كيف تعطل طائرات الحرب الإلكترونية الرادارات والدفاعات الجوية؟

المصدر : INDEPENDENT | الأثنين , 19 كانون الثاني | : 52

الطائرات الإلكترونية ليست مصممة للمعارك أو الغارات الجوية، وأسلحتها عبارة عن موجات طاقة غير مرئية تشوش على رادارات العدو، وتضلل الاتصالات، وتعطل أجهزة الاستشعار قبل إطلاق النيران.

في ساحة الحرب الحديثة حيث تنطلق الصواريخ بسرعة البرق وترصد الرادارات كل ما يتحرك في السماء، لم يعد يتوقف النصر بالضرورة على القوة الغاشمة، بل بات يحتاج أيضاً إلى التشويش الماكر، وهنا يأتي دور طائرات الحرب الإلكترونية، الحراس الخفيون للطيف الكهرومغناطيسي. فهذه الطائرات ليست مصممة للمعارك أو الغارات الجوية، وأسلحتها عبارة عن موجات طاقة غير مرئية تشوش على رادارات العدو، وتضلل الاتصالات، وتعطل أجهزة الاستشعار قبل إطلاق النيران.

لا تتصدر هذه الطائرات عناوين الأخبار، لكن بصماتها تترك أثراً واضحاً في كل مواجهة كبرى. ففي حرب الخليج عام 1991، شلّت طائرات "براولر" و"ريفن" الدفاعات الجوية لصدام حسين، وخفضت عمليات إسقاط الطائرات بنسبة 90 في المئة. وخلال حملة ليبيا في عام 2011، شوشت طائرات "غراولر" على رادارات القذافي، ممهدةً الطريق أمام قاذفات حلف شمال الأطلسي للتخفي. أما في حرب أوكرانيا، فتستخدم كل من موسكو وكييف طائرات حرب إلكترونية من دون طيار محولتان بذلك الطيف الترددي إلى ساحة صراع لا تقل أهمية عن المعارك البرية.

وقد استخدمت القوات الأميركية أخيراً طائرات الهجوم الإلكتروني "إي إيه 18 جي غراولر" التابعة للبحرية خلال الضربة التي شنتها على فنزويلا، حيث وظفت تشويشاً عالي الطاقة لتعطيل طبقات عدة من شبكة الدفاع الجوي الفنزويلية.

تعود جذور الحرب الإلكترونية إلى ما هو أقدم مما قد نتصور، إذ تسبق عصر الطائرات النفاثة بعقود. ففي عام 1904 وخلال الحرب الروسية - اليابانية، قامت القوات الروسية بتشويش الاتصالات اللاسلكية للبحرية اليابانية باستخدام أجهزة إرسال بدائية تعمل بتقنية غير متطورة لحرمان الطائرات من الاتصال عبر الأثير. وشكل هذا الأمر بداية الحرب الإلكترونية كتكتيك مدروس، متطوراً من الاستماع السلبي إلى التشويش الفعال.

لاحقاً أسهمت الحرب العالمية الثانية في تسريع سباق التسلح في هذا المجال الخفي، إذ قامت دول الحلفاء والمحور على حد سواء بتجهيز قاذفات القنابل بطلاءات ماصة للرادار وموزعات رقائق معدنية، وهي عبارة عن شرائط من رقائق معدنية تشوش على مناظير العدو. مع نهاية الحرب، أنقذت الحرب الإلكترونية أرواحاً لا تحصى، مثبتةً أن تعطيل الإشارات قد يكون أشد فتكاً من الرصاص.

وأدت الحرب الباردة إلى تسريع وتيرة التطور، إذ تطلبت المواجهات بين القوتين العظميين التفوق في مجال الترددات، وهكذا دفع نشر الاتحاد السوفياتي لرادارات متطورة في خمسينيات القرن الماضي، الولايات المتحدة إلى نشر أولى طائراتها النفاثة المخصصة للحرب الإلكترونية. فحلقت قاذفة "دوغلاس بي-66 ديستروير" في مهمات دعم الحرب الإلكترونية فوق فيتنام، محددةً مواقع صواريخ أرض-جو وسط ضباب الأدغال. من ثم أصبحت طائرة "غرومان إي إيه-6 بي براولر"، التي دخلت الخدمة عام 1969، سلاحاً أساساً في فيتنام لقمع دفاعات فيتنام الشمالية.

وشهدت ثمانينيات القرن الماضي تنوعاً في استخدامات الحرب الإلكترونية، إذ تخصصت طائرة "ريفن" التابعة لسلاح الجو الأميركي، في عمليات قمع الدفاعات الجوية للعدو عالية السرعة. ورد السوفيات عليها باستخدام طائرات "توبوليف تو-16"، وهي منصات استخبارات إلكترونية تتجسس على ترددات حلف شمال الأطلسي من مسافة بعيدة. وبحلول فجر حرب الخليج عام 1991، تطورت طائرات الحرب الإلكترونية لتصبح قوة مضاعفة. واليوم، مع وجود أكثر من 100 دولة تستخدم أصول الحرب الإلكترونية، لم يعد هذا التخصص هامشياً بل أصبح أساساً في الحروب.

هذه الطائرات عبارة عن حواسيب عملاقة طائرة مصممة خصيصاً للعمل مع الإشارات الكهرومغناطيسية، وبذلك تقوم أجهزة استقبال مثبتة على حاويات بمسح الطيف الترددي، وتحديد مواقع التهديدات بدقة متناهية. وعلى سبيل المثال، يمكن لطائرة "غراولر" رصد إشارة رادار صاروخ أرض-جو من مسافة 300 كيلومتر، وتزويد مخططي الضربات بالبيانات في الوقت الفعلي. من ثم تأتي الحرب الإلكترونية المضادة حيث تُغرق أجهزة إرسال عالية الطاقة نطاقات العدو بالتشويش، مخفيةً الإشارات في ضوضاء ثابتة، أو تنشر أهدافاً وهمية لتضليل الصواريخ. إضافة إلى ذلك تمتلك هذه الطائرات تقنية "ذاكرة الترددات الراديوية الرقمية" وهي تقنية أساسية منذ تسعينيات القرن الماضي، تسجل نبضات الرادار وتعيد بثها، محدثةً أصداءً وهمية تربك أنظمة التتبع.

يضمن نظام إدارة الطاقة الإلكترونية في الطائرة استمرار عمل رادارها من دون انقطاع، وفي ظل تزايد التهديدات السيبرانية، تدمج الحرب الإلكترونية الحديثة أجهزة راديو معرّفة برمجياً، مما يسمح بإعادة البرمجة أثناء الطيران لمواجهة الإشارات الجديدة.

يشغل هذا النظام محركات ضخمة ومولدات مساعدة تحافظ على انبعاثات بمستوى غيغاوات من دون أن تؤدي إلى انصهار هيكل الطائرة، ويدير الطاقم الذي يتألف عادةً من أربعة متخصصين لكل طائرة مكتبات التهديدات المحدّثة عبر روابط البيانات، متخذين قرارات سريعة في خضم سيل من الإشارات.

لا تكتمل أي مناقشة حول طائرات الحرب الإلكترونية من دون تسليط الضوء على الأساطير التي رسّخت مكانتها في هذا المجال. فمثلاً هيمنت طائرة "إي إيه-6 بي براولر" الأميركية على عرش الحرب الإلكترونية لمدة 45 عاماً، قبل أن تحال إلى التقاعد عام 2019 بعد أكثر من 30 ألف طلعة جوية قتالية. هذه الطائرة الجبارة ذات المحركين، التي كان يقودها ضباط متخصصون بالحرب الإلكترونية، شوشت الرادارات العراقية تماماً خلال حرب الخليج، مما مكّن قوات التحالف من تحقيق سيادة جوية كاملة.

أما خليفتها طائرة "إي إيه 18 جي غراولر" فدخلت الخدمة عام 2009 وتعتبر الأفضل في العالم حالياً. وتتميز بقدرتها على التشويش واسع النطاق إضافة إلى امتلاكها صواريخ مضادة للإشعاع لعمليات قمع الدفاعات الجوية للعدو. وقد عطلت هذه الطائرة اتصالات تنظيم "داعش" فوق سوريا وراقبت حاملات الطائرات الصينية في بحر الصين الجنوبي، وشاهدنا دورها في عملية خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع هذا الشهر.

وخارج الولايات المتحدة تشمل طائرات الحرب الإلكترونية الرئيسة في الصين طائرة "جي 16 دي" التابعة للقوات الجوية وطائرة "جي 15 دي" التابعة للبحرية والمخصصة للعمل على حاملات الطائرات، وكلاهما مشتقتان من طائرات مقاتلة ومصممتان لتشويش رادارات العدو واتصالاته، إضافة إلى طائرة "شانشي واي 8" وهي طائرة توربينية مروحية، توفر تدابير الدعم الإلكتروني والتشويش. كذلك تعتبر طائرة "بيريف إيه-50 الروسية" من الأفضل في العالم، وهي طائرة إنذار مبكر مزودة بأنظمة حرب إلكترونية، ودخلت في مناوشات مع حلف شمال الأطلسي فوق أوكرانيا.

أما طائرة "بوينغ إي-3 سينتري" التي تعرف باسمها الشائع عالمياً "أواكس"، فتمتلكها الولايات المتحدة وعدد من الدول الحليفة، وهي في الأساس منوطة بها عمليات الإنذار المبكر الجوية، إلا أن عدداً منها يعمل في أدوار الحرب الإلكترونية والهجوم الإلكتروني، مع وجود 31 منها في الخدمة على مستوى العالم.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بالنظر إلى المستقبل، تتخلى الحرب الإلكترونية عن تركيزها على منصة محددة لمصلحة أسراب متصلة بشبكة، ويتطلع سلاح الجو الأميركي إلى ما يطلق عليه "التفكيك"، أي توزيع القدرات بين المقاتلات والطائرات من دون طيار والطائرات المرافقة لها عبر روابط بيانات شبكية. وتعد وحدة "ستورم" للحرب الإلكترونية من شركة "بي إيه إي" الرائدة في قطاع الصناعة العسكرية، بإمكان التشويش الفوري بحلول عام 2030، مما يقلل كلف التكامل بصورة كبيرة.

وستدمج تقنيات جديدة متطورة، مثل نظام "إن جي إيه دي" (الجيل القادم من الهيمنة الجوية) التابع للبحرية الأميركية، تقنيات الحرب الإلكترونية المعرفية والذكاء الاصطناعي الذي يتنبأ بالتهديدات ويستبقها في أجزاء من الثانية.