بين نقد التقصير واستغلال أزمات الوطن سياسياً

المصدر : الثورة | الأثنين , 05 تشرين الأول | : 35

منذ ثلاثة عشر عاماً أعيش في تركيا، وكم من صباح شتوي استيقظنا فيه على صور شوارع غمرتها المياه، وسيارات جرفتها السيول، وأنفاق أُغلقت، وبيوت ومحال تضررت في هذه الولاية أو تلك، وفي كل مرة تنحسر المياه، وتبدأ أعمال الإصلاح، وتستمر الحياة.

وكنت كلما رأيت تلك المشاهد أدرك حقيقة بسيطة: قوة الدولة وتطور بنيتها التحتية لا يعنيان أن الطبيعة لن تفاجئها، كما أن وقوع السيول لا يعني وحده أن الدولة فاشلة أو أن مؤسساتها لا تعمل. تذكرت ذلك وأنا أتابع ما جرى خلال اليومين الماضيين في بعض مناطق حلب وإدلب واللاذقية من أمطار غزيرة وتجمعات للمياه وسيول في بعض الشوارع.

نعم، من حق المواطن السوري أن يسأل: هل كانت مصارف المياه جاهزة؟ وهل جرى تنظيفها قبل موسم الأمطار؟ وهل كان يمكن تفادي بعض الأضرار؟ وهل قصرت جهة ما في واجبها؟ هذه أسئلة مشروعة وضرورية، فالحكومة ليست فوق النقد، والمسؤول الذي يقصر ينبغي أن يُسأل، والخلل ينبغي أن يعالج. ولا نريد أن يتحول الدفاع عن الدولة إلى تبرير للأخطاء أو إغلاق لباب النقد. لكن هل من العدل أن تتحول كل مشكلة خدمية إلى محاكمة للدولة كلها؟

وخلال هذه السنوات رأيت عن قرب ما شهدته تركيا من تطور واسع، ومشروعات ضخمة، وطرق وجسور وأنفاق وشبكات وبنى تحتية حديثة، ومع ذلك تكاد تمر كل سنة دون أن تشهد بعض الولايات أمطاراً غزيرة أو فيضانات وسيولاً تغمر الشوارع، وتعطل الطرق، وتجرف السيارات، وتتسبب أحياناً بأضرار كبيرة.

وهذا يحدث أيضاً في دول أوروبية والولايات المتحدة وغيرها من البلدان ذات الإمكانات الكبيرة والبنى التحتية المتطورة. فشبكات التصريف في المدن تُبنى وفق قدرات ومعايير محددة، وقد تهطل في ساعات قليلة كميات من المياه تفوق قدرتها، كما قد تتفاقم المشكلة بسبب انسداد المصارف أو طبيعة الأرض أو التوسع العمراني أو تقصير بشري كان ينبغي تداركه.

لذلك ينبغي أن نفرق بين الكارثة الطبيعية والتقصير البشري. وقد تجتمع الاثنتان في مكان واحد، والموقف المنصف ليس تبرئة الجهات المسؤولة قبل معرفة الحقائق، ولا إدانتها لمجرد رؤية شارع غمرته المياه. ثم إن من الإنصاف أن نتذكر الواقع الذي بدأت منه سوريا الجديدة. لقد ورثت الدولة بلداً أنهكته عقود طويلة من الفساد والإهمال وسوء الإدارة، ثم جاءت سنوات الحرب والدمار لتضيف إلى المشكلات المتراكمة خراباً هائلاً في الطرق والكهرباء والمياه والصرف الصحي والخدمات والمؤسسات.

هذه التركة الثقيلة لا يمكن إصلاحها في أشهر، ولا يمكن بعد عقود من الخراب أن نتوقع في مدة وجيزة بنيةً تحتيةً متطورةً، وشبكاتٍ حديثةً، وطرقاتٍ مثاليةً، وخدماتٍ مكتملةً. لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تصبح عذراً دائماً، المطلوب أن نرى عملاً وتقدماً ومحاسبةً وتصحيحاً للأخطاء، وأن يشعر المواطن أن شكواه تصل، وأن المسؤول يسمع، وأن الخلل الذي يظهر هذا الشتاء لا يبقى كما هو في الشتاء القادم.

وهنا يأتي دورنا نحن أيضاً، فوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون أداةً نافعةً لكشف الخلل وإيصاله إلى المسؤولين، لكنها قد تتحول كذلك إلى ساحة للمبالغات والشائعات وتصفية الحسابات. ولنكن أكثر انتباهاً أيضاً إلى محاولات فلول النظام المخلوع وبعض الجهات الانفصالية استغلال الأزمات الخدمية سياسياً، وتحويل معاناة الناس ومطالبهم المشروعة إلى مادة للتحريض على الدولة ومؤسساتها.

ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين هؤلاء وبين المواطن الذي ينتقد أو يشتكي. فليس كل من انتقد الحكومة من الفلول، وليس كل من اشتكى من الكهرباء أو الأسعار أو السيول عدواً للدولة. المواطن الذي يتألم من الغلاء أو يشكو من خدمة سيئة له الحق في الكلام والاعتراض والمطالبة بالإصلاح. لكن هناك فرقٌ بين مواطن يقول: أصلحوا هذا الخلل، وبين من يتمنى أن يتحول كل خلل إلى أزمة، وكل أزمة إلى غضب، وكل غضب إلى فوضى.

إن سوريا اليوم بحاجة إلى المواطن الشريك، الذي يبلغ عن الخلل بدلاً من الاكتفاء بتصويره، وينتقد ليصلح لا ليهدم، ويحافظ على الممتلكات العامة، ويساعد بما يستطيع. كما أنها بحاجة إلى حكومة تسمع هذا المواطن وتقبل نقده، وتعترف بالخطأ، وتحاسب المقصر وتتعلم من التجربة، وتواصل العمل بلا كلل أو ملل.

لقد خرج بلدنا من مرحلة شديدة القسوة، وبناء الدولة الجديدة مسؤولية كبيرة لا تتحملها الحكومة وحدها. فالدولة ليست مباني ووزارات ومسؤولين فحسب، بل هي شعب ومؤسسات ومجتمع يتعاون الجميع فيه على الإصلاح. فلنطالب حكومتنا بالمزيد، ولنشر إلى الأخطاء بوضوح، ولنقل للمقصر: قصرت، وللمحسن: أحسنت. وفي الوقت نفسه، لنقف في وجه من يريد استغلال كل أزمة عابرة لزرع اليأس والفرقة بين السوريين.

لا نريد مواطناً يبرر كل تقصير، ولا مواطناً يحول كل تقصير إلى كارثة وطنية. نريد دولةً لا تخاف النقد، وشعباً واعياً لا تنطلي عليه المزايدات، وحكومةً تعمل وتراجع نفسها، ومجتمعاً يدرك أن إعادة بناء وطن أنهكته عقود من الإهمال وسنوات من الحرب تحتاج وقتاً وصبراً وعملاً مشتركاً. وإذا كانت الأمطار الغزيرة قد كشفت ضعفاً في مصرف أو طريق أو شبكة، فلنصلحه، ولنحاسب من قصر فيه.

أما أن نسمح لمن يتربص بسوريا أن يحول مياه الأمطار إلى سيل من التحريض واليأس والفرقة، فذلك ضرر أشد من شارع غمرته المياه. فالماء ينحسر بعد ساعات، أما شرخ الثقة بين الشعب ودولته فقد يحتاج سنوات حتى يُرمم.