صناعة الترفيه المصري في اختبار "قرار التاسعة"
يرى رئيس غرفة صناعة السينما المنتج هشام عبدالخالق أن السينما "فسحة ليلية" قبل أن تكون مجرد نشاط تجاري أو مشروع اقتصادي، ولذلك إغلاق دور العرض مبكراً يعني عملياً اقتطاع الجزء الأكثر حيوية وربحية من يوم العمل السينمائي
من السينما وشباك التذاكر إلى الحفلات الغنائية وعروض المسرح تدخل قطاعات الترفيه المصرية في اختبار حقيقي، بعدما جرى اقتطاع ما يُعرف بـ"الساعات الذهبية" التي تقوم عليها إيرادات الفن بالأساس، على أثر قرار الإغلاق الذي تشهده البلاد الذي يبدأ من التاسعة مساء كل ليلة، بخاصة أن مصر الساهرة تبدأ حياتها الفنية بعد الغروب منذ عشرات الأعوام.
كانت السينما أول المتضررين من القرار، إذ خسرت بفقدان الحفلات الليلية التي تبدأ من التاسعة مساء نحو 70 في المئة من إيراداتها، لأن الحفلات الصباحية والظهيرة لا تشهد إقبالاً كبيراً، ولا تسهم في الدخل اليومي بنسبة يعتمد عليها، بخاصة أن قرار الإغلاق والترشيد توافق مع موسم أفلام عيد الفطر، وهي فترة ذهبية تحقق إيرادات ضخمة في الظروف العادية، وفق حديث متخصصين في الوسط الفني المصري إلينا.
وشهد موسم العيد عرض أفلام عدة هي "سفاح التجمع" لأحمد الفيشاوي وإخراج محمد صلاح العزب، و"برشامة" لهشام ماجد وريهام عبدالغفور وإخراج خالد دياب، و"فاميلي بزنس" لمحمد سعد وغادة عادل وإخراج وائل إحسان، و"ايجي بست" بطولة سلمى أبو ضيف وأحمد مالك وإخراج مروان عبدالمنعم، وقد حققت الأعمال المذكورة إيرادات جيدة، بلغت أن فيلم "برشامة" وحده وصلت إيراداته إلى نحو 120 مليون جنيه في أيام معدودة، أي ما يقارب مليونين و400 ألف دولار.
يقول مخرج فيلم "سفاح التجمع" محمد صلاح العزب، "معروف أن المصريين لا يخرجون إلى السينما في الفترات الصباحية، كذلك فإن الجميع مرتبط بعمل في فترات النهار، ولا يمكن تصوّر أن يترك الناس أعمالهم ليذهبوا إلى السينما مع أسرهم، وينطبق الأمر على شريحة أخرى من الجمهور، وهي الطلاب في كل المراحل، إذ يرتبطون بالمدارس والجامعات، لذا فالقرار يحرم الأفلام من معظم شرائح الجمهور، ولذلك فالخسائر حتمية ومخيفة، وقد تصل إلى أكثر من 80 في المئة"، في تقديره، وأضاف، "لم تجمع الأفلام المعروضة حتى الآن الإيرادات الكافية والمتوقعة، ولا يزال الوقت مبكراً على حرمانها من فرصة النجاح، لكن لا نملك حلاً، وحتى فكرة استثناء دور العرض من قرار الإغلاق غير ممكنة، لأن معظم هذه الدور في مولات ضخمة ملزمة الإغلاق حسب القرار الحكومي، وليس منطقياً أن يجري ترك المولات مفتوحة من أجل دور العرض الموجودة بها، وللأسف الاعتماد الأكبر في صناعة السينما والإيرادات مبني على عدد قاعات العرض الضخم في المولات".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واختتم العزب، "نأمل أن يكون قرار الإغلاق محدداً بمدة قصيرة في حال انتهاء الحرب، نعيش حال ارتباك كبيرة لا نعرف متى تنتهي، بخاصة أن هناك أفلاماً أخرى تستعد للعرض، إضافة إلى أعمال يجري تصويرها، ولا يمكن فهم الصورة كاملة، فالرؤية ضبابية لدى الجميع".
وأشار أحمد الدسوقي منتج فيلم "برشامة" إلى أن الوضع الحالي الذي فرضته الظروف سيؤثر بشكل كبير في الصناعة السينمائية في حال استمراره مدة طويلة، بخاصة أن بداية من الساعة التاسعة مساء هناك حفلات عدة تشهد إقبالاً جماهيرياً قد يصل إلى الدرجة القصوى، وهذا هو الإيراد الحقيقي الذي تحصل عليه الأفلام وصناعها، بينما إيرادات النهار وإقبالها الجماهيري لا يشكلان رقماً يعتمد عليه نهائياً.
ويرى رئيس غرفة صناعة السينما المنتج هشام عبدالخالق أن السينما "فسحة ليلية" قبل أن تكون مجرد نشاط تجاري أو مشروع اقتصادي، ولذلك إغلاق دور العرض مبكراً يعني عملياً اقتطاع الجزء الأكثر حيوية وربحية من يوم العمل السينمائي، مضيفاً أن القرار لا يقلل الأرباح فقط بل يلغي المصدر الأساس لها تقريباً، إذ تشير تقديرات الموزعين إلى أن الحفلات التي تبدأ بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تستحوذ وحدها على ما بين 60 و80 في المئة من الدخل اليومي لدور العرض.
وأضاف عبدالخالق أن غرفة صناعة السينما تستعد لتقديم طلب رسمي للحكومة لإعفاء دور العرض من القرار شهراً في الأقل، خصوصاً السينمات الموجودة داخل المولات التجارية التي تعمل ضمن منظومة ترفيهية وسياحية متكاملة، لافتاً إلى أن عرض الأفلام حتى التاسعة مساء فقط يعتد فتحاً أو تشغيلاً جزئياً، وهو أسوأ اقتصادياً من الإغلاق الكامل، لأن السينما ستظل تتحمل كلف التشغيل من أجور وكهرباء وصيانة من دون أن تحقق الإيرادات التي تغطي تلك المصروفات، وموضحاً أن دور العرض لا تمثل عبئاً في استهلاك الطاقة، لأنها تعمل في الظلام معظم الوقت، باستثناء دقائق قبل العرض وبعده، وهو ما يجعل شمولها داخل قرار الحكومة أمراً يستحق المراجعة.
وحذر الموزع السينمائي محمود الدفراوي من أن استمرار الوضع قد يدفع المنتجين إلى التراجع عن تصوير أفلامهم الجديدة، وكذلك عدم طرح الأفلام الجديدة الجاهزة خوفاً من الخسائر، وهو أمر سيؤثر سلباً في دورة الإنتاج والتوزيع، التي تعتمد على سرعة دوران رأس المال واسترداد الكلفة خلال الأسابيع الأولى من العرض، ومع تقليص عدد الحفلات اليومية تتباطأ هذه الدورة ويصبح استرداد الكلفة أكثر صعوبة، لافتاً إلى أن التأثير السلبي بقرار الإغلاق لا يقتصر على المنتجين والموزعين فقط، بل يمتد إلى آلاف العاملين في القطاع من موظفي دور العرض إلى شركات الدعاية والتسويق وفرق التشغيل.
وعلى جانب آخر حذرت نقابة المهن السينمائية من أن القرار سيؤدي إلى نتائج سلبية أهمها تباطؤ الإنتاج، الذي سينعكس مباشرة على فرص العمل داخل الصناعة التي يعتمد عليها عدد كبير من العاملين وأسرهم كمصدر دخل رئيس أو إضافي، ومع تراجع الإيرادات تصبح استمرارية التشغيل محفوفة بالأخطار، بخاصة أن أصحاب دور العرض أنفسهم يواجهون معادلة مالية صعبة بسبب ارتفاع الإيجارات داخل المولات والالتزامات اليومية الضخمة، وفي ضوء تقلص الإيرادات سيتحول تشغيل الأفلام إلى عبء بدلاً من كونه مصدر ربح أو دخلاً يعادل المصروفات.
وفي محاولة للبحث عن حلول عملية طرح المنتج كريم السبكي مقترحاً لتقليل الخسائر يقوم على إلغاء حفلات الصباح والظهيرة والتركيز على ثلاث حفلات فقط في أوقات الذروة، بهدف رفع متوسط الإيراد لكل حفلة، وتقليل الكلف التشغيلية والحفاظ على العمالة.
لم تكن السينما وحدها في دائرة التأثر بسبب قرار الإغلاق المبكر، إذ الأمر نفسه يعانيه قطاع الحفلات الغنائية، لأن الحفلات الليلية تُعد النشاط الأساس للمطربين والفرق الموسيقية، وغالباً ما تبدأ بعد العاشرة مساءً، مما جعل القرار يُعيد رسم خريطة الحفلات بالكامل، وترتب على القرار اضطرار المطربين إلى إلغاء وتأجيل كل الحفلات الليلية.
وارتبطت بعض الإلغاءات والتأجيلات بشكل أساس بالوضع الإقليمي والاضطرابات الملاحية والجوية، ومن هذه الحفلات حفل المطربة العالمية شاكيرا، الذي كان من المقرر إقامته أمام أهرامات الجيزة في السابع من أبريل (نيسان) الجاري، وقالت الجهة المنظمة إنه جرى تأجيله رسمياً إلى الـ28 من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، نظراً إلى القرارات الجديدة والتوترات الإقليمية الراهنة في المنطقة، كذلك أعلن المطرب ليجي - سي عن تأجيل حفله في الجامعة الأميركية الذي كان مقرراً في مطلع أبريل 2026، وأُلغي حفل الفرقة الألمانية في مصر.
وبالنسبة إلى المسارح والأوبرا اضطر الجميع إلى تعديل المواعيد، وأعلنت دار الأوبرا المصرية رسمياً تقديم موعد بدء جميع حفلاتها وعروضها الفنية لتكون في تمام الساعة السادسة والنصف مساءً بدلاً من المواعيد المعتادة، وذلك لضمان انتهاء العرض والخروج قبل الساعة التاسعة مساءً.
أما عروض أوبرا القاهرة فجرى تعديل توقيتات عرض "الحفل التنكري" على المسرح الكبير ليتماشى مع مواعيد الإغلاق، وبالنسبة إلى حفلات السهرة في الديسكوهات والمطاعم فقد أُغلقت تماماً الفقرات الفنية التي كانت تبدأ بعد التاسعة مساءً في القاهرة والمدن غير السياحية.
وفي سياق متصل قدم نقيب الموسيقيين المصريين مصطفى كامل التماساً رسمياً للحكومة لمد عمل المسارح وقاعات الأفراح والمنشآت ذات الطابع الفني حتى الساعة الحادية مساءً في الأقل، معتبراً أن الساعة التاسعة تعني عملياً "إلغاء العمل" لهذا القطاع.
ومع استمرار قرار الإغلاق المبكر شهراً أو أكثر حسب الضرورة وتطور الأمور حسب ما صرح رئيس الوزراء المصري أخيراً تسود حال من الضبابية حول مدة تطبيق القرار، وتزداد مخاوف القطاع الفني من أن يكون هذا الإجراء ليس أمراً موقتاً، لكن بداية مرحلة جديدة تعيد تشكيل خريطة الترفيه في مصر.