طبيبك في هاتفك... لكن هل يمكنك الوثوق به؟
تغري النصائح الصحية على الإنترنت لأنها تقدم يقيناً سريعاً في وقت يعجز فيه النظام الصحي عن تلبية حاجات الناس، لكن هذا اليقين قد يتحول إلى ارتباك ومرض وشراء منتجات بلا دليل. مؤثرو الصحة والذكاء الاصطناعي لا يكتفون بملء فراغ الرعاية الطبية، بل قد يفاقمون القلق الصحي ويزرعون أعراضاً حقيقية عبر الخوارزميات والتقليد و"تأثير النوسيبو".
كم مرة بحثت في "غوغل" عن تفسير لعرض صحي أصابك؟ أو طلبت من الذكاء الاصطناعي تشخيص حالتك؟ أو أخذت بكلام مؤثر يزعم أن حيلته الصحية قادرة على شفائك، من دون أي سند علمي؟
إذا كانت إجابتك "كثيراً"، أو حتى "أحياناً"، فأنت واحد من عدد متزايد من الناس في المملكة المتحدة، حيث يشخّص نحو نصف السكان، 48 في المئة، حالتهم بأنفسهم عند المرض اعتماداً على معلومات صحية يجدونها على الإنترنت. ومن عساه لا يفعل ذلك، في ظل طول قوائم الانتظار في هيئة الخدمات الصحية الوطنية وصعوبة الوصول إلى الرعاية، حين يصبح سؤال "تشات جي بي تي" أسهل بكثير من مراجعة طبيب عام في أي يوم من أيام الأسبوع، لا سيما أن 30 في المئة من الأطباء يستخدمون أصلاً أدوات الذكاء الاصطناعي في استشارات المرضى؟ نحن نوفر وقتاً ثميناً، أو هكذا نظن.
لكن وفرة المعلومات الصحية على الإنترنت، وما يروّجه مؤثرو الصحة من نصائح ومزاعم، قد تجعلنا في الواقع أكثر مرضاً وارتباكاً، كما ترى ديبورا كوهين، المراسلة الصحية السابقة في برنامج "نيوزنايت" على "بي بي سي"، في كتابها الجديد "تأثير سيئ: كيف اختطف الإنترنت صحتنا"Bad Influence: How the Internet Hijacked Our Health. وتقول، مفسرة سبب لجوء الملايين إلى "أطباء إنستغرام" طلباً للنصيحة الطبية بدلاً من "هيئة الخدمات الصحية الوطنية": "عندما يعجز النظام الصحي عن تلبية احتياجات الناس، تظهر دائماً جهة تجارية مستعدة لملء الفراغ وتقديم ما يبحث عنه الناس، سواء كان ذلك جيداً أم سيئاً".
وتضيف كوهين: "بالنسبة إلى النساء، قد يستغرق تشخيص الانتباذ البطاني الرحمي أو متلازمة تكيس المبايض سنوات. هنا تتدخل وسائل التواصل الاجتماعي، فتشعر النساء بأن معاناتهن مفهومة ومصدّقة"، في إشارة إلى التحيز ضد النساء في الطب، وهو تحيز يثقل النظام الصحي البريطاني ويترك كثيراً من المريضات يشعرن بالوحدة والمرض وبأن أحداً لا يصغي إليهن. وتتابع: "المؤثرون بارعون جداً في منح هذا الشعور. يجعلونك تشعرين بأنك مسموعة، ويظهرون الدعم، ويأخذونك على محمل الجد. لكن حين يُستخدم ذلك لبيع أشياء لا يستند زعمها إلى أي دليل، فهنا تكمن المشكلة. هذه هي العلة بالنسبة إلي: حين تُستغل الثقة وحسن النية".
في الحقيقة، الدجالون موجودون في كل مكان. ولعل أشهر مثال على ذلك ما تناوله مسلسل "خل التفاح"Apple Cider Vinegar على "نتفليكس": المؤثرة الأسترالية بيل غيبسون، التي ادعت أنها شُفيت من السرطان بفضل التمارين الرياضية والنظام الغذائي والعلاجات البديلة. وقد جنت آلاف الدولارات من استغلال أشخاص صدقوها، وأطلقت تطبيقاً للهواتف المحمولة باسم The Whole Pantry ملأته بما قدمته على أنه نصائح صحية، قبل أن تواجه في نهاية المطاف غرامة فرضتها المحكمة الفيدرالية في أستراليا، قالت السلطات لاحقاً إنها لم تسدد معظمها.
احتيال: بيل غيبسون في المحكمة الفيدرالية بملبورن في أستراليا- يونيو 2019 ( أ ب)
قررت كوهين تأليف كتابها بعدما أخبرتها صديقة لها بأنها اشترت اختبار "الهرمون المضاد لمولر" AMH، بعد أن شاهدت إعلاناً لإحدى العيادات على "إنستغرام". ويُسوَّق هذا الاختبار على أنه قادر على تحديد مدى خصوبة المرأة من خلال قياس مستويات الهرمون الذي تنتجه جريبات المبيض. لكن كوهين تؤكد: "إنه لا يختبر الخصوبة". وتضيف: "بدأت بعدها أتحدث إلى صديقات أخريات كن يبحثن عن اختبارات أخرى أو عن العلاج بالهرمونات البديلة، وكن كلهن يستخدمن وسائل التواصل الاجتماعي، التي هي في الأساس إعلانات بلا قيود". وبالنسبة إلى النساء، بما يرافق حياتهن من حيض وحمل ومشكلات خصوبة وأطفال وانقطاع طمث ومتوسط عمر أطول من الرجال، فإنهن، واعذروا التلاعب اللفظي، سوق "خصبة" لكل ما هو مشبوه.
وبفضل الإنترنت، بات هذا السوق أكبر، وأكثر امتلاءً بالمزاعم المشبوهة، وأسهل وصولاً من أي وقت مضى. تقول كوهين: "لقد اجتمع عمالقة التكنولوجيا مع مشاريع صغيرة"، مشيرة إلى الصيدليات الإلكترونية، وأجهزة تتبع الصحة القابلة للارتداء، وسوق المكملات الغذائية المزدهر، وكلها مجالات يسارع المؤثرون، حتى من دون أي مؤهلات صحية، إلى التوصية بها. وتضيف: "لا يخضع أي من ذلك لتنظيم حقيقي. لكن المؤثرين يمكنهم جني المال عبر تحقيق انتشار واسع وبيع هذه المنتجات".
وبصرف النظر عن دفعنا إلى شراء كم من المنتجات التي تكون، في أفضل الأحوال، عديمة الجدوى، وفي أسوأها خطرة، فإن محتوى مؤثري الصحة قد يجعلنا نشعر بالمرض حتى حين لا نكون كذلك. ولا يقتصر الأمر على ما يُعرف بـ"السايبركوندريا" cyberchondria أو "الوسواس المرضي الإلكتروني" [حالة من القلق الصحي المفرط ناتجة عن البحث المتكرر والمكثف عن الأعراض والأمراض عبر الإنترنت]، بل قد يتطور إلى ظهور أعراض حقيقية.
ومن أكثر الأمثلة لفتاً للنظر ما حدث خلال جائحة كورونا، حين بدأت أعداد كبيرة من الفتيات المراهقات يعانين عرّات حادة ومفاجئة [حركات أو أصوات لا إرادية متكررة] لا تشبه النمط المعتاد لمتلازمة توريت. وتقول كوهين: "كانت هناك كلمة يرددنها كثيراً، هي ’beans‘، أي ’فاصولياء‘. تتبع الأطباء الأمر إلى ’تيك توك‘، حيث كانت هذه العرّة رائجة، حتى إن بعض المؤثرين كانوا يبيعون منتجات مرتبطة بها، وبدأ الشباب يقلدونهم. كانت الأعراض حقيقية تماماً، وكان الشباب يعانون ضيقاً حقيقياً جداً. فالعرّات تكون أحياناً تعبيراً غير واع عن القلق في وقت يسوده قدر هائل من اللايقين، لكن وسائل التواصل الاجتماعي كانت القناة التي تلقوا عبرها هذه السلوكيات".
كثر منا يتلقون المعلومات الصحية عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل "إنستغرام" و"تيك توك" (أ ف ب/ غيتي)
ومن أكثر الأمثلة لفتاً للنظر ما حدث خلال جائحة كورونا، حين بدأت أعداد كبيرة من الفتيات المراهقات يعانين فجأة عرّات حادة [حركات أو أصوات لا إرادية متكررة] لا تشبه النمط المعتاد لمتلازمة توريت. وتقول كوهين إن بعضهن كن يرددن كلمة واحدة بكثرة، هي beans، أي "فاصولياء". وتتبع الأطباء الأمر إلى "تيك توك"، حيث كانت هذه العرّة منتشرة في مقاطع مؤثرين، حتى إن بعضهم كان يبيع منتجات مرتبطة بها. ومع انتشار هذا المحتوى، بدأ شباب آخرون يحاكون هذه السلوكيات أو يتأثرون بها. ولم تكن الأعراض مختلقة، بل كانت حقيقية تماماً، وكان أصحابها يعانون ضيقاً فعلياً. فالعرّات قد تكون أحياناً تعبيراً غير واع عن القلق في أوقات شديدة الاضطراب، لكن وسائل التواصل الاجتماعي كانت الطريق الذي انتقلت عبره هذه السلوكيات إليهم.
غالباً ما تتصل صحتنا بما يجري في أذهاننا، وهذا ليس مجرد كلام نظري. تشرح كوهين قائلة: "تتشكل صحتنا وفق توقعاتنا، وتصوراتنا، وتجاربنا السابقة، وما نقرأه ونشاهده. بعض هذه العوامل يمكن أن يتحول بالفعل إلى أعراض جسدية". وتضيف: "يشبه ذلك ما يحدث أحياناً عندما نرى شخصاً يتقيأ فنشعر نحن أنفسنا بالغثيان. إنها الصلة الوطيدة بين العقل والجسد. قد تشعر معدتك بالاضطراب، وليس لأنك مصاب بعدوى، بل لأن دماغك يطلق هذه الأعراض".
وعلى "تيك توك" و"إنستغرام ريلز"، قد تغذينا الخوارزميات يومياً بتجارب شخصية وشروح مبسطة عن عدد لا يحصى من الأمراض. وقد يثير ذلك ما يُعرف بـ"تأثير النوسيبو" nocebo effect، وهو شبيه بتأثير الدواء الوهمي، لكن بدلاً من أن نصدق أن علاجاً ما سيخفف أعراضنا، نبدأ بالاعتقاد أننا سنصاب بالحالة نفسها التي نشاهدها. وتوضح كوهين: "ما نراه ونصدقه قد يتحول إلى ما نشعر به". وتستشهد بحالة وقعت عام 2014 في بلدة إل كارمن دي بوليفار في كولومبيا، حيث بدأت أعداد متزايدة من الفتيات يفقدن الوعي بعد تلقي لقاح فيروس الورم الحليمي البشري. وتقول: "انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي اعتقاد بأنهن سيشعرن بالدوار ويفقدن الوعي. لذلك لم يكن هناك مرض عضوي أو سبب جسدي واضح، بل تفاعل بين العقل والجسد، أي تأثير نوسيبو جماعي".
ثمة أيضاً ما يُعرف بـ"تأثير بارنوم" Barnum effect، أو تأثير الأبراج. وتوضح كوهين: "عندما تقرأ برجك، ستجد دائماً سطراً أو اثنين يبدوان وكأنهما ينطبقان عليك، فتشعر قائلاً: "يا إلهي، هذا أنا". ومن الوارد أن يحدث ذلك عندما يصف المؤثرون أعراض حالة معينة، لا سيما اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD. فهم لا يصفون دائماً أعراضاً معترفاً بها رسمياً، كتلك الواردة في الأدلة التشخيصية للطب النفسي، فتميل إلى التفكير: "هذا أنا" لأنك تجد نفسك في وصفهم".
المعلومات الصحية المنتشرة على الإنترنت جذابة بقدرتها على الإيهام باليقين. فكل منشور تقريباً يزعم أن منتجات "معجزة" ستقضي على انتفاخ البطن، أو تجعلك أنحف، أو تعزز قدرتك على التركيز، أو تنهي ليالي الأرق. وبالطبع، كلها عبارات يحب الناس سماعها، فيما لا يرددها الأطباء، ولسبب وجيه. تقول كوهين موضحة: "الطب قائم على عدم اليقين، والإحصاءات، والمخاطر. فلا يمكن للطبيب أن يكون متأكداً تماماً من كيفية استجابتك لعلاج ما عند وصفه. ربما تستفيد منه، وربما تواجه أثراً جانبياً. أما وسائل التواصل الاجتماعي في المقابل، فتبدو حاسمة جداً: إذا نفعت حبة دواء مع شخص واحد، يُقال للجميع إنها قد تجدي نفعاً معهم أيضاً. وهكذا تضيع كل الفروق الدقيقة".
فمتى ولماذا أصبحنا بهذه السذاجة أمام المعلومات الصحية على الإنترنت؟ تقول كوهين إن السبب يكمن في الصعود المتزامن لتطبيق "تيك توك" وجائحة "كورونا"، ما دفعنا إلى السير في هذا الطريق بلا أي تشكيك. وتضيف: "لقد سرعت الجائحة كل شيء بشكل هائل. شهدنا ارتفاعاً كبيراً في عدد مقدمي المحتوى الصحي على "تيك توك"… وفي الوقت نفسه، اعتدنا أكثر على إجراء التحاليل الطبية لأنفسنا بأنفسنا، ما أدى إلى زيادة عدد الشركات التي تقدم اختبارات تشخيصية منزلية. وهكذا، وفرت وسائل التواصل الاجتماعي منصة جاهزة لتحويل الصحة إلى منتج استهلاكي".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غير أن مؤثري الصحة والمتخصصين عبر الإنترنت ليسوا جميعاً في كفة واحدة. بعضهم محتال، بينما يسعى آخرون، خصوصاً في مجال صحة المرأة الذي يعاني نقص التمويل، إلى تقديم المساعدة بصدق. ولكن التمييز بين الصادقين والمحتالين قد يكون صعباً. إزاء هذا الواقع، تقدم كوهين ثلاث نصائح لحماية المستخدمين عند البحث عن معلومات صحية على الإنترنت: اسأل لماذا يقدم لك أحدهم هذه المعلومات، وتحرّ عمن يكسب المال من الترويج لها، وتحقق من وجود أي دليل على فوائد العلاج أو أضراره. وتضيف قائلة: "لا تحتاج إلى أن تشك في كل شيء إلى حد العدمية، فقط كن متشككاً قليلاً"، مشددة على ضرورة التحقق دائماً من أي نصيحة طبية مستخلصة من وسائل التواصل الاجتماعي أو الذكاء الاصطناعي عبر الموقع الإلكتروني الرسمي الخاص بـ"هيئة الخدمات الصحية الوطنية".
وفي وقت يشعر فيه كثر بأن المهنيين الطبيين لا يستمعون إليهم، قد تبدو المعرفة مصدر قوة، إلا أن المعلومات المضللة قد تضر أكثر مما تنفع. وتقول كوهين: "نحن أكثر ارتباكاً من أي وقت مضى"، مشيرة إلى أن كثيراً من العاملين في القطاع الصحي يشعرون بالإحباط من المعلومات الطبية المغلوطة المنتشرة على الإنترنت، والتي تجعل عملهم أكثر صعوبة.
وتضيف: "أخبرتني طبيبة أمراض نسائية بأن النساء ينتظرن لأشهر قبل أن يتمكنّ من مقابلتها، ثم يضطررن إلى قضاء نصف موعد مدته 20 دقيقة في تفكيك ما قرأنه على ’تيك توك‘"، مشيرة بذلك إلى الثمن الباهظ الذي يدفعه الأطباء لدحض هذه المعلومات المضللة. وتتابع: "ينطبق الأمر نفسه على الأطباء الذين يصفون العلاج بالهرمونات البديلة. يقولون: لا أملك الوقت لتقديم نصائح مفيدة للنساء حول كيفية التعامل مع أعراضهن، فقد نفد الوقت".
وفي نهاية المطاف، ستبقى فورية النصائح الصحية على الإنترنت منافساً تصعب على منظومة الرعاية الصحية مجاراته. تقول كوهين: "الأمر صعب، فهم أكثر تقييداً بكثير من المؤثرين". وتضيف: "على هيئة الخدمات الصحية الوطنية أن تحسّن طريقة تواصلها مع المرضى. قد تكون تجربة الناس مع الرعاية الصحية سيئة إلى حد مروّع، ولا ألوم أحداً على اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي للبحث بنفسه. لكن احرص فقط على ألا يجري استغلالك".
© The Independent