برامج الفضاء الأميركية الحربية… إنفاق ضخم يلفّه الغموض والسرّية
لا تتاح معلومات موازنة البرامج الحربية للجمهور، لأنها تعد معلومات سرية للغاية، لكن من المعلوم أن تمويل قوة الفضاء الأميركية وحدها، التي هي جزء يسير من برامج الفضاء الحربية يفوق تمويل "ناسا" بكثير.
على رغم مرور الزمن، ظل الفارق القانوني بين برامج "ناسا" السلمية وبرامج الفضاء الأميركي الحربية دقيقاً للغاية، وذلك لأن التشريعات تتغير باستمرار. والعائق الأكبر أمام المتخصصين في هذا المجال هو من دون شك سرية المعلومات المتعلقة بالنشاط الفضائي الأميركي الحربي.
إذ لا تتاح معلومات موازنة البرامج الحربية للجمهور، لأنها تعد معلومات سرية للغاية، لكن من المعلوم أن تمويل قوة الفضاء الأميركية وحدها، التي هي جزء يسير من برامج الفضاء الحربية يفوق تمويل "ناسا" بكثير.
ومع المضي في مشاريع عسكرة الفضاء الأميركي، يتساءل كثر عن الخط الفاصل الذي يجعلنا نميز بين برامج وكالة "ناسا" وبرامج الفضاء للأمن القومي أو ما يعرف بالنشاطات الحربية التي تعتمد على تقنيات الفضاء.
ووفق متخصصين فإن برامج "ناسا" أكثر وضوحاً ولكنها أقل تمويلاً، ولا توجد طريقة سهلة لتتبع تمويل برامج الفضاء الحربية، نظراً إلى أن جزءاً كبيراً من أنشطتها يعد برامج سرية للغاية ويطلق عليها اسم البرامج المشفرة أو السوداء.
يمكن القول إن برامج الفضاء الأميركية بجميع أنواعها المدنية منها والعسكرية أو الحربية تدخل في صميم مفهوم الأمن القومي الأميركي، ووفق مقالات عدة على مواقع علمية متخصصة، فإن مصطلح "الفضاء للأمن القومي" يستخدم ليشمل الأنشطة الفضائية لمجتمع الاستخبارات ووزارة الدفاع الأميركية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إذ تشمل برامج الفضاء للأمن القومي مركبات الإطلاق وأنظمة الأقمار الاصطناعية للاستطلاع، والإنذار المبكر بإطلاق الصواريخ والتفجيرات النووية، والملاحة والاتصالات والأرصاد الجوية.
وما يجعل التمييز بينها صعباً للغاية أيضاً، أن لكثير من هذه الأنظمة نظائر في القطاعين المدني والتجاري، لذلك قد يكون الخط الفاصل بين الأمن القومي وأنظمة الفضاء المدنية غير واضح تماماً لعامة الناس.
نص قانون الملاحة الجوية والفضاء الوطني لعام ١٩٥٨ على أن تتولى وزارة الدفاع الأميركية (DOD) تنفيذ الأنشطة الفضائية العسكرية، مع إنشاء وكالة "ناسا" (NASA) لتنفيذ برنامج الفضاء المدني للبلاد.
وبذلك هناك طريقتان لمعرفة الفارق بين برامج الفضاء الأميركي الحربية والسلمية، الأولى من خلال تتبع القوانين والتشريعات المنظمة لهما، وهذه الطريقة "مضنية" للغاية، بسبب تغير القوانين باستمرار وتشابكها مع مرور الوقت، فيما الطريقة الأسهل هي من خلال رصد تغيرات الموازنة المالية لكل منهما، ولكن حتى الطريقة الأسهل هذه ظلت صعبة ومعقدة عقوداً من الزمن، ولم تتضح كثيراً قبل 2013 تحديداً؟
منذ 1958 وهو تاريخ تولي وزارة الدفاع الأميركية (DOD) تنفيذ الأنشطة الفضائية العسكرية، مع إنشاء وكالة "ناسا" (NASA) لتنفيذ برنامج الفضاء المدني للبلاد وحتى 2013، ظلت معظم برامج الفضاء غامضة أمام المتخصصين، بسبب الموازنة الموحدة لهما، والتجاذبات التشريعية، التي نتج منها مجموعة من الأنظمة والقوانين المتشابكة أو المعقدة أحياناً.
إذ تحدد جل هذه التشريعات على يد الرؤساء المتعاقبين، فيما تزيدها تعقيداً وغموضاً بعض الخلافات السياسية شبه الدائمة بين مجلسي النواب والشيوخ بخصوص طبيعة برامج الفضاء وتوقيت تنفيذها.
وفي 2016 توضحت الأمور قليلاً بسبب تفصيلات أكثر بخصوص الموازنة، وظلت الحال كذلك حتى عام 2021، حين صدرت تفصيلات جديدة أكثر وضوحاً في الموازنة، مما جعل التمييز بين برنامجي الفضاء الحربي والسلمي أسهل كثيراً.
أهم ما يميز برامج الفضاء الأميركية الحربية عن السلمية والمدنية ميزة ثبات التمويل للبرامج الحربية! ومن المعلوم أن موازنة "ناسا" تأثرت أخيراً وبصورة واضحة بالسياسة الأميركية الحربية الحديثة التي يقودها الرئيس ترمب، إذ خضعت الوكالة الحكومية إلى تخفيض حاد في موازنة العلوم لمصلحة البرامج العسكرية والحربية.
وفي السنة المالية 2024 تلقت "ناسا" 24.875 مليار دولار، بينما حصلت قوة الفضاء على 28.888 مليار دولار، وحتى تاريخ قريب ولنهاية 2025 لم يبت الكونغرس في تمويل السنة المالية 2025، ولكن قوة الفضاء وحدها مرشحة لتلقي تمويل يفوق تمويل "ناسا"، هذا فضلاً عن تمويل برامج الفضاء الأخرى للأمن القومي.
في شأن غموض الموازنة الذي استمر طويلاً ورد في مقالة بعنوان "الأنشطة الفضائية للأمن القومي العسكري" نشرت أخيراً على موقع SpacePolicyOnline أن التقارير السابقة لعام 2013 أظهرت تمويل جميع أنشطة الأمن القومي الفضائية، ولذلك تؤكد المقالة أنه لم يكن هناك طريقة موثوقة لمعرفة حجم الإنفاق على الأمن القومي الفضائي طوال فترة برنامج الفضاء، وفي كل هذه الأعوام السابقة لعام 2013 ظل التقرير السنوي للملاحة الجوية والفضاء الذي يقدمه الرئيس الوسيلة الوحيدة لتتبع إجمال تمويل الأمن القومي الفضائي.
وتضيف المقالة "أصبح تتبع تمويل البرامج غير المصنفة ’البيضاء‘ أسهل الآن مما كان عليه في السابق، وقد أسهم برنامج القوة الرئيسة لأمن الفضاء القومي، البرنامج 12 (MFP-12)، الذي أنشئ استجابة لتوجيهات الكونغرس في قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2016، في تتبع بعض الإنفاق الحكومي الفضائي منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2019 سهل إنشاء قوة الفضاء الأميركية كجزء من وزارة القوات الجوية عملية التتبع أكثر من ذي قبل، ولغاية السنة المالية 2021، وهي السنة الأولى التي طلب فيها تمويل قوة الفضاء، بلغ التمويل 15.4 مليار دولار من إجمال موازنة وزارة الدفاع الفضائية البالغة 18 مليار دولار (باستثناء مكتب الاستطلاع الوطني).
تحدد سياسة الأمن القومي الأميركي في مجال الفضاء من خلال التوجيهات الرئاسية والقوانين التي تبقى سارية المفعول إلى حين تعديلها من قبل رئيس لاحق، ومن ثم فإن التوجيهات السارية اليوم هي مزيج من التوجيهات الصادرة عن الرؤساء جورج دبليو بوش (2001-2009)، وباراك أوباما (2009-2017)، ودونالد ترمب (2017-2021).
وفي عهد الرئيس بايدن صدرت مجموعة من الأولويات الوطنية في ديسمبر (كانون الأول) 2021، وصدرت عدة وثائق توجيهية سياسية، بينها حظر الولايات المتحدة إطلاق الصواريخ المضادة للأقمار الاصطناعية التي تعمل بالطاقة الحركية (KE-ASAT) ذات الصعود المباشر.
وفي عهد ترمب الأول صدرت أحدث سياسة رئاسية كاملة للفضاء، لتحل مكان سياسة أوباما، وقد عدل ترمب جملتين من سياسة أوباما لكن بقية بنودها بقيت كما هي حتى الأسابيع الأخيرة من ولايته الأولى.
في الولاية الثانية لترمب، أي بعد أسبوع من توليه منصبه لولاية ثانية، أعلن عن خطط لبناء "قبة حديدية لأميركا" تتضمن كثيراً من العناصر الفضائية، بما في ذلك صواريخ اعتراضية فضائية.
وتحاكي القبة الحديدية الأميركية نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأرضي الذي تستخدمه إسرائيل، وتتضمن القبة التي اقترحها ترمب مكونات أرضية وجوية وبحرية وفضائية، وبالطبع فإن الولايات المتحدة أكبر بكثير من إسرائيل، لذلك أعيدت تسمية المشروع لاحقاً بـ"القبة الذهبية" لتمييزه عن النظام الإسرائيلي.
ويذكر هذا المخطط العام بخطة مبادرة الدفاع الاستراتيجي (SDI) التي أطلقها الرئيس رونالد ريغان في ثمانينيات القرن الماضي.