لا أحد هناك ولا شيء نراه... لماذا القمر مجددا؟
يعاني استكشاف القمر سؤالاً استراتيجياً لم يحسم بعد: لماذا العودة إليه أصلاً؟ فالهدف من برنامج "أبولو" كان جيوسياسياً في المقام الأول، وبعد الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية "لم يظهر مبرر مقنع لإعادته إلى الحياة". لذلك لم يمثل اختتام رحلة "أبولو 17" بالنسبة إلى هؤلاء العلماء نهاية مهمة فضائية إلى القمر فحسب، بل نهاية حقبة قديمة بأكملها من غزو النجوم.
بالنسبة إلى شريحة لا يستهان بها من مراقبي الفضاء الأميركي والعالمي، يعد البناء على مهمة "أبولو" والعودة إلى القمر من خلال "أرتيميس 2" بمثابة تحدٍ حقيقي أمام إدارة "ناسا" الجديدة بزعامة جاريد آيزاكمان. ومن وجهة نظر بعض علماء الفلك في العالم سيكون هذا المشروع خطيئة كبرى أكثر من كونه إنجازاً، إذا لم ينجح في تصحيح مسار الفضاء الأميركي، ذلك لأنه بني على أساس برنامج "أبولو" الـ"جيوسياسي" تماماً، وليس كمشروع علمي مستدام لاستكشاف القمر وغيره من الكواكب القريبة منا مثل المريخ.
ويعاني استكشاف القمر سؤالاً استراتيجياً لم يحسم بعد: لماذا العودة إليه أصلاً؟ فالهدف من برنامج "أبولو" كان جيوسياسياً في المقام الأول، وبعد الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية "لم يظهر مبرر مقنع لإعادته إلى الحياة". لذلك لم يمثل اختتام رحلة "أبولو 17" بالنسبة إلى هؤلاء العلماء نهاية مهمة فضائية إلى القمر فحسب، بل نهاية حقبة قديمة بأكملها من غزو النجوم. ولعل هذا ما يفسر "الوقت الطويل الذي استغرقته العودة مجدداً إلى القمر". وأدت تدخلات المال والسياسة في أميركا بعد نجاح "ناسا" في مهمة "أبولو" دوراً حاسماً في هذا التأخير، إذ حاول سياسيون ورجال أعمال عبر الطيران التجاري والسياحي السيطرة على مهمات "ناسا" العلمية وتحويلها إلى مهمات ترفيهية هدفها الأول هو حصد أرباح مالية أو إنجازات سياسية عابرة لا أكثر.
على رغم الأجواء الاحتفالية الصاخبة التي رافقت مهمة "أرتيميس 2" تساءل علماء أخيراً: لماذا استغرقت العودة إلى القمر كل هذا الوقت؟ والسوال الآن هو: هل أطلقت "ناسا" حقاً حقبة جديدة من استكشاف الفضاء الأميركي للقمر من خلال مهمة "أرتيميس 2" أم أنها عادت به إلى نقطة الصفر، وتحديداً إلى حقبة غزو واستكشاف القمر المبكرة التي انتهت مع انتهاء مهمة "أبولو" في سبعينيات القرن الماضي؟ فبين عامي 1969 و1972، أي خلال ثلاثة أعوام فقط، وفي حقبة "بدائية" من عمر الفضاء الأميركي والعالمي سار 12 رائد فضاء على سطح القمر خلال ست عمليات هبوط منفصلة. والآن وبعد نصف قرن، عادت "ناسا" ضمن برنامج "أرتيميس" في مهمة إلى "جوار القمر". فسافر أربعة رواد فضاء في رحلة دائرية حول القمر على متن كبسولة "أوريون" المأهولة التابعة لـ"ناسا" قبل أيام قليلة. و"أوريون" هي مركبة فضائية من الجيل الجديد، بمعنى أنها متطورة تقنياً ومؤهلة أكثر من مركبات مهمة "أبولو"، بل ومصممة خصيصاً لمثل هذه الرحلات. وبناءً على هذا التطور التقني الهائل الذي طرأ على كل أدوات الفضاء فإن "أكثر من 50 عاماً للعودة إلى المكان ذاته فترة طويلة"، ومن الطبيعي هنا التساؤل، ومن دون تشكيك في جهود ونوايا أحد: إذا كان بإمكان الأميركيين الوصول إلى القمر بصورة روتينية في أوائل سبعينيات القرن الماضي، فلماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت لمحاولة العودة إلى الجرم السماوي ذاته؟
بحسب مجموعة غير قليلة من علماء الفلك الأميركيين، الإجابة عن هذا السؤال ليست بسيطة، فهي "لا تتعلق كثيراً بالتكنولوجيا، بل بكيفية عمل السياسة والمال والدعم العالمي" لمشروع استكشاف القمر، بالتالي فإن التطور التقني الكبير خلال 50 عاماً، هي في الواقع من أكثر سنوات البشرية تقدماً في التكنولوجيا، قد جرى تحييده تماماً بفعل النزاعات السياسية وتجاذبات رجال المال والأعمال ضمن هذا القطاع.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا السياق نشر دومينيكو فيسينانزا، وهو أستاذ مشارك في الأنظمة الذكية وعلوم البيانات في جامعة "أنجليا روسكين" وحاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الفيزياء، مقالة بعنوان "لماذا استغرقت العودة إلى القمر كل هذا الوقت؟ في الـ31 من مارس (آذار) 2026، وجاءت بدايتها "في تمام الساعة 13:24:59 بتوقيت وسط أميركا الشمالية، في الـ19 من ديسمبر (كانون الأول) 1972، هبطت وحدة القيادة لمركبة "أبولو 17" في المحيط الهادئ، على بعد نحو 350 ميلاً بحرياً جنوب شرقي ساموا، منهيةً بذلك آخر مهمة إلى القمر".
وجاء في الفقرة الثانية من المقالة ذاتها "وخلال مسيرته، أمضى قائد (أبولو 17) يوجين أ. سيرنان، 566 ساعة و15 دقيقة في الفضاء، قضى منها أكثر من 73 ساعة على سطح القمر. وكان سيرنان ثاني أميركي يسير في الفضاء، وآخر من ترك آثار أقدامه على سطح القمر". وتبين هذه الأسطر مدى الفارق بين رواد الفضاء الأميركيين من الرعيل الأول، والرواد الحاليين ومنهم الأربعة في مهمة "أرتيميس 2" ومن سوف يأتي بعدهم.
ما زالت "نقطة البداية" للفضاء الأميركي وبعد أكثر من نصف قرن هي برنامج "أبولو" نفسه. فيما المشكلة هي أن نموذج "أبولو" الاستكشافي الذي كان فاتحة هذا الفضاء المباركة "لم يبن ليدوم". ومن الواضح أنه لم يكن برنامجاً مصمماً ليكون أساساً لذلك الفضاء أو برنامجاً علمياً مستداماً. ومن جهة أخرى، بدأ الخلاف السياسي حول استكشاف القمر في الـ25 من مايو (أيار) 1961، أمام جلسة مشتركة للكونغرس، إذ تعهد الرئيس جون أف. كينيدي بأن تحقق الولايات المتحدة هدف إنزال رجل على سطح القمر وإعادته سالماً إلى الأرض قبل نهاية العقد.
وبعد اغتيال كينيدي عام 1963، حرص الرئيس ليندون جونسون على تحقيق هدف الهبوط على سطح القمر، لكن ارتفاع كلف حرب فيتنام والإصلاحات الداخلية قللت من رغبته في مزيد من الاستثمارات الفضائية. أما في عام 1966 فبلغت موازنة "ناسا" ذروتها، وعلى رغم ذلك بدأت بالتراجع العلمي، مما قوض فرص الاستكشاف المستدام. وانتهى برنامج "أبولو" عام 1972 "ليس لفشله، بل لإنجازه مهمته".
لذلك "يتطلب الاستكشاف المستدام في الفضاء كما على الأرض التزاماً سياسياً راسخاً، وتمويلاً يمكن التنبؤ به، وهدفاً واضحاً طويل الأمد"، لكن ما حدث بعد برنامج "أبولو" لم يكن كذلك، إذ كافحت الولايات المتحدة للحفاظ على هذه العناصر الثلاثة مجتمعة. واستمرت الحال كذلك حتى وصلنا إلى "أرتيميس 2" في 2026.
في عام 1972 وجه الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وكالة الفضاء لبدء بناء مكوك الفضاء. وقد أدى ذلك إلى تحويل تركيز "ناسا" من استكشاف الفضاء السحيق إلى العمليات في مدار أرضي منخفض. وفي الـ20 من يوليو (تموز) 1989، في الذكرى الـ20 لهبوط "أبولو 11" الأول على سطح القمر، أعلن الرئيس جورج بوش الأب عن مبادرة استكشاف الفضاء المعروفة اختصاراً بمبادرة (SEI)ثم اشتد بعدها الخلاف الجديد حول موضوع آخر وهو كلفة تشغيل محطة الفضاء الدولية.
هدفت خطة بوش الأب إلى التزام طويل الأمد ببناء محطة الفضاء الدولية، وإعادة رواد الفضاء إلى القمر "للبقاء" هناك، ومن ثم إرسال البشر إلى الكوكب الأحمر. وعلى رغم ذلك، أدت الكلف الباهظة للمشروع، والتي بلغت مئات المليارات من الدولارات، إلى فشله. وأسهم ضعف الدعم في الكونغرس، إلى جانب عوامل أخرى، في إلغائه خلال فترة رئاسة بيل كلينتون. وبذلك أصبحت محطة الفضاء الدولية التي كان من المفترض بها أن تجسد رمزاً للتعاون العلمي العالمي، مصدراً لاستنزاف موارد مالية أميركية ضخمة كان من الممكن توجيهها نحو استكشاف الفضاء السحيق.
وبعد 2003 أعلن الرئيس جورج دبليو بوش عن رؤية أخرى لاستكشاف الفضاء انبثق عنها برنامج "كونستليشن"، وهو إعادة بناء لقدرات وكالة "ناسا" للوصول إلى القمر، مع اعتبار المريخ هدفاً طويل الأمد. إلا أن مراجعات مستقلة حذرت من أن الكلف والجداول الزمنية للبرنامج غير واقعية، ولم يقدم الكونغرس الدعم المالي الكامل لبرنامج "كونستليشن"، مما أدى إلى إلغائه عام 2010 خلال فترة رئاسة باراك أوباما.
وتكشف هذه الدورة المتكررة من إلغاء مشاريع الفضاء عن القيود المتأصلة في نظام تمويل استكشاف القمر.
بعد كل هذا، ربما يكون السؤال المناسب هو: كيف أفلت برنامج "أرتيميس" الحالي من النمط المعتاد لهذه الخلافات المالية والسياسية العنيفة؟ وهنا تؤكد "ناسا" أن البرنامج سيبنى من خلال شراكات تجارية وتعاون دولي وليس عبر جهود فردية، مما "سوف ينشئ أول موطئ قدم بشري حقيقي وطويل الأمد على سطح القمر". وبات واضحاً اليوم أن برنامج "أرتيميس" يقع عند نقطة التقاء حرجة بين قيادة الحكومة الأميركية، وقدرات الإطلاق التجارية، وتحالف واسع من الشركاء الدوليين الذين تم جمعهم بموجب اتفاقيات "أرتيميس".
على رغم ذلك، يبقى المشروع مكلفاً للغاية وعرضة لتقلبات الميزانيات والأولويات الأميركية، ولكن في المقابل يؤكد العلماء أن نجاح "أرتيميس" سيكون "دلالة جيدة على تضافر جميع الحوافز السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية من جديد وبصورة دائمة". وإلى "حين إثبات هذا التضافر" يصر علماء الفلك هؤلاء على أن الفجوة الزمنية التي تبلغ 50 عاماً بين "أبولو" و"أرتيميس" لا تمثل لغزاً هندسياً بقدر ما تعبر عن صعوبة استكشاف الفضاء بصورة مستدامة بالنسبة إلى الأنظمة السياسية والمالية الحديثة.
أخيراً لا بد من التنويه إلى مقالة أخرى نشرت تحت عنوان مشابه عبر الصحافة العالمية، بقلم زوي ويليامز، في صحيفة الـ"غارديان" قبل أيام قليلة، وقالت فيها بكل وضوح "لنتوقف عن الذهاب إلى الفضاء. لا شيء هناك يرى، ولا أحد نتحدث إليه".