بناء الإنسان بين المعلومة والمعرفة
كيف نحصل على المعلومة؟ سؤالٌ قد يبدو بسيطاً في زمن تتدفق فيه المعلومات كالسيل وتظهر بين أيدينا بنقرة زر، لكن الأمر يغدو أكثر تعقيداً عندما نسأل أنفسنا: كيف نبني المعرفة؟ يكمن التحدي الحقيقي في قدرتنا على معالجة هذه المواد الخام وتحويلها إلى جوهر يغذي العقل، فالمعرفة ناتجة عن عملية بناء داخلي تحتاج إلى جهد وصبر على التأمل.
إن أساس هذا البناء هو فعل القراءة، لكن ليست كل القراءات سواء، فالقراءة السطحية تمر على النصوص مرور الكرام ولا تترك أثراً يذكر في تكوين الشخصية، الأثر الحقيقي يحصل من الحوار الداخلي مع المعلومة والمواجهة المباشرة مع المؤلف، وهذه هي القراءة العميقة التي تحوِّل المعلومات العابرة إلى معرفة راسخة، ويتم ذلك من خلال تطبيق أسلوب التكرار المتباعد في مراجعة المعلومات حتى تنتقل من الذاكرة القصيرة إلى المخزون المعرفي الدائم.
إن النقاشات الثقافية هذه الأيام تدور حول الصراع بين الكتاب الورقي والأجهزة الذكية، لكن من وجهة نظري فإن موضوع النقاش الجوهري ليس شكل الكتاب بحد ذاته بقدر ما هو شكل القراءة ومدى عمقها وكيفية التعامل مع النصوص وسبر أغوارها، كما أن الدفاع عن القراءة المتأنية لا يعني رفض التقنية وأدواتها، إننا بحاجة إلى استعادة سيطرتنا على أدواتنا بدلاً من أن تسيطر هي علينا.
وأما التهديد الأكبر الذي يتربص بالكتاب فهو تحويله إلى سلعة سريعة الاستهلاك، نطالعه على عجالة كمن يلتهم وجبةً سريعةً، ثم ننسى محتواه دون أن يحدث فرقاً معرفياً جدياً، وهذه الظاهرة لا تقتصر على الوسائط الرقمية وحدها، وإنما تمتد لتشمل تعاملنا مع الكتاب الورقي نفسه حين نقرأه قراءة أفقية نتتبع فيها الحبكة أو نبحث عن معلومة محددة، ثم نطويه وكأننا لم نفتحه، مما يحول الكتاب من بوابة معرفية تسمح لنا بدخول عوالم جديدة إلى مجرد أداة للترفيه المؤقت أو التباهي الثقافي.
وهنا تبرز المهمة الأساسية والوظيفة المقدسة لكل من يتعامل مع الكتاب: حمايته من أن يضحى به على مذبح الاستهلاك، وذلك بأن ننتشله من منطق السوق والعجلة والأرقام، ونضعه بين يدي القارئ المتأني الذي يعالج الكلمات برَوِيَّةٍ وتمعُّن، حتى يعود للكتاب جلاله ويمارس دوره في الحوار العقلي الراسخ.
وهذه الحماية تتطلب جهداً جماعياً يبدأ من المؤسسات التعليمية التي تعيد تعريف القراءة بحيث تجعل كيفية التعامل مع المعلومة جزءاً من المهارات الأساسية التي يتعلمها الطلاب، ليتمكنوا من الدمج بين النص المعلوماتي وأدوات التفكير كالخرائط المفاهيمية وجداول المقارنة، بحيث يصبح الوصول إلى المعلومة بدايةً لسلسلة من العمليات الذهنية المعرفية المتتابعة.
ويقع على عاتق دور النشر والمؤسسات الثقافية أن تروج للقراءة العميقة لتشجيع القارئ على تحصيل قيمة ثقافية حقيقية، وتبقى مهمة القارئ أن يقاوم إغراء السرعة ويمنح كل كتاب وقتَه الكامل، لأن الحفاظ على ثقافة التفكُّر هو واجب أخلاقي تجاه الأجيال القادمة التي إن فقدت القدرة على التفكُّر فقدت معها قدرتها على النقد والتمييز والبناء.
والسؤال الملحُّ في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف نواجه توليد المعلومات الآلي؟ وهل يصبح التفكّر البشري أقل قيمة؟ لحماية التفكُّر البشري في عصر الإجابة الآنية ينبغي تدريب الذهن على التفكُّر الناقد المنظومي، وهو محاكاة نقدية للمعلومة تفحص مصادرها وافتراضاتها الضمنية وحدود تطبيقها قبل قبولها أو رفضها.
ولاكتشاف جوهر المسألة دعونا نغوص لبرهة قصيرة في أعماق اللغة العربية لنستخرج الفارق الدقيق بين التفكير والتفكُّر في العمق والغاية، فالتفكير هو الحساب المنطقي والترتيب الذهني للبيانات المتاحة، أشبه بعملية رياضية باردة، أما التفكُّر فهو التأمل في المعاني الخفية والروابط البعيدة.
التفكير قد يحل المسائل العارضة، لكن التفكُّر هو من يغير رؤيتنا للمسائل ذاتها، وهو الجهد العقلي الأسمى المطلوب للوصول إلى المعرفة اليقينية التي لا تتزعزع.
ومن اللافت أن هذا التمايز اللغوي والدلالي ينعكس بوضوح في القرآن الكريم، فقد وردت مشتقات جذر “التفكُّر” في القرآن الكريم نحو ثماني عشرة مرة، وفي المقابل لم يرد جذر “التفكير” إلا مرة واحدة، وتحديداً في سياق الذم والتقريع: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ}، وهذه إشارة دقيقة إلى أن كثرة التفكير لا تغني عن لحظة تفكُّر صادقة.
إننا نحتاج اليوم في خضم هذا البحر الواسع من المعلومات المتلاطمة إلى تنظيم جلسات للمناقشة التأويلية في الأوساط التعليمية والثقافية، حيث تعرض المعلومة على مجموعة من القرّاء ويُكلَّف كلٌّ منهم بإعادة صياغتها من منظور تخصصه أو خلفيته المعرفية، مما يولِّد معانٍ جديدة لا تظهر في القراءة المنفردة.
وبسبب التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي توجب علينا البحث عن آليات منهجية تستثمر سهولة الوصول إلى المعلومات في تعزيز التعلم البنائي بدلاً من التراكم التلقائي، وذلك باعتماد تقنيات القراءة النشطة التي تتضمَّن: التلخيص الذاتي، وطرح الأسئلة النقدية على النص، وربط المعلومات الجديدة ببنىً معرفيةٍ سابقة.
وانطلاقاً من هذه المفاهيم يتضح أن التمييز بين المعلومة والمعرفة هو تمييز بين السطح والعمق وبين السرعة والمكث وبين التشتت اللامتناهي والتركيز المنتج، والقراءة العميقة هي فعل مقاومة حقيقية، وهي استعادة لقدرتنا على التفكُّر، وبالتالي لجوهر إنسانيتنا ووعينا الناقد، ذلك أن بناء الإنسان لا يكتمل بتراكم المعلومات، بل بقدرته على تحويلها إلى رؤى، وتحويل الرؤى إلى مواقف، وتحويل المواقف إلى سلوك حيّ. إنها سلسلة مترابطة لا تنقطع، تبدأ بالفضول وتمر بالقراءة المتأنية وتتوَّج بالتفكُّر الخلاق الذي يترك بصمته في كل فعل إنساني.
المعرفة رحلةٌ عجيبةٌ لا تنتهي لكنها تستحق أن نخوضها، أدعوك عزيزي القارئ أن تبحر في أرجاء كتاب من مكتبتك مطبقاً الآليات التي تحقق البناء المعرفي، ولاحظ الفرق بين ما يتوارد على ذهنك يومياً من معلومات طافية تذروها الرياح هنا وهناك وبين ما حققته من معرفة حقيقية من خلال هذا الكتاب.
المعرفة الحقيقية هي التي تجعلنا أكثر قدرة على فهم الوجود ببصيرة وهدوء، وليست التي تزيد معلوماتنا فحسب، ولهذا فإن المعرفة هي علاقة نابضة بالحياة بين الذات والعالم، تتجدد في كل مرة نعيد فيها قراءة ما ظننا أننا فهمناه، وتتسع في كل لحظة نمنح فيها أنفسنا فرصة التساؤل والشك والعودة إلى النصوص بروح جديدة.