة "نورث وسترن بوليتكنيكال"، خلال عام 2025، مسيرة ذات أجنحة خافقة، لاقت استحساناً محلياً واسعاً باعتبارها إنجازاً علمياً بارزاً. هذه الطائرة المسيرة، التي تشبه الطيور وتعرف باسم "شينغ"، تحاكي آليات الطيران المعقدة للطيور الحقيقية، وهو مجال ابتكار تكنولوجي يسعى إليه كثير من الباحثين حول العالم.

تعد "شينغ" خليفة لمسيرة "يونشياو" السابقة من نوع "أورنيثوبتر"، يبلغ طول جناحيها 70 سنتيمتراً، ووزنها 260 غراماً فحسب، مما يجعلها أصغر حجماً وأخف وزناً من مسيرة "يونشياو"، وهي قادرة على أداء وظائف عدة، تشمل المراقبة السرية، وعمليات الإنقاذ في حالات الطوارئ، والبحث العلمي الميداني. كذلك فإن تصميمها خفيف الوزن، ومنخفض الضوضاء، وقابل للنقل، يجعلها مناسبة للاستخدام في البيئات المعقدة أو النائية.

ستستخدم مسيرة "شينغ" للاستطلاع التكتيكي في المناطق الحساسة حيث تحافظ الصين على حدود متوترة مع الهند، كذلك فإن نمط طيرانها الشبيه بالطيور يقلل من احتمالية رصدها بواسطة أنظمة الرادار أو المراقبة البصرية، وبفضل مناطق التنوع البيولوجي الشاسعة ومناطق الحفظ الطبيعية، يمكن للصين استخدام هذه الطائرات المسيرة في الرصد البيئي، وبحوث الحياة البرية والاستجابة للكوارث.

خلال الحرب الروسية - الأوكرانية استخدمت القوات الروسية طائرات مسيرة مموهة على هيئة طيور يصعب رصدها بصرياً وصوتياً، وأفادت مصادر أوكرانية كثيرة بظهور مركبة جوية غير مأهولة غريبة تشبه الطيور في شكلها وسلوك طيرانها.

وبحسب المصادر العسكرية الأوكرانية فإن عملية رصد هذه المسيرة معقدة بصورة كبيرة، سواءً بالرادار أو بالرصد البصري، لا سيما في ظروف الإضاءة المنخفضة أو الغيوم الكثيفة، حيث تندمج أشكالها الشبيهة بالطيور مع الخلفية بصورة طبيعية.

وقد عرضت المعارض العسكرية الروسية نماذج أولية لطائرات مسيرة على شكل بومة وصقر منذ عام 2018، مخصصة للاستطلاع وتحديد الأهداف. وتشير المشاهدات الأخيرة إلى أن هذه النماذج تستخدم الآن في سيناريوهات قتالية حقيقية، وبينما نجحت أوكرانيا في تحييد آلاف الطائرات المسيرة الروسية من خلال الحرب الإلكترونية والقتال التكتيكي بين المسيرات، فإن هذه الطائرات المسيرة الجديدة التي تحاكي الطيور تشكل تحدياً إضافياً.

وما نتحدث عنه هنا يعد إنجازاً بارزاً في مجال المحاكاة الحيوية، فقد أمضت الطبيعة مليارات الأعوام في تطوير حيل تصميمية مذهلة، وبذلك تحاكي هذه الطائرات المسيرة الاستراتيجية الديناميكية الهوائية التي استخدمتها الطيور لملايين السنين، مما يخلق وسيلة تنقل فائقة الكفاءة، فهي توفر الطاقة، وتزيد من القدرة على المناورة، وتعمل بصمت تام تقريباً.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تعاني الطائرات المسيرة متعددة المراوح بعض نقاط الضعف، فهي معروفة بصوتها المرتفع الذي قد يفزع الحيوانات، وغالباً ما يزعج البيئات الحساسة، إضافة إلى ذلك فهي تستهلك كثيراً من الطاقة، مما يحد من مداها وقدرتها على التحمل، وعلى رغم دقة أنظمة التحكم في طيرانها، تفتقر إلى مرونة الطيران البيولوجي. في المقابل تستوحي الطائرات المسيرة ذات الأجنحة المتحركة تصميمها من الطيور، وحتى النماذج الأولية تظهر تحسينات ملحوظة مقارنة بالطائرات المسيرة المتعددة المراوح ذات الحمولات المماثلة، إذ تتميز بكفاءة أعلى في استهلاك البطارية، وتشغيل أكثر هدوءاً، وقدرة على الطيران بسرعات منخفضة وعلى ارتفاعات منخفضة.

تتعدد استخدامات هذه الطائرات المسيرة، فمثلاً كثيراً ما عانى علماء الأحياء "تأثير المراقب" أي أن وجود الطائرات المسيرة في منطقة ما يغير سلوك الحيوانات أو الأشخاص قيد الدراسة، لذا تعد الطائرة المسيرة التي تحلق وتتصرف كطائر أداة بالغة الأهمية، وستستفيد برامج الرصد البيئي من نشر هذه المسيرات في الأراضي الرطبة والغابات والمناطق الساحلية بأقل تأثير ممكن.

وإلى جانب الاستخدامات العلمية توجد مخاوف عسكرية وأمنية لا يمكن تجاهلها، فالطائرة المسيرة التي تحاكي سلوك الطيور أداة استخباراتية من فئة جديدة كلياً، وتستدعي تداعياتها الجيوسياسية دراسة جادة من قبل المؤسسات الدفاعية عالمياً.

في نهاية المطاف، تمثل الطائرات المسيرة ذات الأجنحة المتحركة إنجازاً مهماً في تصميم المسيرات، فهي آلات صنعت بأيدي مهندسين بارعين، وتعمل ببطاريات وتقنيات تشغيل طورت في القرن الـ21، وتوجه بواسطة أنظمة حاسوبية متطورة، كذلك فإن حقيقة نجاحها في محاكاة ما أتقنته الطبيعة منذ مئات آلاف السنين لهو أمر يدعو إلى الدهشة.

وهكذا يمكننا القول إننا نقترب بصورة خطرة من النقطة التي تبدأ فيها الأنظمة الميكانيكية والبيولوجية بالتداخل، إذ إن التكنولوجيا التي نبتكرها باتت تندمج حرفياً مع الطبيعة، ومع تقدمنا سيساعدنا فهم هذا الاندماج على التكيف والابتكار ومواجهة التغيرات المقبلة.