التعلم الآلي... عقل خفي يسيطر على حياتنا
الحقيقة أن الخوارزميات تقف اليوم خلف كل تقدم تقني مذهل تشهده البشرية في هذا العصر، طورتها عقول بشرية لتوسيع القدرات البشرية ذاتها.
قد يغيب عن غالبيتنا مدى تغلغل الخوارزميات في حياتنا اليومية ودرجة تأثيرها في سرعة وسهولة مهامنا اليومية، إذ يكاد لا يمر نشاط يومي، سواء على أرض الواقع أو في المنصات الرقمية، إلا والخوارزميات تديره وتضبط عمله، فظهور تحديثات الأصدقاء على منصات التواصل الاجتماعي وأسرع طريق يقترحه تطبيق الخرائط والتصحيح التلقائي على الهاتف ونتائج البحث المرتبة على "غوغل" وملف الموسيقى المفضل واقتراحات الأغاني على منصات البث والصورة ذات الإضاءة المتوازنة والألوان المحسنة التي يخرجها هاتفك الذكي وعملية الدفع الإلكتروني الآمنة، وغيرها كثير من المهام التي تجري في أقل من نصف ثانية.
كل ما سبق يجري بفضل خوارزميات متخصصة بالتوصية والترتيب ومعالجة الصور وكشف الاحتيال والاختيار والاقتراح والتقييم، فالخوارزميات تعمل قبل أن نفتح أعيننا، وتشكل عمود حياتنا الرقمية وكل ما يتفرع عنها على أرض الواقع.
إذاً نحن أمام عنصر خفي يحمل عنا كثيراً من العناء اليومي. والحقيقة أن الخوارزميات تقف اليوم خلف كل تقدم تقني مذهل تشهده البشرية في هذا العصر، طورتها عقول بشرية لتوسيع القدرات البشرية ذاتها، ولم يعد هنا فهم الخوارزميات ترفاً أكاديمياً بل ضرورة ثقافية، ودراستها تتجاوز الجانب التكنولوجي لتمتد وتشمل البعد الاجتماعي والفلسفي، إذ تحدد كيف نختار ونتصرف ونفكر حتى، لذا سنقوم هنا بمحاولة تبسيطها وشرح حضورها بصورة لا تخل في معناها.
قد تدل هذه الكلمة للوهلة الأولى على مصطلح تقني معقد وشديد التخصص، لكن الحقيقة أن جوهرها، قبل أن يروج له كمفهوم في علم الحاسوب، كان حاضراً في حياتنا اليومية منذ القدم، إذ تكاد أن تكون كل عملية تفكير وتطبيق مرتبة ومتسلسلة ومنضبطة هي في العمق خوارزمية، فوصفة الطبخ ومراحل تجميع الأثاث وحتى خطواتنا الصباحية من الاستيقاظ حتى الخروج من المنزل كلها خوارزميات، وأي عملية مكررة يمكن وصفها بخطوات واضحة يمكن تحويلها إلى خوارزمية.
فالخوارزمية ببساطة مجموعة خطوات مرتبة وواضحة تؤدي إلى حل مشكلة محددة أو تنفيذ مهمة معينة والوصول إلى نتيجة مرغوبة، يمكن أن ينفذها إنسان أو جهاز حاسوب أو حتى مجموعة من القواعد في شركة، وللتبسيط أكثر يمكن تصورها كوصفة طبخ مرتبة خطوة بخطوة، وكل خطوة لها غرض بحيث لا يمكن تخطيها والالتزام في الترتيب هو الذي يوصلنا في النهاية على النتيجة المرغوبة.
الخوارزمية مجرد أداة تعكس البيانات التي تعلمت منها لا أكثر (رويترز)
أحد الأمثلة الشائعة اليوم، هو التطبيقات الصحية في الهاتف أو الساعة الذكية، تحلل نمط النوم (عمق النوم وعدد مرات الاستيقاظ ودورات النوم) طوال الليل، وتحسب التوقيت المثالي للتنبيه بحيث تنبه المستخدم للاستيقاظ في أخف مرحلة من النوم بحيث لا يشعر بثقل، هذا ليس مجرد منبه ذكي، بل خوارزمية تقيم بيانات بيولوجية حقيقية وتتخذ قراراً يؤثر في راحتنا وإنتاجيتنا وقراراتنا طوال النهار.
تحكم هاتفنا الذكي مجموعة خوارزميات، تتبع الوجه والتصوير الليلي وتصحيح النص وترتيب الإشعارات حسب الأهمية، وتطبيقات الملاحة التي تدلنا على أقصر الطرق آخذة في الاعتبار حركة السير لحظياً مع تحديث المسار كل ثانية تقريباً، إذ يستخدم (غوغل مابس) خوارزميات تنقل تحلل حركة المرور في الوقت الحقيقي والحوادث والطرق البديلة لتحديد أسرع طريق.
وتستخدم كل الأجهزة الذكية المنزلية خوارزميات التعلم الآلي لفهم الأوامر الصوتية البشرية ثم تنفيذها، سواء كان ذلك تشغيل المصابيح وضبط المنبهات أو طلب التسوق، مثل المساعدات الصوتية الذكية والثلاجات التي تقرأ محتوى المخزون وتحلل مواعيد انتهاء صلاحية الطعام، ثم تقترح وجبات أو طلبات شراء، وخوارزميات التسوق الإلكتروني التي تقترح المنتجات وترتب النتائج وتحدد الأسعار الديناميكية بناءً على العرض والطلب والسلوك السابق للمستخدم، وتوصيات منصات البث القائمة على خوارزميات تحليل سلوك المشاهدة لملايين المستخدمين لتقدير ما يناسب ذوقهم وتفضيلاتهم.
وتستخدم بعض المدن الذكية خوارزميات لإدارة إشارات المرور وتحسين مرور السيارات، مما يقلل من الوقت المستغرق في التنقل والتلوث والأضرار البيئية.
وتساعد الخوارزميات في أتمتة المهام الروتينية، مما يسمح للعاملين بالتركيز على المهام الإبداعية واتخاذ القرارات الاستراتيجية، فخوارزميات البريد الإلكتروني ترتب الرسائل وتصنفها تلقائياً إلى رئيس ومهم وترويجي وشخصي واجتماعي واجتماعات، مما يوفر ساعات من الفرز اليدوي، وهذه الخوارزمية تتعلم من سلوك المستخدم السابق لتعيد ترتيب أولوياتها بانتظام وفق أنماطه لا وفق قواعد عامة.
وأدوات مثل (تريللو) تستخدم خوارزميات ترتيب الأولويات تلقائياً بناءً على مواعيد المهام وأولوية المشروع، وتستخدم في برامج تحليل البيانات وإدارة المشاريع والموارد البشرية والتوظيف وخدمة العملاء والمحاسبة وإعداد التقارير المالية والمبيعات والتسويق.
وكذلك في التجارة الإلكترونية، تحدد الخوارزميات أسعار المنتجات وتتنبأ بالطلب وتدير المخزون بكفاءة عالية، والبنوك الرقمية تقوم بتحليل سلوك الإنفاق لتحذير المستخدمين من النفقات غير المعتادة أو لاقتراح خطط ادخار مخصصة، وشركات مثل (باي بال) تستخدمها للكشف عن الاحتيال المالي فور حدوث أي نشاط مشبوه.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشكل الخوارزميات سلوكنا الرقمي وتؤثر في تفاعلاتنا اليومية في العالم الافتراضي، من خلال التوصية بالمحتوى (الأفلام والموسيقى)، إذ تحلل منصات مثل (نتفليكس) و(سبوتيفاي) تاريخ المشاهدة والاستماع لتقترح محتوى مشابهاً كما تدرس أيضاً تفضيلات مستخدمين مشابهين لدعم الاقتراحات، وتستخدم منصات التعليم الإلكتروني الخوارزميات لتخصيص مسارات التعلم حسب مستوى الطالب ونقاط القوة وتدرج الموضوعات من الأسهل إلى الأكثر صعوبة، وتحدد خوارزميات (فيسبوك) و(إكس) أي المنشورات تظهر أمام المستخدمين بناءً على التفاعل السابق والاهتمامات وحتى توقيت النشر.
وفي هذا تأثير اجتماعي واضح، إذا ما علمنا أن ما نراه يومياً يشكل تصوراتنا وأفكارنا، فالخوارزميات تحمل أيضاً تحديات أخلاقية واجتماعية، خصوصاً في التحكم بالاختيار الفردي والتأثير في السلوكيات.
وفي حين يتخوف البعض من سيطرة الخوارزميات على الحياة البشرية، إلا أن الحقيقة في النهاية أن الخوارزمية مجرد أداة تعكس البيانات التي تعلمت منها لا أكثر، وإذا كانت هذه البيانات تحمل تحيزات تاريخية أو اجتماعية، فإن الخوارزمية ستكرس هذه التحيزات وتضخمها، وإذا أظهرت خوارزميات التوظيف في بعض الشركات ميلاً ضد مجموعات معينة فهذا لأن بيانات التدريب غير متوازنة.
ومن هنا علينا أن نعلم أنه في حال كانت النتيجة غير مرضية، فالمشكلة ليست في الخوارزمية بل في كيفية تصميمها وما غذيت به من بيانات، فهي تنجز فقط ما تؤمر به، وفي هذا عودة دائماً إلى المسؤولية البشرية، فالإنسان هو من يقرر هنا، والمعادلة ليست إنساناً ضد خوارزمية، بل إنسان واع يعرف كيف يسخر التعلم الآلي ويجيد استخدام الخوارزمية ويحسن نتائجها لتقوم بالمهام الرتيبة والكمية التي تجيدها باحتراف، وتترك للإنسان ما هو إنساني صرف، الإبداع والقيادة والتعاطف والحكم الأخلاقي.