تكيّفات “الأنا” المخبر في سوريا
يتناول المفكر الدكتور أحمد برقاوي في رائعته (الأنا) دراسة أنطولوجية تفكك مونولوج وتفكير الكائن البشري الذي ارتضى لنفسه أن يكون “المُخبر” في المجتمع، لينتهي الأمر إلى أن “أنا” هذا الأخير هي الأشد وضاعةً حتى أمام نفسه. فعلى الرغم من استناده إلى جدار السلطة في أدائه لهذه المهمة الوضيعة، فإنه يحرص على تخبئة هذه المثلبة حتى أمام المقربين منه، إقراراً ذاتياً منه بوضاعة ما تقترف يداه من أعمال التجسس والوشاية.
إلا أن هذه التوصيفات كانت قاصرة على فترة ما قبل الثورة السورية حين نُشر الكتاب، لكن تكيفات هذه الذات “الأنا” الوضيع للمخبر المُستنبت في حظيرة الأسد أثبتت بأنه مستعد للذهاب بوشايته بعيداً حتى قبول تبعة هلاك ضحيته في أقبية المخابرات لمجرد خلاف في الرأي معه، أو لنزاع عائلي، بل وحتى لثأر عائلي قديم أو غيرة شخصية بين طلاب الجامعات.
ولكن الأشد صلفاً ووضاعةً هو من يقبل أن يمارس هذا العمل كمهنة مقابل ابتزاز ذوي الموقوف الضحية على مبلغ يقتسمه بالشراكة مع الفرع الأمني، حيث يمارس “الأنا” الوضيع نسج الشرك وإيهام الضحية بقدرته على إيجاد الحل مقابل المال، وفي حال امتنع هذا الأخير فإنه سيواجه الاعتقال بشكل حتمي، ليبدد هذا “الأنا” آخر ما تبقى من إنسانية يفترض أنه يحملها في سبيل تحصيل المال بهذه الطريقة الإجرامية.
بل إن بعضهم يطلق على هذه العملية إبان حكم النظام المخلوع “التسوية الأمنية” لإكساب سلوكه اللامشروع شيئاً من الغطاء القانوني أمام المجتمع الذي أضحى غالب من فيه عُرضة للملاحقة الأمنية عند أدنى تصرف مشبوه، لكن الهدف الوضيع ما زال ذاته لدى “الأنا”! المال، ولو كان مقابله حيوات الناس وربما كانوا من أقرب الناس لهذا “الأنا” الوضيع.
وهناك نوع آخر هو الأشد وقاحة تشهده الساحة السورية بعد التحرير، إذ فوجئ ممتهنو هذا النمط من الاسترزاق بعاصفة التحرير التي أتت على أركان ولي نعمتهم في غضون أحد عشر يوماً، فكان لزاماً عليهم محاولة التكيّف مع هذا الحدث الذي كان خارج الحسبان باصطناع دور ثوري لأنفسهم وادعاء مساعدة الناس في معرض الطلب الأمني، مبتذلين بذلك ما أتقنوه من استزلام وتبديل رايات بحسب الحال والمصلحة، وربما -وهو غالب الحال- مستنفدون ما ادخروه من أموال في سبيل تبييض صفحاتهم.
والمعضلة تكمن في تلقيهم آذاناً صاغية أو شخوصاً تتلقفهم مقابل هذا الفن الهابط من الاستزلام، ومناط الخطر هنا هو تشكّل دوائر فساد تُعد أخطر ما يهدد الاستقرار في سوريا بتأسيس نظرة غير محترمة شعبياً تجاه الأجهزة الأمنية أو السلطة القضائية.
وفي هذا السياق، ينحو القضاء السوري لبداية مسار هو الأشد التصاقاً وتأثيراً على الشارع السوري، حيث أصدرت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق حكم الإعدام الأول بحق أحد المخبرين بعد ثبوت تسببه بمقتل أحد السوريين في أقبية مخابرات النظام المخلوع. ويجدر بالقضاء هنا التحلي بالاستقلالية التامة مدعوماً من باقي أجهزة الدولة في التصدي لهذه المهمة الأخطر على السلم الأهلي واستقرار البلاد، بما يعزز صورته إيجاباً أمام الشعب السوري كضامن لدولة القانون، خصوصاً بعد الأحكام الكبرى التي طالت عدداً من كبار جلاوزة النظام المخلوع.
وهنا تجدر الإشارة إلى شبكات العلاقات التي وظفها “المخبرون” سعياً لكسب رضا شخوص وأجهزة السلطة الوليدة خلال عام ونصف العام انصرمت من مرحلة العدالة الانتقالية؛ لذا يستوجب على هيئة العدالة الانتقالية تضمين قانونها العتيد ما يزجر قيام وساطات على أسس مناطقية أو عشائرية، تحت طائلة عقوبة رادعة لمن يلجأ لهذا الأسلوب من منسوبي أجهزة الدولة، سيما وزارتي الداخلية والدفاع، حمايةً لسمعة هاتين المؤسستين السياديتين.
ومن نافل القول إن إيقاع الحجز الاحتياطي على المتهم وأفراد عائلته ووالديه يُعد من الضمانات المهمة لملاحقة الأموال المنهوبة خوفاً من تهريبها، فضلاً عن التضييق على البيئة الحاضنة للمخبر وإعادة تهذيبها بما يضمن استيفاء مديونيتها وتطهير شخوصها.