أميركا والصين وسباق "مغازلة" القمر

المصدر : INDEPENDENT | الخميس , 01 تشرين الأول | : 22

اتفاقية إيزاكمان مع الحكومة الإيطالية لتطوير أماكن إقامة لرواد الفضاء على سطح القمر مقابل الالتزام من ""ناسا"" بوصول رائدي فضاء إيطاليين إلى القمر.

منذ توليه زعامة "ناسا" قبل 10 أشهر، طبق سيد الوكالة الجديد جاريد إيزاكمان استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترمب السياسية في فن إبرام الصفقات، إذ أعلن عن توقيع صفقات فضاء جيدة مع إيطاليا واليابان مقابل عائد بمليارات الدولارات.

في الوقت ذاته اضطر الرجل إلى تأجيل صفقة منتظرة مع أوروبا في شأن محطة الفضاء المصغرة (غيتواي) المزمع إنشاؤها في مدى حول القمر، إلى وقت لاحق، إذ يسعى حالياً إلى اتفاق مهم للغاية مع الصين حول من سيهبط أولاً على سطح القمر إن أمكن له ذلك.

لكن، وحتى هذه اللحظة، لم تثمر صفقات إيزاكمان الجيدة التي أبرمها مع دول كثيرة خلال فترة رئاسته الحالية في إطفاء هواجسه تجاه إمكان تقدم الصين على الولايات المتحدة في الهبوط على سطح القمر، فإخفاقات السياسة الفضائية الأميركية التي تعود إلى عهد إدارة رونالد ريغان تلاحقه.

ويقدر إيزاكمان أن "وكالة 'ناسا' بددت 100 مليار دولار على مدى إدارات رئاسية عدة، ديمقراطية وجمهورية، من دون جدوى". في المقابل، أجرت الصين أول رحلة فضائية مأهولة لها عام 2003، ومنذ ذلك الحين وسعت قدراتها إلى الحد الذي باتت فيه تنافس الولايات المتحدة في مجال الفضاء.

وفي هذا السياق تساءل علماء فضاء أميركيون: هل من المهم إلى هذا الحد وصول الصين إلى القمر قبل عودة "ناسا" إليه؟ ففي نهاية المطاف "لن تكرر الصين سوى ما فعلته الولايات المتحدة عام 1969 مع مهمة أبولو"، لكن إيزاكمان يرى أن الأمر أكثر أهمية من ذلك، إذ قال متحدثاً عن هبوط الصينيين على سطح القمر في مؤتمر صحافي "سيثير ذلك تساؤلات لدى كل دولة أخرى في العالم".

وفي شرح لهواجس إيزاكمان تجاه هبوط الصين على القمر قبل "ناسا"، أكدت موسوعات علمية أوروبية أن "وصول الصين إلى القمر لم يعد مجرد حدث علمي، بل أصبح حدثاً يجعل دول العالم جميعها تعيد التفكير في من تعتمد عليه في الأمن وفي التكنولوجيا وفي الذكاء الاصطناعي"، أي إن هبوط الصين على القمر قبل أميركا سيصبح رمزاً لصعود قوة عالمية جديدة، قد تغير اتجاهات العالم في التحالفات والتكنولوجيا والقرارات السياسية.

للتخفيف من حدة هواجسه تجاه الهبوط على القمر أولاً، ذهب زعيم "ناسا" باتجاه تكثيف الاتفاقات الدولية التي تعد بالنسبة إليه بمثابة التحالفات التي تتميز بها "ناسا" عن وكالات الفضاء العالمية والفضاء التجاري القوي داخل أميركا، لذلك استهل إيزاكمان زعامته بإبرام "صفقتين جيدتين" مع إيطاليا واليابان.

جاءت اتفاقية إيزاكمان مع الحكومة الإيطالية لتطوير أماكن إقامة لرواد الفضاء على سطح القمر، مقابل الالتزام من "ناسا" بوصول رائدي فضاء إيطاليين إلى الكوكب الرومانسي، فيما منح إيزاكمان اليابان تذكرتين إلى القمر مقابل التزامها مليارات الدولارات لتجهيز مركبات نقل رواد "ناسا".

وفي تفاصيل صفقتي البلدين ذكرت مواقع علمية أميركية أن إيزاكمان أشار ضمن حديث صحافي إلى اتفاقية "ناسا" مع الحكومة الإيطالية خلال مارس (آذار) الماضي لتطوير أماكن إقامة لرواد الفضاء على سطح القمر كمثال على الصفقة الجيدة. وقال "نتيجة لذلك، سنرى رائدي فضاء إيطاليين على سطح القمر"، وإذ تسهم اليابان "بدور مهم في دعم وكالة 'ناسا'، من خلال التزامها مليارات الدولارات لتطوير مركبة جوالة مضغوطة لنقل رواد الفضاء عبر القمر، فإنها في المقابل ستحصل على تذكرتين إلى القمر لرواد فضاء من بلادها". يذكر أن الحكومتين الأميركية واليابانية وقعتا اتفاقية المركبة الجوالة عام 2024.

في السياق ذاته، قام إيزاكمان بمراجعة توقيع الوكالة الحكومية الأميركية مع وكالة الفضاء الأوروبية على اتفاقية توفير مكونات لوحدة سكنية، ووحدة تزويد بالوقود، ومعدات اتصالات فضائية بعيدة المدى لمحطة الفضاء المصغرة "غيتواي" المزمع إنشاؤها في مدى حول القمر.

وفي تفاصيل صفقة إيزاكمان مع أوروبا المؤجلة لحل مشكلة "غيتواي"، أكد الصحافي المعني بعلوم الفضاء، ستيفن كلارك، في مقالة نشرت في الـ22 من سبتمبر (أيلول) الجاري تحت عنوان "فن إبرام الصفقات"، أن رئيس "ناسا" قال أخيراً "أنا مهتم فقط بالصفقات الجيدة مع الشركاء الدوليين".

ونقل عن إيزاكمان قوله "كان هناك وقت سعينا فيه إلى إرضاء الجميع، لكن الوضع الآن قد تغير"، إذ يعتقد مدير "ناسا" الجديد أن "الوكالة يجب أن تكون أكثر انتقائية في طريقة بناء شراكاتها الدولية"، بخاصة بعدما تحول سباق الوصول إلى القمر من صراع على المكانة الوطنية بين الولايات المتحدة والصين إلى منافسة محمومة على الأراضي والموارد خارج كوكب الأرض.

قبل الذهاب إلى حديث عن صفقة إيزاكمان الأهم وهي الاتفاق مع الصين على الهبوط على سطح القمر، فإنه لا بد من توضيح فكرتين عبر الإجابة عن سؤالين وهما: أولاً، ما صفقات الفضاء الجيدة بالنسبة إلى إيزاكمان؟ وثانياً، ما الذي يقصده إيزاكمان بتغير وضع "ناسا"؟

بناءً على ما كتبه كلارك فإن الصفقة الجيدة لدى إيزاكمان تتلخص في عقد اتفاقات تضمن "عدم زيادة أعباء 'ناسا' المالية" ودعم خزانتها، أما بالنسبة إلى تغير وضع الوكالة فقال صراحة "في 10 أشهر تغير وضع 'ناسا'، ونحن في حاجة إلى مساهمات فعالة الآن"، موضحاً أن هذا يعني ضرورة اتخاذ الوكالة قرارات أفضل في شأن توقيت وكيفية التعاون مع الشركاء الدوليين.

وعملاً بتوجيهات الرئيس ترمب، تابع إيزاكمان في حديثه الصحافي "لكنني سأقول لكم، وهذا ما أكده رئيس الولايات المتحدة: نحن لا نبرم إلا صفقات جيدة، ولكننا لم نكن دائماً كذلك"، وأضاف "كان هناك وقت كنا نسعى فيه إلى إرضاء الجميع. وكنا نرفع كثيراً من الشعارات لإصدار بيان صحافي رائع، وهذا ما أدى فعلاً، في بعض الأحيان إلى عرقلة المهمة بدلاً من تسريعها. ولا يمكننا الاستمرار على هذا النحو، وقد غيرنا ذلك الآن، ونتيجة لذلك، نبرم اليوم صفقات جيدة".

وعن أهمية القمر، أعرب رئيس "ناسا" الجديد عن قلقه البالغ من احتمال منع الصين أميركا من الوصول إلى أجزاء من القطب الجنوبي للقمر، ولذلك قال "إذا لم يجر التوصل إلى اتفاق في شأن من ينزل أولاً، فسيكون التأثير محسوساً في جميع أنحاء العالم".

وجاء حديث إيزاكمان عن استراتيجية "ناسا" وأهمية القمر للفضاء الأميركي خلال مؤتمر صحافي في هيوستن عبر فيه عن قلقه من احتمال منع الصين وصول بقية الدول التي تمتلك طموحات ومشاريع في القمر إلى أجزاء من القطب الجنوبي لهذا الكوكب.

"نجونا من كارثة"

توضيحاً لخطورة الموقف الحالي المتمثل في تزاحم قوى الفضاء الكبرى في العالم على موقع هبوط محدد على القمر، جاء على لسان إيزاكمان قوله "في أغسطس (آب) الماضي، أرجأت الصين إطلاق مهمة تشانغ إي 7 الروبوتية الطموحة إلى القطب الجنوبي للقمر حتى مطلع عام 2027، ولم تقدم الصين تفسيراً مفصلاً لتأجيل الموعد"، إلا أن مدير وكالة "ناسا"، جاريد إسحاقمان، رحب بهذا القرار.

وأضاف إيزاكمان "إنهم يستهدفون الموقع نفسه تماماً على القطب الجنوبي للقمر"، مؤكداً أنه "ربما نجونا من كارثة بفضل تأجيل مهمة تشانغ إي 7 قبل أسبوعين، لأنها كانت ستتجه إلى فوهة شاكلتون".

وفي توضيح مختصر من علماء فضاء أميركيين حول هذه النقطة، قال الصحافي إريك بيرغر "إن معظم سطح القمر قاحل، لكن القطب الجنوبي، وفوهة شاكلتون تحديداً، يعدان من أكثر المناطق المرغوبة هناك، إذ يعتقد أن الماء - على شكل جليد بالطبع - ومواد أخرى مفيدة قد تراكمت هناك على مدى مليارات السنين".

هناك مساحة محدودة جداً للهبوط على سطح القمر، وهنا تضيف مقالة علمية على موقع أميركي "في جميع خطط "ناسا" والصين للاستيطان الطويل الأمد على سطح القمر، تعد مساحة صغيرة نسبياً عند القطب الجنوبي للقمر ذات أهمية بالغة، إذ يعتقد البلدان أنهما قادران هناك على ترسيخ وجود دائم يساعدهما على اكتساب تقنيات للتوسع في النظام الشمسي".

وخلال مؤتمر هيوستن الذي عقد يومي الـ23 والـ24 من سبتمبر الجاري، ويعرف إعلامياً باسم مؤتمر "أوف وورلد"، أشار إيزاكمان إلى نقطة حرجة، تعبر عن ذروة هذه الأزمة بالنسبة إلى برامج "ناسا" الفضائية بصورة عامة وليس النشاط على سطح القمر تحديداً، فنشاط مركبة "تشانغ إي 7 الصينية" في حال هبوطها قبل المركبات الأميركية على القمر سيمنع بكل تأكيد الولايات المتحدة من الوصول في الوقت المناسب إلى بعض أكثر المواقع إثارة للاهتمام، وهما "قطبا القمر".

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي السياق ذاته، عبر إيزاكمان عن قلقه على مهام "ناسا" القادمة إلى المريخ بقوله "إنهم يريدون استغلال الجليد المائي، ويريدون إتقان المهارات اللازمة للوصول إلى وجهتهم التالية، وهذه الوجهة لن تكون على سطح القمر، بل على سطح المريخ أيضاً."

يتيح تأجيل مهمة تشانغ إي 7 فرصة لوكالة "ناسا" للوصول إلى هذه المنطقة أولاً، وذلك بإطلاق مركبة بلو مون مارك 1 التابعة لشركة بلو أوريجين. وستحمل مركبة بلو مون الضخمة مسبارين تابعين لـ"ناسا" إلى القطب الجنوبي، في موعد قريب وهو ربيع عام 2027.

يشار إلى أن الصين حددت حديثاً هدفاً يتمثل في إنزال أول رواد فضاء لها على سطح القمر بحلول عام 2030 أو قبله، وأنها تحرز تقدماً ملحوظاً في تطوير مركبة فضائية مأهولة، ولديها صاروخ، ومركبة هبوط لتحقيق هذا الهدف.