أخذ الحق حرفة
شهدت الأيام الأخيرة تفاعلاً واسعاً للنشطاء والإعلاميين السوريين على مختلف منصّات التواصل الاجتماعي، عقب العدوان الأردني الذي استهدف محافظة درعا وأسفر عن مقتل 7 مدنيين، بينهم 3 أطفال وامرأة، ورجل مسن يبلغ من العمر 65 عاماً. لم يقتصر رد الفعل السوري على الغضب أو الإدانة، بل سرعان ما تحول إلى حملة توثيق وتدقيق ومساءلة للرواية الأردنية التي رافقت القصف.
حيث نشر ناشطون أسماء الضحايا وصورهم، تواصلوا مع عائلاتهم وشهود من المناطق المستهدفة، ودققوا في الادعاءات التي تحدثت عن استهداف عناصر إرهابية، في محاولة لإعادة الضحايا المدنيين إلى صدارة الرواية بعد أن كادت تختزلهم اللغة الأمنية في أرقام جانبية.
لكن ما جرى ليس تجربة جديدة على الناشطين الثوريين السوريين! فمنذ بدايات الثورة، لم يدخل السوريون وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن جمهور فحسب، بل وجدوها منفذاً لإيصال ما يجري حين أُغلقت أبواب الإعلام أمامهم، وتحولت هذه المنصات تدريجياً إلى وسيلة لحفظ أسماء الضحايا، وتوثيق الانتهاكات، ومواجهة الروايات التي كانت تستخدم وصف الإرهاب لتبرير العنف وإسقاط الصفة المدنية عن الضحايا.
عبر 14 عاماً من مواجهة ماكينة إعلام نظام الأسد، تعلّم الناشط السوري أن الصورة وحدها لا تكفي، وأن الشهادة تحتاج إلى تدقيق، وأن كل اتهام يحتاج إلى دليل. وتراكمت مع الوقت خبراته في استخدام أدوات التحقق من تحديد مكان التصوير وزمانه ومقارنة الروايات والاحتفاظ بالمواد الأصلية، والوصول إلى الشهود، ومراجعة التفاصيل قبل نشرها. كانت مدرسة قاسية دفع كثير من السوريين ثمنها اعتقالاً وتهجيراً، فيما دفع آخرون حياتهم وهم يحاولون نقل الحقيقة.
وأحد أهم ما أنتجته هذه التجربة هو تحويل الجهد الفردي إلى شبكة عمل متكاملة تجمع بين من يصور ومن يتعرف على المكان، وصحفي يتحقق من الرواية، ومترجم ينقلها إلى جمهور آخر، وسوري في المهجر يتواصل مع وسائل الإعلام والمنظمات الدولية. وبهذا أصبحت وسائل التواصل أداة يصعب تجاوزها في مواجهة محاولات طمس الوقائع أو فرض رواية رسمية واحدة على السوريين.
وما حصل في 26 من أكتوبر من قصف أردني أعاد استدعاء هذه الخبرة بكلّ تفاصيلها. فمع إعلان الرواية الأردنية أن الضربات استهدفت عناصر مرتبطة بتنظيم داعش، بدأ ناشطون سوريون بطرح السؤال ذاته الذي رافقهم سنوات طويلة: هل يكفي أن تصف جهة رسمية شخصاً أو موقعاً بأنه إرهابي حتى تصبح روايتها حقيقة لا تحتاج إلى دليل؟
المشكلة لا تبدأ فقط من هوية الأشخاص العشرين الذين قيل: إنهم كانوا مستهدفين، بل من المدنيين الذين قُتلوا بالفعل. حين يكون بين الضحايا أطفال ونساء ومسنون، يصبح السؤال عن كيفية اختيار الأهداف، وطبيعة المعلومات الاستخباراتية المستخدمة، ومدى اتخاذ الاحتياطات لحماية المدنيين سؤالاً أساسياً لا يمكن تجاوزه.
كما أن الحديث عن مقتل أكثر من عشرين عنصراً من داعش، كما ورد في بعض روايات الإعلام الأردني الرسمي، بقي موضع تساؤل لدى النشطاء السوريين، ولا سيما في غياب أسماء واضحة أو معلومات يمكن التحقق منها بصورة مستقلة. وهنا تحديداً تظهر أهمية العمل الإعلامي السوري، فهو الأقدر على التمييز بين ما جرى توثيقه وبين ما بقي ادعاء يحتاج إلى إثبات. فالدفاع عن الضحايا لا يحتاج إلى المبالغة، بل إلى الحقيقة.
وحين ظهرت لاحقاً روايات إعلامية تحاول تفسير سقوط المدنيين بالقول: إن بعضهم أقارب لأشخاص مستهدفين، واجه الناشطون هذا الطرح بسؤال أكثر بساطة وعمقاً: منذ متى أصبحت صلة القرابة مبرراً لمقتل طفل أو امرأة أو مسن؟ حتى لو ثبتت القرابة، فإنها لا تحول المدني إلى هدف عسكري، ولا تنتقص من حقه في الحياة والحماية.
بهذه الطريقة استطاع ناشطون سوريون تفكيك الرواية الإعلامية الأردنية والتي تحولت من إعلان توجيه ضربة لخلية إرهابية وإنكار الى وقوع مدنين نتيجة فشل استخباراتي، الى اعتراف بوقوع أخطاء وتشكيك كامل بالرواية. وذلك من خلال طرح أسئلة بسيطة: من هم المستهدفون؟ ما الأدلة على هوياتهم؟ لماذا قُتل المدنيون؟ وما المعلومات التي بُني عليها قرار القصف؟
وهذه تحديداً هي الخبرة التي راكمها السوريون خلال سنوات الثورة، حيث نجحوا في تحويل الغضب إلى سؤال، والسؤال إلى بحث، والبحث إلى مادة موثقة يستطيع الجمهور ووسائل الإعلام فحصها. لكن قوة هذه التجربة تبقى مرتبطة أيضاً بقدرتها على الفصل بين المؤسسات والشعوب.
فالسوريون الذين انتقدوا القصف الأردني هم أنفسهم الذين تضامنوا مع ضحايا جريمة الكرك، لأن الموقفين لا يتناقضان. التضامن مع المدني الأردني لا يعني الصمت عن مقتل المدني السوري، كما أن رفض القصف لا يعني الإساءة إلى الشعب الأردني. فالقيمة واحدة، حياة الإنسان لا تتجزأ وأخذُ الحقّ حِرفة.
وقد تعلّم السوريون هذه الحرفة خلال سنوات طويلة وبثمن باهظ. تعلّموا أن الرواية الرسمية ليست حقيقة لمجرد صدورها عن دولة، وأن اسم الضحية وصورته وشهادة عائلته قد تكون أحياناً أقوى من بيان سياسي كامل. وحين تُستخدم هذه الأدوات بدقة ومسؤولية، لا تعود وسائل التواصل مجرد مساحة للاحتجاج، بل تتحول إلى أرشيف للأدلة، ومنصّة للمساءلة، وجسر يصل بين صوت الضحية والرأي العام.
وهذا ربما أهم ما أثبته التفاعل السوري مع أحداث درعا الأخيرة والتي تتلخص بأن من أمضى سنوات يدافع عن حقيقة ضحاياه، أصبح يعرف جيداً كيف يبحث عنها، وكيف يحفظها، وكيف يطالب بحقه.