"حمدية" العراقية تقلق مجتمعها
لم يعد من المستغرب أن يثير أي مسلسل يعرض ضمن الموسم الرمضاني الانتقادات التي تصل إلى المطالبة بإيقافه تحت لافتة تتكرر كل عام وهي "الإساءة للمجتمع"، وكأن المسلسلات العراقية تقدم واقعاً مغايراً من خيال كتاب الدراما فحسب، وأن المجتمع يخلو من الأخطاء ومحصن ضد الفساد والقتل والسرقة.
في العراق، غالباً ما تجابه المسلسلات التي تعرض ضمن الموسم الرمضاني باعتراضات واحتجاجات ومطالبات بإيقاف عرضها، وقد لا تقف الاعتراضات عند حد الكلام بل تصل أحياناً إلى هجوم من قبل جماعات على قنوات منتجة للمسلسل أو تقدم عملاً درامياً يراه بعضهم مسيئاً لقيم المجتمع، وهو ما حدث مع مسلسل "حمدية" الذي يعرض الآن على قناة "mbc عراق".
وهذه الحادثة ليست الأولى، بل هي متكررة مع كل موسم كما حدث سابقاً مع مسلسل "الكاسر"، فقد تكاتفت ضده العشائر مع الأحزاب بدعوى إساءته إليها، وبالفعل توقف عرضه، أما مسلسل "عالم الست وهيبة" فهو الآخر لم يسلم من الهجوم والمطالبة بالإيقاف بعدما قدم شخصية "مهيدي" أو "مهدي أبو صالح" الشاب المنتمي إلى إحدى العصابات، وقد أثارت هذه الشخصية حفيظة بعض الأطراف بذريعة أن اسم الشخصية "مهدي" يسيء إلى الإمام الـ12 (الغائب) لدى الطائفة الشيعية الإمامية.
ولم يعد من المستغرب أن يثير أي مسلسل يعرض ضمن الموسم الرمضاني الانتقادات التي تصل إلى المطالبة بإيقافه تحت لافتة تتكرر كل عام وهي "الإساءة للمجتمع"، وكأن المسلسلات العراقية تقدم واقعاً مغايراً من خيال كتاب الدراما فحسب، وأن المجتمع يخلو من الأخطاء ومحصن ضد الفساد والقتل والسرقة.
ما إن بدأ الإعلان عن مسلسل "حمدية" قبل عرضه في رمضان حتى بدأت المطالبات بالاستفسار عن محتواه، إذ طالب النائب مصطفى سند باستضافة كادر قناة " mbcعراق" في هيئة الإعلام للاستفسار حول المسلسل، وجاءت المطالبة عبر وثيقة رسمية نشرها سند بهدف معرفة محتوى العمل، وما إذا كان يتضمن أية إساءات قبل عرضه على الجمهور.
كذلك طالب النائب علي الكناني هيئة الإعلام والاتصالات بمنع بث مسلسل "حمدية"، معتبراً أن العمل يتضمن إساءة وتشويهاً لصورة المرأة العراقية ويثير الفتنة. وجاء إعلان الكناني عبر منشور على "فيسبوك" بعد توجيهه كتاباً رسمياً إلى الهيئة طالب فيه بإيقاف عرض المسلسل ومراجعته، مشيراً إلى احتوائه على لقطات خادشة للحياء وتصوير مسيء لأحد مكونات المجتمع، فضلاً عن عدم مراعاة خصوصية العرض خلال شهر رمضان.
بعد هذه المطالبات النيابية ووقفات الاحتجاج ضد المسلسل استضافت هيئة الإعلام والاتصالات مدير مكتب قناة " mbcعراق"، وجاءت الاستضافة بحسب بيان الهيئة استناداً إلى نتائج الرصد والتحليل الفني للإعلان الترويجي للعمل، فضلاً عن المخاطبات النيابية والمناشدات الشعبية المعترضة على بعض المشاهد، والتي تضمنت بعض مضامينها مخالفات تتعلق بـ"الآداب العامة والذوق المجتمعي".
وطالبت الهيئة بضرورة الامتناع عن أي محتوى قد يفهم منه استهداف أو إساءة لأية فئة اجتماعية أو دينية أو قومية، موجهة "بإجراء مراجعة شاملة لكل حلقات المسلسل، مع معالجة فنية فورية وحذف نهائي للمشاهد المخالفة، والالتزام بلائحة قواعد البث الإعلامي والأعمام رقم (81) لسنة 2026 الخاص بخصوصية الشهر الفضيل".
من جانبها، أكدت إدارة القناة التزامها توجيهات الهيئة واحترامها القيم المجتمعية والدينية، مبينة أن العمل حصل على الإجازة الأصولية من نقابة الفنانين العراقيين، ويتناول قضايا إنسانية واجتماعية من دون استهداف لأي مكون من مكونات المجتمع.
والعمل مأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتب قدوري الدوري، مع عنوان فرعي هو "النصف الأول من مأساة امرأة عراقية". ويتناول المسلسل قصة فتاة تواجه قسوة الحياة بعد وفاة والدتها لتتولى رعايتها جدتها التي لا يمهلها القدر أيضاً لرعاية "حمدية"، فتفارق الحياة لتجد الفتاة أنها في مواجهة جفاء وقسوة من زوجة الأب، إذ تتعرض على يديها لعمليات تعذيب نفسية وجسدية متوالية وسط صمت الأب، وعندما تكبر يطرق بابها الحب ولكن مع الأيام يتحول حبيبها إلى مصدر آخر لمعاناتها.
يعتمد سرد المسلسل على صوت البطلة وهي تنقل تجربتها الشخصية وتفاصيل معاناتها، والرواية تتماهى في فصولها مع قصص نساء عراقيات تحرمهن الظروف من أية بارقة للأمل، ولا تبدو القصة خيالية أو غريبة عن الواقع العراقي مما يستدعي الاعتراض على المسلسل أو المطالبة بإيقاف بثه، والعمل من بطولة أميمة جواد الشكرجي ورويدا شاهين وريام الجزائري وأميرة جواد وإخراج بيير قلام.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان عضو مجلس المفوضين في هيئة الإعلام والاتصالات محمود الربيعي انتقد المسلسل في تصريحات متلفزة له، موضحاً أن "الرواية كتبت بنفس طائفي لفتاة عراقية ترتكب الفواحش وتذهب لزيارة الإمام موسى الكاظم"، ملمحاً إلى أنها تستهدف الطائفة الشيعية.
ولم تمنع هيئة الاتصالات والإعلام عرض المسلسل بعدما اطلعت عليه، وأكد مشرف قناة "mbc عراق" أوس الشرقي في تصريحات صحافية أن "المسلسل لا يتضمن أية إساءة لأي مذهب أو معتقد، ولا يحمل إهانة للمرأة العراقية"، مشدداً على أن ما جرى تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي "لا يمت إلى الحقيقة بصلة".
ومع عرض الحلقة الأولى من مسلسل "حمدية "جرت محاولات من قبل جماعات مجهولة لاقتحام مقر القناة في حي الجامعة غرب بغداد، مما دعا القوات الأمنية إلى أن تفرض طوقاً أمنياً بعربات مصفحة، ومنعت التجمعات في محيط القناة لصد أية محاولات من قبل جماعات مجهولة لاقتحامها مع بدء عرض المسلسل.
في منشور لمؤلف الرواية قدوري الدوري، على صفحته بموقع "فيسبوك" قال "حمدية لا سنية ولا شيعية، فالشخصية لا تمثل انتماءً طائفياً بقدر ما تجسد معاناة المرأة العراقية وسط تقلبات الواقع الاجتماعي والسياسي"، موضحاً أن "حمدية" صورت في بعض القراءات بصورة مجتزأة، وألبست "لباس الطائفية" خلافاً لجوهر العمل، ومعتبراً أن الرواية تتناول سيرة إنسانية لامرأة عصفت بها الأقدار بين اليتم والظلم.
الدوري أوضح أيضاً أن بعض الأطراف "حرفوا وزوروا" أحداث القصة ومنحوها أبعاداً لا تمت إلى مضمونها بصلة، داعياً القراء والنقاد إلى الاطلاع على العمل كاملاً على الشاشة قبل إصدار الأحكام.
ويوضح الفنان غالب جواد لـ"اندبندنت عربية" أنه "لا يحق لأحد أن يتدخل في منجز فني رصين يضم نخبة من الفنانين بعد حصول العمل على إجازة من الجهات المتخصصة وهي نقابة الفنانين"، مضيفاً "نحن نتعرض لهجمة من قبل أشخاص ليست لهم صلة بالواقع الفني العراقي، بل وجدوا فقط لإثارة النعرة الطائفية والمناطقية مما يجعل الدراما العراقية في خطر"، ومطالباً برادع حكومي للحد مما وصفه بـ"المهزلة التي تنال من الأعمال العراقية الدرامية سنوياً".
أما المخرج والأكاديمي صالح الصحن فيشير إلى أن الحديث النقدي عن الأعمال الدرامية يفترض أن يأتي بعد العرض كقراءة تحليلية وليس قبلها، ويفضل كما هو متبع عالمياً وجود نخبة من المتخصصين لفحص النصوص وتقييمها قبل التنفيذ لمنع مرور الأخطاء الجسيمة التي تعرض المجتمع للانقسام والتشظي.
ويوضح الصحن لـ"اندبندنت عربية" أن "حماية الدراما ورعايتها تأتي من دعمها والتعامل معها على أساس أنها مادة ثقافية فنية وجزء من ثقافة المجتمع، فالمنع والهجوم ليسا في صالح الدراما".
ويرى الصحن أنه "ليس من السهل أن يمنع عمل درامي تم تنفيذه في زمن طويل ومعاناة، مع تسخير إمكانات مادية وبشرية ومتاعب كبيرة، فالدراما في حاجة إلى اهتمام ورعاية، مع ضرورة وجود لجان فحص النصوص، وهي ليست سيفاً على حرية التعبير، وإنما لحماية ذائقة المجتمع من الأخطاء والمغالطات في المعلومات والتاريخ".