مواقع التواصل.. سلاح الجيل زد في الحشد السياسي
منذ مايزيد عن أسبوع، تشهد فرنسا احتجاجات طلابية بدأت في مدرسة ثانوية واحدة ثم امتدت خلال أيام إلى مئات المدارس في مدن فرنسية مختلفة، في مشهد يطرح تساؤلات حول دور وسائل التواصل الاجتماعي في سرعة انتشار الاحتجاجات وتحويلها إلى قضية عامة.
بعيداً عن أسباب الاحتجاجات وطريقة تعامل السلطات معها، يبرز دور وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة إنستغرام وسناب شات في حشد الطلاب وتنظيم تحركاتهم ونقل مشاهد الاحتجاجات وتوثيق تعامل السلطات معها، بما يجعلها جزءاً من الحدث وأداة للتأثير في الرأي العام.
ينتمي معظم هؤلاء الطلاب إلى الجيل زد (Z) الذي نشأ في بيئة رقمية وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من حياته اليومية سواء في متابعة الأحداث أو التعبير عن المواقف أو التواصل مع الآخرين. يعيد هذا المشهد إلى الأذهان دور وسائل التواصل الاجتماعي في بدايات الربيع العربي، حين تحوّلت منصّات مثل فيسبوك إلى أدوات للحشد وتداول المعلومات عن الاحتجاجات.
ففي مصر شكّلت صفحة (كلنا خالد سعيد) إحدى المحطّات البارزة في التعبئة التي سبقت ثورة يناير وأسهمت في حشد الشارع ضد نظام حسني مبارك. يفرض هذا المشهد إعادة النظر في دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام وتوجيهه، فقد أصبحت هذه المنصّات مساحة للحشد والمناصرة والتأثير في المواقف السياسية من خلال تداول المعلومات والصور والمقاطع المصورة.
ويتشكل عبر هذا التفاعل ما يُعرف بالرأي العام الافتراضي الذي يمكن أن يتحول إلى قوة ضغط تدفع نحو تحركات على أرض الواقع، وتؤثر طبيعة المنصّات نفسها في الصورة التي تصل إلى الجمهور، فالمستخدم لا يشاهد بالضرورة جميع ما يُنشر عن حدث معين إذ تتحكم خوارزميات العرض في ترتيب المحتوى وفق عوامل متعددة، منها تفاعل المستخدمين معه.
وقد يحظى مقطع مثير بانتشار واسع بينما لا يصل توضيح لاحق أو رواية مختلفة إلى العدد نفسه من المتابعين. وهذا يجعل الصورة المتشكلة لدى الجمهور مرتبطة أحياناً بما يحظى بالانتشار وليس بمجمل الوقائع والتفاصيل المحيطة بالحدث.
تستند قوة الحشد الرقمي إلى مجموعة من العوامل أبرزها سرعة تداول الدعوات والمعلومات وانخفاض تكلفة المشاركة مقارنة بالعمل السياسي التقليدي وسهولة توثيق الأحداث ونشرها من زوايا متعددة، كما تتيح هذه المنصّات بناء شعور جماعي بالانتماء من خلال الشعارات والصور وتجاوز الحدود الجغرافية بين المدن وتمنح الأفراد قدرة على إنتاج المحتوى ونشره والتأثير في النقاش العام من دون الحاجة إلى المرور عبر المؤسسات الإعلامية والسياسية التقليدية.
يلعب المحتوى العاطفي دوراً مهماً في انتشار الاحتجاجات والتأثير في الرأي العام، فقد تكون صورة لطالب يواجه الشرطة أو مقطع قصير من داخل مدرسة أكثر تأثيراً من بيان سياسي طويل لما تحمله من مشاهد مباشرة تثير مشاعر المتابعين وتدفعهم إلى تداولها على نطاق واسع.
غير أن انتشار المحتوى لا يعني بالضرورة أن جميع المتفاعلين معه سيتحولون إلى مشاركين في الاحتجاجات، فبعضهم يكتفي بمتابعة الأحداث أو إعادة نشر المقاطع، فيما يقرر آخرون النزول إلى الشارع بعد أن تتكون لديهم قناعة بأن هناك عدداً كبيراً من الأشخاص يشاركونهم الموقف نفسه.
وهنا تبرز أهمية المنصّات الرقمية في تعريف الأفراد بعضهم ببعض وتبديد شعورهم بالعزلة وإعطائهم تصوراً عن حجم التأييد الذي يمكن أن يحظوا به إذا قرروا التحرك. تكشف الاحتجاجات الفرنسية كيف يستطيع جيل زد توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل مواقف فردية متفرقة إلى تحرك جماعي من خلال تداول الرسائل والصور والشعارات التي تمنح المشاركين شعوراً بوجود قضية مشتركة.
ومع اتساع انتشار هذه الرسائل يمكن أن يتحول التفاعل الرقمي إلى ضغط سياسي يصعب تجاهله، وتحمل هذه الأدوات مخاطر لا تقل أهمية عن قدرتها على الحشد والتأثير، فالمحتوى المتداول قد يساهم في كشف الانتهاكات وتوسيع التضامن، وقد يُستخدم أيضا لنشر الشائعات والتحريض وتضليل الرأي العام أو لإظهار موقف ما، وكأنه يحظى بتأييد واسع لا يعكس بالضرورة حقيقة المواقف على أرض الواقع.
وتبقى قدرة الحشد الرقمي على الاستمرار وتحقيق نتائج ملموسة مسألة أخرى، فسهولة جمع أعداد كبيرة حول موقف معين لا تضمن استمرار المشاركة أو الاتفاق على خطوات لاحقة، وقد يتراجع الاهتمام بقضية ما مع ظهور أحداث جديدة أو تتفرق الجهود عندما تختلف مطالب المشاركين.
لذلك تتوقف نتائج الاحتجاجات أيضاً على قدرتها على تنظيم المشاركة وصياغة مطالب واضحة والحفاظ على التواصل بين المشاركين خارج المنصّات الرقمية.
يتطلب فهم احتجاجات الجيل زد متابعة ما يجري على المنصّات الرقمية وكيف تنتشر الرسائل وتتسع دائرة التفاعل معها ومن يساهم في توجيهها. فوسائل التواصل الاجتماعي باتت قادرة على نقل الاحتجاج من شاشة الهاتف إلى الشارع وتحويل التفاعل الافتراضي إلى ضغط سياسي.