فلسطين تسجل حضورها بمهرجان الإسكندرية خيالا وحقيقة

المصدر : INDEPENDENT | الأحد , 03 أيار | : 57

توهجت القضية الفلسطينية في مهرجان الإسكندرية عبر أفلام مبتكرة استخدمت الرمز والخيال لكشف معاناة الإنسان تحت القهر، مقدمة سرداً إنسانياً عميقاً يتجاوز المباشرة ويخاطب الوعي العالمي بلغة سينمائية مؤثرة.

سلط مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير في دورته الـ12، المقامة حالياً، الضوء مجدداً على القضية الفلسطينية سواء بالرمز والخيال أو عبر المباشرة، إذ تطرق الفيلم المصري - الأميركي "الأراضي الفارغة" لكريم الدين الألفي، وكذلك العملان الفلسطينيان "السينما حبي" و"ذاكرة متقاطعة"، إلى نواحٍ مختلفة في القضية، منها طمس الهوية والعدوان على الأوطان، وأيضاً المعاناة الحياتية اليومية في ظل الحصار، عبر زوايا سياسية وإنسانية بطريقة سردية جديدة، غير مباشرة، وبلغة تتجاوز الخطاب التقليدي.

أثار فيلم "الأراضي الفارغة" الذي سبق أن تـوج بجائزة "اليسر الفضية" في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الأخير، ردود فعل عاطفية وفكرية وإنسانية واسعة، بخاصة أنه طرح سؤال الأرض عبر خطاب صادم، لكنه غير مباشر، وعلى رغم أن السينما العربية تعاملت مع القضية نفسها المزمنة بصورة مباشرة أقرب إلى الوثائقي في كثير من الأوقات، فإن كريم الدين الألفي اختار طريقاً مختلفاً، يعتمد على المجاز، والعالم المتخيل، والرمز، والاشتغال على البنية النفسية للإنسان داخل منظومة القهر.

في "الأراضي الفارغة" ابتعد الألفي عن أي تسمية جغرافية أو زمنية مباشرة، ليصنع عالماً متخيلاً يضع المشاهد أمام بنية كاملة من الخوف والاقتلاع والإنكار من دون أن يصرح باسم القضية الفلسطينية، إذ تدور أحداث العمل حول آنا وزوجها غوستاف الضابط برتبة رائد في منظمة عسكرية، وتبدأ الأحداث بسؤال آنا لغوستاف عن شكل ما يسمى البرابرة، فيشير إلى صورة حيوان متوحش، إذ إنه الأقرب شكلاً لما تسأل عنه الزوجة.

يشير العمل من البداية إلى أن البرابرة فئة محتقرة ومؤذية، ولا يحمل لها البشر أي نوع من التقدير أو الاحترام، وتتوالى الأحداث عندما ينتقل الزوجان إلى منزل مدعوم من الدولة في منطقة تعرف بـ"الأراضي الفارغة"، كان يسكنه سابقاً عائلة مهجرة توصف بالبرابرة، وفي أول يوم تجد آنا البيت مكان أحلامها الذي ستعيش فيه مع حبيبها، وظهر البيت وكأنه وطن هاجروا إليه أو جرى الاستيلاء عليه.

في اليوم الأول من الإقامة تجد آنا صوراً لعائلة طبيعية مكونة من أب وأم وأطفال، ولا تعرف من أصحاب تلك الصورة، وبمرور ساعات تكتشف أن العائلة بالكامل تختبئ في البيت في مكان سري، وهو خزانة الملابس، وفور اكتشاف زوجها الأمر يحضر قوة عسكرية تقبض عليهم وتنهي حياتهم بصورة مأسوية، وعندما تسأل آنا عن مصير الأسرة يردد الزوج أنه خلف الجدار الجديد.

يبدأ القلق يتسلل إلى حياة الزوجين عندما تكتشف آنا أن الصورة العائلية الموجودة بالمنزل لأسرة البرابرة حسب وصف زوجها يظهر بها سبعة أشخاص بينما قبض على ستة أفراد فحسب، وجرى إعدامهم بوحشية، وبناءً على ذلك فهناك فتاة هاربة لم يقبض عليها أو قتلها، وافترضت آنا أن هذه الفتاة حتماً ستقتلها انتقامها لإعدام عائلتها، وربما هي مختبئة في المنزل في مكان ما وستهاجمها في أي وقت. تزداد الشكوك والمخاوف، وتطرح آنا بوصفها الضمير الوحيد عدة تساؤلات تستنكر وصف عائلة جميلة، بأنهم برابرة، وتواجه زوجها بأنه يبالغ في وصف أشخاص عاديين بمرادفات وحشية وهمية.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يضجر غوستاف من ضمير آنا ومخاوفها ومهما يحاول إثبات أنه قضى على كل ما تبقى من العائلة التي احتل منزلها تحلم آنا بأنهم على قيد الحياة، وسيعودون ليستعيدوا منزلهم بعدما يثأروا من الغرباء الذين أقصوهم من بيت العائلة الجميل.

ينتهى المطاف بأن يدع غوستاف زوجته في مصحة نفسية ليكتم صوت ضميرها وهواجسها التي كادت تصيبه بالجنون، وفور خروج آنا من المنزل تظهر الفتاة متوجهة للثأر من غوستاف وترديه قتيلاً انتقاماً لعائلتها المنكوبة، وينتهي الفيلم بأن نهاية السطو على منزل العائلة هو الموت المحقق للمعتدي.

تمتع الفيلم بأداء تمثيلي متقن من أبطاله جسد الظلم والخوف والثأر بمشاعر عميقة وهادئة في الوقت نفسه ونجح المخرج في توصيل فكرته بطريقة تبدو بسيطة ظاهرياً باستعارة سينمائية عن الاستيطان والاقتلاع وذاكرة المكان.

وعلى رغم أن الفيلم مصري - أميركي مشترك ومخرجه مصري درس الإخراج في كاليفورنيا وكان يمكن أن يكون لغة العمل بالعربية فإن المخرج كريم الدين الألفي تعمد اختيار أبطال أميركيين، واعتمد على اللغة الإنجليزية، إذ رأى أن اختيار تلك اللغة الأجنبية العالمية ليست قراراً تقنياً بل استراتيجياً، حتى يخاطب الفيلم جمهوراً مختلفاً، بالتحديد الجمهور الغربي الذي قد لا يتعرض كثيراً لوجهة النظر العربية حول الاستعمار والاستيطان، وهنا تتحول السينما إلى جسر ثقافي يعيد طرح الرواية من زاوية مختلفة.

اعتمد الألفي على أداء تمثيلي وإخراجي شديد الهدوء، حيث يظهر الخوف عبر الصمت والنظرات والتفاصيل الصغيرة، لا عبر الانفعالات الصاخبة، وهذا الأسلوب الذي اعتمد على التوتر الصامت منح الفيلم طابعاً نفسياً ضاعف قوته الفنية وتأثيره الإنساني حيث لا مجال للصراخ والقوالب الحماسية المعتادة والمحفوظة عن ظهر قلب. كذلك فإن خلق زمن غير محدد للعمل فرض حالاً من الخيال في الديكورات والملابس وصنع تفاصيل لم تكن مجرد خلفية للأحداث بل جزء من السرد نفسه.

من زاوية إنسانية شديدة الخصوصية، وهي هدم دار سينما، طرح فيلم "السينما حبي" للمخرجين إبراهيم حنظل ووسام الجعفري، فكرته، وعلى رغم أنها تبدو بسيطة لكن وقعها كان قوياً، لأن مبنى السينما تحول إلى رمز للوطن وحب الحياة الطبيعية الذي سعى الغرباء إلى محوهم.

لم يكتف الفيلم بتقديم قصة عن مبنى يهدم، بل طرح سؤالاً عميقاً هو: ماذا يعني أن تهدم مساحة الحلم نفسها؟ وماذا يحدث عندما يمحى المكان الذي يجتمع فيه الناس لمشاهدة قصصهم؟ وهذه التساؤلات أثرت وجدانياً في المتلقي، لأنها لامست قضية سرقة الوطن وجوهر العلاقة بين الفن والوجود الإنساني في ظل القمع.

حضور القضية الفلسطينية كان واضحاً ولافتاً حتى في مسابقة سينما التحريك بفيلم "البرتقالة المرة"، الذي يتتبع ذاكرة الشتات من طفولة ناجي العلي وصولاً إلى طفل في غزة، في رحلة رمزية عبر مفردات مثل البرتقال والمفتاح والخبز.

وفي فيلم "ذاكرة متقاطعة" للمخرجة الفلسطينية الشابة شيماء عواودة استعرضت رحلة استعادة الذات، وبناء جسور بين الماضي الشخصي والوجدان الجماعي الفلسطيني. وتقدم عواودة فيلماً يعتمد على تقاطع الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجماعية. مستعيداً ملامح الحياة في مدينة الخليل خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)، إذ شكل الحصار والخوف والاقتحامات اليومية جزءاً من الواقع الحقيقي، الذي يعيشه الناس وليس بوصفه حدثاً سياسياً مجرداً بل كتجربة كاملة، واعتمدت المخرجة على مواد أرشيفية وصور قديمة قامت بتحويلها من أشرطة الكاسيت إلى صيغ رقمية، وهذا أحيا الذكريات التي كانت تحاول تجاهلها في البداية، لتجد نفسها تتبع مشاعرها في توثيق تلك التجربة.