هل سيسبح رجل "أبل" الجديد جون تيرنس عكس تيارها؟

المصدر : INDEPENDENT | الأثنين , 27 نيسان | : 119

الرجل الآتي من رحم "أبل"، الذي قضى ربع قرن يصنع الأشياء التي يمسك بها الناس طوال الوقت من دون أن يعرفوا اسمه، سيظهر قريباً ليعلن عن شيء ما، فهل يفجر مفاجأة يحقق فيها معادلة يمسح بها أعوام الإحباط الماضية؟

مشهد يتكرر كل خريف، مسرح أنيق يشغل مقاعده جمهور مترقب لعرض جديد يحمل الاسم ذاته، والحقيقة أنه كثيراً ما حمل الشكل ذاته أيضاً، مع بعض التحسينات المحسوبة بدقة، في حال أصبحت أقرب إلى الرتابة وعرض لا يتعدى في نهاية المطاف كونه ترقية للجهاز لا أكثر، وكأن الشركة لم تعد تريد أن تدهش بقدر ما تريد أن تطمئن وتؤكد أنها ما زالت تدير إيقاع السوق.

لكن خريف هذا العام يحمل حدثاً مختلفاً، إذ سيقفز إلى مسرح العرض رجل هندسة الأجهزة شخصياً، جون تيرنس، مهندس كان ينمو في الظل على مدى ربع قرن، ثم بات اليوم في مركز الضوء.

ربع قرن في جلباب "أبل" ليست مجرد رقم، بل هي أثر يمكن تتبعه في جهاز تحمله في جيبك وآخر تربطه على معصمك، فهل يعيد "أبل" إلى عصر ابتكاراتها الذهبي، أم أن الطريق أكثر وعورة مما تبدو عليه؟

كما درجت العادة، عندما فكرت "أبل" بتعيين رئيس تنفيذي جديد خلفاً لتيم كوك، لم تلق بنظرها خارج جدران الشركة في نهج غير مستغرب تستكمل فيه تطبيق فلسفة الوراثة الداخلية، كيف لا ولديها جون تيرنس، قلب إيرادات الشركة النابض وابنها البار الذي أمضى ما يزيد على عقدين من الزمن داخل أسوارها يهندس أشهر منتجاتها.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الوقت الذي تنظر "أبل" إلى فكرة القيادة على أنها امتداد لثقافتها ظهرت مفارقة ملفتة، إذ أصبحت "أبل" في الواقع شركة مثالية على المستوى الإداري، لكنها أقل جرأة في الابتكار، إذ قاد تيم كوك الشركة 15 عاماً لتصبح واحدة من أعلى الشركات قيمة في العالم، مع محاولة للتوسع في مجال الخدمات الرقمية بإنفاق المليارات على خدمات مثل "أبل تي في Apple TV+"، ونتائج محدودة مقارنة بمنافسين مثل "نتفليكس" و"أمازون".

بهذا يبدو جلياً أن سياسة كوك اعتمدت بصورة أساس على التحسينات التدريجية بعيداً من القفزات الرقمية الكبيرة، إضافة إلى سياسات تجارية أثارت الجدل مثل بيع الشواحن والأكسسوارات بشكل منفصل، والأهم من هذا وذاك أن كوك أفقد "آيفون" عنصر الدهشة في حلقة تصميم مغلقة دامت أعواماً طويلة.

وفي هذا الصدد، يشير محللون إلى أن آخر قفزة تصميمية كبيرة تعود إلى 2017، بينما تركز التحديثات منذ ذلك الحين على الكاميرا والمعالج والبطارية، إذ كان يصاغ بيان صحافي يعلن عن تحسين طفيف في دقة الكاميرا أو عدد وحجم عدساتها، على أنه ثورة تكنولوجية.

خلق هذا النمط فجوة نفسية لدى المستخدمين، أخذت تتسع عاماً بعد عام بين الخطاب التسويقي والتجربة الفعلية، إذ في حين يبدو أن الجهاز يتحسن، يغيب عنصر المفاجأة بالكامل، العنصر الأساس في عملية التسويق التكنولوجي.

هنا تحديداً تكمن مهمة تيرنس في تغيير فلسفة القيادة القديمة تلك برمتها، وإعادة الدهشة مجدداً إلى منتج أصبح أكثر من متوقع، فهل يتمكن من كسر نمط التحسين التدريجي بوجود عاملين متضادين هما: ثقافة "أبل" المحافظة، وضغط السوق؟

يأتي تيرنس في توقيت حرج، ففي حين يرث شركة بقيمة سوقية تقدر بـ4 تريليونات دولار، إلا أن ملفات عدة تتراكم على طاولته، أولها التباطؤ النسبي في الابتكار في سوق تشبعت بالهواتف الذكية، وثانيها محيط الذكاء الاصطناعي الأحمر، وثالثها وليس آخرها التوقعات المرتفعة من المستثمرين، وبهذا يبدو أن تيرنس لا يملك اليوم رفاهية الوقت، لكن الأكيد أن بإمكانه أن يحول هذه الملفات إلى أوراق رابحة في حال غامر بالسباحة خارج منطقة راحة "أبل".

في هذا السياق، يشير مراقبون إلى أن تيرنس ربما يشبه كوك في أسلوبه الإداري الهادئ الأكثر ميلاً لتجنب الأخطار، وهذا ما يضع الرجل الخمسيني في موقع معقد بعض الشيء، إذ في حال استمر بالنهج نفسه سيتهم بالجمود، وإذا غامر سيخاطر باستقرار شركة هادئة المزاج، فهل يمكن لشركة بلغت قمة النضج أن تعود لروح المغامرة؟

هنا يمكننا القول إن الرئيس التنفيذي الجديد إما سيقود "أبل" إلى أعظم حقبة على الإطلاق أو سيمضي بها إلى بداية النهاية.

وينتظر من تيرنس اليوم أن ينظر في القرار الأكثر جدلاً في تاريخ "أبل"، وهو بيع كل شيء على حدة، إذ كيف لشركة تبلغ قيمتها 4 تريليونات دولار أن تضيف لفاتورة دفع صاحبها أكثر من 1000 دولار ثمن الجهاز، 18 دولاراً مقابل تزويده بشاحن.

يمكن أن يبدو هذا القرار منطقياً من منظور اقتصادي، إذ يهدف إلى تقليل الكلف وزيادة هامش الربح ودعم توجهات الاستدامة، لكن الأكيد أن "أبل" قدمت هنا تجربة شراء ناقصة، أقله من منظور المستخدم، ومهما قدمت من مبررات يظل هذا القرار التجاري مطبوعاً في أذهان المستخدمين كرمز للاستغلال.

فهل يتجرأ تيرنس على إعادة النظر في هذه السياسة؟ أم أنه سيستمر بالاستخفاف في التجربة العاطفية للمستخدم؟

وتواجه "أبل" في ملف الذكاء الاصطناعي تحدياً حقيقياً، إذ ينظر إليها على أنها متأخرة نسبياً مقارنة بمنافسين دمجوا الذكاء الاصطناعي بعمق في منتجاتهم، ففي حين ضخت "مايكروسوفت" و"غوغل" و"ميتا" مئات المليارات في تأسيس بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، كانت "أبل" تراقب وتترقب، وما أطلقت عليه اسم "أبل إنتلجنس" لم يترجم حتى اليوم إلى منتج مقنع.

و"سيري" التي كانت قبل عقد من الزمن رائدة في مجال المساعدين الصوتيين، بات يشار إليها كمثال على التراجع التكنولوجي، حتى الحل الموقت بالاستعانة بـ"غوغل جيميني" لتشغيل ميزات الذكاء الاصطناعي في "سيري" بدا غاية في التناقض، فكيف لشركة أن تدفع مليار دولار سنوياً لمنافسها الأكبر كي يفكر عنها؟

وفي هذا الملف ينتظر منه المحللون أن يحدد استراتيجية واضحة، هل يبني تيرنس لـ"أبل" نموذجها الخاص في اللغات الكبيرة أم يواصل سياسة الشراكات؟ ومع اقتراب احتفال "أبل" بمرور 20 عاماً على ولادة طفلها المدلل في يونيو (حزيران) من العام المقبل، هل نشهد أخيراً إطلاق هاتف شامل؟

بتحليل بسيط نجد أن خلفية تيرنس الهندسية ربما تدفعه إلى بناء الأشياء ذاتياً بدلاً من شرائها، لكن في الوقت ذاته تعني عملية بناء نموذج لغوي من الصفر أعواماً من الانتظار، في لحظة لا تحتمل فيها السوق الانتظار، فالمعادلة صعبة، والهامش الزمني ضيق.

إضافة إلى كل ما سبق، كان تيم كوك بارعاً في التعامل مع الحكومات والرئيس الأميركي ترمب والصين في آن، وهو توازن دقيق يتطلب مهارات دبلوماسية خاصة.

والأكيد أن تيرنس يرث ملفاً مثقلاً بتوقعات ثقيلة، والحقيقة أنه على رغم التوقعات المنخفضة فإنه بالنظر إلى التاريخ لم تهدف "أبل" مرة لتكون الأولى في طرح المنتج ذاته، لكنها كانت دائماً الأولى في تقديم المنتج لصورة تجعل كل من سبقها "دقة قديمة"، كما تشير التسريبات إلى أن هنالك أجهزة تنضج في مطبخ "أبل"، إن نجحت تعيد أمجاد "أبل" وتستحضر لحظات لم تشهدها السوق منذ 2007.

والآن، الرجل الآتي من رحم "أبل"، الذي قضى ربع قرن يصنع الأشياء التي يمسك بها الناس طوال الوقت من دون أن يعرفوا اسمه، سيظهر قريباً ليعلن عن شيء ما، فهل يفجر مفاجأة يحقق فيها معادلة يمسح بها أعوام الإحباط الماضية؟