مناقشة قضايا الأوطان بالصياح والعنتريات
سردة على الهامش
ما إنْ تُمسكُ موبايلك، وتدخل إلى موقع له علاقة بالحوار السياسي أو الاقتصادي حتى تسمعَ الطَّاخ والطيخ، والزَّعيق، والصَّريخ، فلا تشعر أنكَ أمامَ اثنين يناقشان قضية تهمُّ الناس، وإنما أمامَ ذئبين يتصارعان على فريسة!
تتمتم: يا لطيف، وتحاول إغلاقَ الموبايل، فَيُعلِّق! وكأنَّ الجهاز انسطل هو الآخر، وأصابَ رأسَهُ الصُّداع! قد تصحو أنت وموبايلك، وتجرب الانتقال إلى موقع آخر، فيقودك سوءُ الحظ إلى مباطحة حوارية أخرى! للأسف.. هذه الحالة لم تعد استثناءً، بل تزداد وتتسع كجائحة!
فرضَ الإنترنت حضورَهُ في العقود الأخيرة بعد أن انفتحَ فضاءُ التواصل الإلكتروني أمامَ الجميع، وأصبحَ الموبايل كأنه واحدٌ من أفراد الأسرة! وصرنا نقول له: صباح الخير أو مساء الخير قبل أن يقولها بعضُنا لبعض!
وحقاً نحن بحاجة للحوار حولَ قضايانا المُلحّة بعد حرب سلختْ جلدَ الوطن، وطحنتْ عظمَهُ، وتركتْ كلَّ شيء على الحديدة! فالأزماتُ كثيرة، وصعبة، وبعضُها عنيد تتعلَّقُ بالاقتصاد، والتعليم، والصحة، ووو… ولا أحدَ من العقلاء ينكر ذلك.
واليوم تتيح لنا المواقع الألكترونية- إذا كنَّا من العقلاء- فرصةً ممتازة للحوار، وتبادلِ الآراء وإبداءِ الملاحظات بالحسنى مع التعليل، بعيداً عن الأسلوب الشائع أو شبه الشائع في المواقع التي أشرنا إليها! ومعظمُ ما فيها من حواراتٍ أو تعليقاتٍ يندرج تحت صفة (الرَّدْح) والشَّتائم والتراشق بالتُّهم! أي أنَّ- هؤلاء الردَّاحين – ينقلون تخلفَهم إلى الشبكة العنكبوتية بدلاً من أن يستعينوا بها للتخلص منه!
بل إنني أشعر بأنَّ الشبكة تتيح منبراً لمن لا عملَ لهم من أصحاب الألسنة الطويلة كي يُظهروا مراجلَهم الكلامية، و(الحكي على العريض)، أو يُقدِّموا فذلكاتٍ طويلة وسفسطاتٍ تشبه قشورَ البزر المفصص، أو هيَ تعفيس في تعفيس!
والغريبُ أنَّ بعضَ المتحاورين خرجوا من بلادهم العربية إلى الدول الأوروبية الراقية للدراسة أو العمل، أو للجوء وكما يقول الشَّاعر القديم: (فاغتربْ تتجدَّدِ)، لكنهم لم يتجددوا، و(تيتي تيتي متلْ ما رحتي متل ما جيتي)!
قبلَ وجود المواقع الألكترونية سمعنا آلافَ الصيحات الداعية إلى حرية القول والفضفضة، لأنَّ العقول مثـقَلةٌ بالثَّمر الذي حانَ قطافُه، وحقاً قدَّمَ بعضُ الناس من خلال المنابر الألكترونية أفكاراً هامة نافعة في هذا المجال أو ذاك إلا أنَّ كثيرين جداً قدَّموا كلاماً سخيفاً يشبههم.
لسنا ضدَّ المواقع الألكترونية، ولا ضدَّ حقّ الكلام، لكننا ضدَّ الجعير، والهدير، وإضاعةِ فرصٍ ثمينة للتحاور، وبناءِ الذات بالآخر ومعه. إنَّ حالنا- بصراحة- كحال الكسيح الذي يحتاجُ ضوءَ الشَّمس، لكنه حينَ طلعتْ شمس الشمُّوسة حبسَ نفسَهُ في الغرفة، وأسدلَ الستائر!
سأذكر الآن بعضَ قواعد الحوار التي تحدَّثَ عنها العقلاء، وهي ضرورية لكل حوار- كما أرى- سواءٌ كان ألكترونياً أو عادياً بين رجلين في الطَّريق أو تلفزيونياً مسجَّلاً أو على الهواء مباشرة:
من أول ذلك تحديد موضوع الحوار، ثمَّ معرفةُ الطَّرفين المتحاورين بالموضوع أو التخصص فيه، فلا يجوز لمهندس مثلاً مهما كان بارعاً في الهندسة أن يزجَّ نفسَهُ في مناقشة قضية طبيَّة، والدُّخولُ إلى الحوار بنيَّةِ الإفادة لا بنيَّةِ المناطحة والمكاسرة، وحين ينتصر رأيكَ فلا تصفّقْ لنفسك، إنه انتصارٌ للعقل والحقيقة، وليس انتصاراً شخصياً، وعليكَ قبلَ أيّ حوار أنَّ تؤمن بأنَّ الحقيقةَ الكاملة ليست عندك، وليست عند أيّ أحد في هذا الكون، لذلك ضع غرورك جانباً عندما تُحاور غيرَك، ومن أهم القواعد وأكثرها جدوى أن تناقشَ الفكرةَ التي أمامكَ، ولا تتهجَّم على صاحبها.
أخيراً.. إذا لم يخرج أهلُ الفهمنة من غَوغائيتهم، فسيكون حالهم حالَ الإخوةِ الثلاثة الذين فكَّروا في شراء طاولة، وقبلَ شرائها اختلفوا على مكان وضعها، فتصايحوا، وتشاجروا، ومزقوا ملابسَ بعضهم، ثمَّ حَرِدوا عن الجلوس معاً، وشُربِ الشاي مع أمهم، وألغيَ مشروع الشراء مرةً بعد أخرى! وكأنَّ الإخوة- كما يقال عن العرب- اتفقوا على أن لا يتفقوا!
لكنَّ الأملَ يطلُّ برأسه، ويرسمُ لنا صورةً أفضل بعيداً عن هذا الصَّخب الفارغ، والنميمة، والضَّرب، واللَّكم، والخبط، والنَّطح، فالحوار لقاءُ عقلاء، لا نطاحُ تيوس!