الاستثمار في خان أسعد باشا.. هل يتكرر سيناريو خان سليمان باشا؟
تداولت مصادر مهتمة بالتراث خبراً عن توجه وزارة الثقافة السورية إلى طرح خان أسعد باشا في دمشق للاستثمار كفندق سياحي. وحتى الآن لم أجد إعلاناً رسمياً منشوراً يوضح تفاصيل المشروع أو طبيعة الطرح، لذلك من المهم التعامل مع الأمر باعتباره خبراً يحتاج إلى التحقق وليس كقرار نهائي وربما يكون محض شائعات أو تكهنات.
لكن الخبر، إن صح، يستحق النقاش منذ الآن، لا بعد أن تبدأ أي أعمال يصعب التراجع عنها أو نستيقظ كالعادة على خبر يجعل الاوساط الأكاديمية الأثرية تستنكر وتندد وتحتج.
فالحديث هنا عن خان أسعد باشا، الذي بناه والي دمشق أسعد باشا العظم عام 1753 في قلب سوق البزورية، والذي يتجاوز كونه عقاراً تاريخياً يمكن تغيير وظيفته بحسب متطلبات الاستثمار. إنه أحد أبرز خانات دمشق القديمة وأهم نماذج عمارتها العثمانية.
والخان ليس مبنى مهجوراً يبحث عن وظيفة تعيده إلى الحياة. فقد جرى ترميمه وتأهيله وأصبح مكاناً للزوار والمعارض والفعاليات الثقافية، أي أنه يؤدي بالفعل وظيفة مرتبطة بالحياة العامة للمدينة وجزء من النسيج العمراني لدمشق. وسأعود لاحقاً لهذه النقطة بالذات.
لكن قبلها أريد أن أوضح أن إعادة استخدام المباني التراثية يمكن أن تكون وسيلة مهمة للحفاظ عليها، بل إن إبقاء المبنى التاريخي حياً ومرتبطاً بالحياة اليومية أفضل في كثير من الأحيان من تركه مهملاً. لكن الشرط الأساسي أن يتكيف الاستخدام الجديد مع المبنى الأثري وقيمه التاريخية والمعمارية، لا أن يتلاءم المبنى مع احتياجات المشروع.
ولهذا فإن تحويله إلى فندق لا يعني ببساطة تغيير اسم الوظيفة على باب المبنى. فالفندق يحتاج إلى غرف وخدمات وحمامات وشبكات صرف ومياه وكهرباء وتكييف وتهوية ومطابخ وأنظمة إطفاء وغيرها من المتطلبات التي قد تبدو طبيعية في أي منشأة حديثة، لكنها تصبح مسألة شديدة الحساسية عندما يتعلق الأمر بمبنى من القرن الثامن عشر. وتصبح العقبات كثيرة فأين ستمر التمديدات؟ وما الذي ستخترقه؟ وهل يمكن تنفيذها من دون المساس بالجدران والأرضيات والقباب والعناصر المعمارية الأصلية؟
وهنا تحديداً تصبح تجربة تحويل خان سليمان باشا الى فندق مهمة. هذا القلق كله عبر عنه الدكتور عبد الرزاق معاذ، الخبير في التراث العمراني في عدة مناشير له على الفيس بوك بخصوص الخانين. فخان سليمان باشا الذي تحول بالفعل إلى فندق خمس نجوم يقدم لنا سابقة قريبة جداً مما يجري الحديث عنه اليوم في خان أسعد باشا.
والأهم أن لجنة التراث العالمي، في قرارها الأخير بشأن المدينة القديمة في دمشق، لم تعتبر إعادة الاستخدام الفندقي ممنوعة بحد ذاتها، لكنها أعربت عن أسفها لأن أعمال تحويل خان سليمان باشا إلى فندق خمس نجوم مضت من دون تقديم مجموعة شاملة من وثائق المشروع، بما فيها دراسة تقييم الأثر على التراث (HIA)، إلى مركز التراث العالمي لكي تراجعها ICOMOS وفقا لطلب اللجنة في قراراتها عامي 2023 و2024، وهذه ليست ملاحظة شكلية.
فالقرار نفسه يذكر الدولة السورية بضرورة تقديم المعلومات المتعلقة بأي مشروع مقترح يمكن أن يؤثر في القيمة العالمية الاستثنائية للمدينة، بما في ذلك دراسات تقييم الأثر على التراث، إلى مركز التراث العالمي لمراجعتها قبل اتخاذ قرارات يصعب التراجع عنها وقبل البدء بتنفيذ الأعمال.
والأهم أن اللجنة قررت الإبقاء على المدينة القديمة في دمشق على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر. بمعنى آخر، نحن لا نتحدث عن مدينة خرجت من مرحلة الخطر وأصبحت قادرة على تحمل تدخلات جديدة من دون تدقيق، بل عن مدينة ما زالت اليونسكو تتابع وضعها وتطلب اتخاذ إجراءات واضحة لحماية قيمتها العالمية الاستثنائية.
فإذا كان ما يجري تداوله صحيحاً حول خان أسعد باشا فيجب أن تبدأ العملية من المكان الصحيح حيث تعرض تفاصيل المشروع ودفتر شروطه. وما هي حجم التدخلات المقترحة وتجرى دراسة لتقييم أثر المشروع على التراث قبل اتخاذ أي قرار لا يمكن التراجع عنه. هذا هو الحد الأدنى المطلوب عندما يكون موضوع الاستثمار أحد أهم مكونات التراث العمراني لدمشق.
وهنا ربما يجب أن نتوقف عند أهم نقطة في كل هذا الطرح وهي علاقة الناس بالمكان. فخان أسعد باشا أصبح بعد ترميمه فضاءاً مفتوحاً للزوار ولاستضافة المعارض والفعاليات الثقافية. وإذا أصبح فندقاً خاصاً لا يمكن الوصول إليه إلا من قبل نزلائه كما حدث في خان سليمان باشا، فنحن لا نغير وظيفة المبنى فقط، وإنما نغير أيضاً علاقته بالمدينة وأهلها.
ولا يعني ذلك أن المبنى يجب أن يبقى خارج أي نشاط اقتصادي ولكن يجب التفكير بابتكار نموذج استثماري يسمح باستمرار دخول الجمهور إلى أجزاء من الخان، ويحافظ على وظيفته الثقافية، ويجعل الاستثمار وسيلة لتمويل الصيانة والحفاظ، بدلاً من أن يكون سبباً في فقدان دوره العام. وكيف يمكن تنفيذ متطلبات الاستخدام الجديد بأقل تدخل ممكن، وبطريقة قابلة للعكس قدر الإمكان؟ هذه أسئلة ينبغي أن تطرح قبل تحديد شكل المشروع وليس بعد إنجازه. وأن يثبت كل شيء بالدراسة والمخططات.
من حق السوريين أن يعرفوا ما الذي سيحدث لأحد أبرز معالم مدينتهم القديمة، ومن حق المتخصصين أن يطلعوا على المشروع وأن يناقشوا آثاره قبل البدء به، ومن واجب الجهات المعنية أن تضمن ألا يتحول الاستثمار إلى سبب لفقدان جزء من القيمة التي يفترض أنه جاء للاستفادة منها.
لدينا اليوم فرصة للتعلم من تجربة خان سليمان باشا، لا لرفض الاستثمار، وإنما لتحسين شروطه وتجنب تكرار ما انتقدته لجنة التراث العالمي. فالسؤال الأهم في النهاية ليس: هل يمكن أن يصبح خان أسعد باشا فندقاً؟ بل: هل يمكن أن يصبح فندقاً من دون أن نخسر الخان؟