أدباء أكثر من عدد السكان
في وطننا لا تحتاج إلى إحصاء رسمي لتعرف أن عدد الأدباء يفوق عدد البشر، كلّ مقهى فيه ثلاثة شعراء وكلّ مؤتمر فيه خمسة نقّاد وكل شارع فيه روائي لم يكتب بعد، ولو أُجري تعداد سكاني لخرجت النتيجة تسعون في المئة أدباء والباقي ينتظر دوره، على سبيل المثال لو أجرينا إحصاء فإن الضحية ستكون الموظفين الذين سيجرون الإحصاء فمصير نصفهم الهلاك من كثرة ما يسمعون من شعر لأن زيارة شاعر دون سماع شعره تُعدّ إساءة والنصف الآخر سيصاب بالجنون أو الصمم وإن بقي أحدهم حياً فسيكون الشاعر نفسه.
لكن المشكلة ليست في كثرة الأدباء بل في أنواعهم الغريبة، فمثلاً أدباء المؤتمرات هؤلاء يظهرون في كلّ مؤتمر يلتقطون الصور ويوقّعون على كتبهم ويأكلون الولائم ويقبضون بدل السفر، لم يقرأهم أحد ولم يرهم أحد يكتبون، لكنهم دائماً في الصف الأول يلقون كلمات طويلة لا علاقة لها بالأدب يختفون فور انتهاء التصفيق كأنهم موظفو موسِم لا علاقة لهم بالكتابة إلا بقدر علاقتهم بالفندق.
يشبهون ضيوف الشرف في حفلات الزفاف يأتون متأخرين ويأكلون جيداً ويغادرون قبل أن يبدأ العمل الحقيقي، لا مؤتمر ينجح دونهم ولا كتاب ينجو معهم، وجودهم في أي مكان يعني أن مؤتمراً جديداً على وشك الانعقاد.
بعد انتهاء المؤتمرات تبدأ الكارثة إذ يظهر شعراء الصدفة في الأمسيات لم يسمع بهم أحد لكنهم يعلنون أنّهم سيسرقون المهرجانات القادمة، قصائدهم أوزان مسروقة من قصائد قديمة جاهلية أو جهلية لكنهم يصرّون أنها عبقرية، يكتبون قصائد لا يفهمونها فإذا سألتهم عن معناها انهارت القصيدة والشاعر والكرسي الذي يجلس عليه، فنقد بيت واحد عندهم جريمة يعاقب عليها الجمهور بالصراخ الجماعي، وحدهم منظّمو الأمسيات من يصفقون لهم وهؤلاء هم العمود الفقري للفوضى الثقافية.
النوع الثالث هم أدباء المقاهي هؤلاء يجلسون في المقاهي طوال اليوم ويتحدثون عن ماركس ولينين ويرتدون سلاسل في أيديهم ويعتمرون بيريه يسارية لكنهم لا يكتبون شيئاً مثالهم بالتمرد جساس وإبليس، ولا ينوون الكتابة أصلاً يحملون دفتراً سميكاً فارغاً ويجعلونك تدفع فاتورة القهوة ومع ذلك يبدون كأنهم أعمدة الأدب الحديث.
بالمقابل هناك أدباء غرف الجلوس هؤلاء مكتباتهم تنافس مكتبات الجامعات لكن أغلب الكتب لم تُفتح والباقي أكلته الحشرات، إذا كتبوا شيئاً يبحثون عن قارئ محترم وغالباً ما يكون مسؤولاً كبيراً لأن القارئ العادي لا يليق بمقامهم، يُقيمون حفلات حدائق أو صالونات أدبية ليجدوا شخصاً يقرأ لهم ثم يناقشون نصّهم أسابيع طويلة.
ولأننا مشهورون بالحروب والفتوحات فعندنا دزينة أدباء الحروب هؤلاء لا يكتبون قصائد بل بيانات حرب يعتبرون أنفسهم حماة الأدب فإذا خالفهم أحد أعلنوا الحرب وبدأت البيانات والردود والاتهامات، يكتبون رسائل مديح لأنفسهم بأسماء وهمية ويهدّدون بأن الأدب سينهار إذا لم يُعترف بعبقريتهم، ونظيرهم توجد شرطة المرور الأدبية الذين يرفعون الراية الحمراء لمنع نصّ والراية الخضراء لتمرير آخر من شلتهم.
يكتبون مقدمات ويصدرون مجلات ويغضبون إذا لم يُعترف بهم كـأساتذة، إنهم شرطة المرور في شارع الأدب يوقفون سيارة جميلة ويُمرّرون نعشا، والنوع الأخير هو صفوة الأدباء يخبرونك أنّ كل ما كُتب حتى اليوم خس وحطب، وأن الأدب الحقيقي محفوظ في صندوق عندهم وأن الشروح الأهم محفوظة في صدورهم، لقاؤهم يشبه مقابلة ضابط شرطة يحمل مذكرة توقيف.
الأدب عندنا ليس نشاطاً ثقافياً بل سوق شعبية فيها البائع والمشتري والمُهرج والحارس والمتفرج والناقد الذي لا يقرأ والشاعر الذي لا يكتب والروائي الذي ينتظر الإلهام منذ عشرين عاماً، وهكذا تتحول الكتب عندنا إلى أدوات أكثر فائدة من القراءة كأداة تهذيب للأطفال إذا بكى الطفل أو أصرّ على شيء، فصفعتان بالكتاب الثقيل تعيده إلى الطريق المستقيم أو تُستخدم كمسند للجلوس أو كغطاء لجرة الغاز أو كدرع في مواجهة اللصوص ليس فقط لأنها تُشجّع على الشجاعة بل لأن غلافها السميك يمكن أن يكون سلاحاً بحدّ ذاته.
ومع ذلك يبقى الأدب حيّاً لأنّ الفوضى جزء من روحه ولأنّ كل هذا الضجيج يصنع في النهاية شيئاً واحداً ضحكة ساخرة وهذه الكلمات.