"هويات مزيفة"... الهيروين والسياسة في مرآة الدراما
مسلسل يعمل بصدق وكفاءة داخل حدوده التي رسمها بنفسه. يروي قصة حقيقية تستحق أن تُروى، ويعالجها بذكاء، مبتعداً عن المبالغة الرومانسية من جهة وعن الجفاف التوثيقي من جهة أخرى.
من الذي يحمي المجتمع حين تخذله مؤسساته الرسمية؟ هذا السؤال، بما ينطوي عليه من توتر بين الدولة والمواطن، بين الواجب والخوف، بين الهوية الحقيقية والمُلفقة، هو روح "Legends" (هويات مزيفة)، المسلسل البريطاني الجديد الذي تبثه "نتفليكس".
غير أن السؤال وحده لا يكفي، لأن ما يجعل هذا العمل جديراً بالمتابعة والتأمل النقدي معاً ليس مجرد طرحه، بل السياق الذي يطرحه فيه: بريطانيا مطلع التسعينيات، دولة تتصدع تحت ثقل الركود الاقتصادي، ووباء هيروين يأكل أحياء بأكملها من الداخل، ومؤسسات أمنية تتقاذف المسؤولية بدلاً من تحملها.
في هذا الفراغ تحديداً، لا في غرف العمليات المجهزة ولا في مكاتب الاستخبارات المضاءة، وُلدت الفكرة التي يقوم عليها المسلسل: إرسال موظفي جمارك عاديين، اعتادوا تفتيش الحقائب ومطاردة مهربي البضائع الرخيصة، إلى قلب أخطر شبكات التهريب في البلاد.
ثلاثة أسابيع من التدريب، هويات مزيفة يُفترض أن يؤمنوا بها كما يؤمنون بأسمائهم الحقيقية، وتحذير واحد يختصر كل شيء: حين تنهار الأسطورة، يموت الإنسان.
هو ليس عملاً عن الأبطال بالمعنى المعتاد، المدرب الذي لا يخطئ، والعميل الذي لا يتزعزع. هو في جوهره عن هشاشة الإنسان العادي حين يُوضع في موضع استثنائي لم يختره بالكامل، وعن الثمن الذي يدفعه حين يؤدي عمله بنجاح فيما تختطف المؤسسة الكبرى الفضل لنفسها. وفي هذا بالضبط تكمن راهنيته، لأن هذه المعادلة لم تتغير كثيراً منذ التسعينيات حتى اليوم.
كتب العمل نيل فورسيث، المعروف بمسلسل "The Gold" الذي أعاد تمثيل قضية سرقة برينكس-مات (Brink's-Mat robbery) الشهيرة عام 1983، حين اقتحم لصوص مستودعاً قرب مطار هيثرو وخرجوا بما يزيد على ثلاثة أطنان من الذهب بقيمة تجاوزت 26 مليون جنيه استرليني في حينها، في واحدة من أجرأ عمليات السطو في التاريخ البريطاني الحديث. أنتجت العمل "بي بي سي" قبل أن تتولى "نتفليكس" توزيعه عالمياً.
هكذا يفهم القارئ العربي السياق من دون الحاجة إلى بحث خارجي، ويتضح أيضاً لماذا استُحضر اسم فورسيث تحديداً، فهو يميل إلى قصص الجريمة البريطانية الحقيقية ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية، وهو نمط يتكرر في "Legends" بوضوح.
تنفتح القصة على جثتين تكشفان في لحظة بصرية موجزة المفارقة الطبقية المؤلمة التي حكمت بريطانيا تلك الحقبة: مراهق من أحياء ليفربول الشعبية يلقى حتفه في حفلة، وطالبة جامعية من أكسفورد تنهار في غرفتها الأنيقة.
الجريمة واحدة، الهيروين، غير أن رد فعل الحكومة لا يتحرك إلا حين يتعلق الأمر بالأخيرة. هذا الافتتاح ليس زينة درامية، بل إعلان منهجي عن موقف النص من العدالة الاجتماعية والتراتبية البريطانية المتجذرة.
يُكلَّف دون كلارك، الذي يؤديه ستيف كوغان بنبرة شمالية ومضبوطة، ببناء فريق من المتطوعين من صفوف الجمارك، يُدرَّبون على سرعة وبأقل ما يمكن من الموارد، ثم يُوزَّعون على جبهتين: ليفربول حيث ينهك الكساد الصناعي المجتمعات، وتنتعش في المقابل شبكات توزيع المخدرات، ولندن حيث تدير شبكات تركية متجذرة تجارة الهيروين عبر خطوط الإمداد الممتدة من أفغانستان.
يحمل غاي (توم بورك) الثقل الأكبر من الحبكة، إذ يتعمق في اختراق عصابة التهريب التركية في لندن، فيما تتولى كيت (هايلي سكويرز) وبيلي (أمل أمين) مهمة اختراق شبكة ليفربول، في حين تبقى "يرين (جاسمين بلاكبورو) في الخلفية، محللةً البيانات وداعمة الفريق بما تجمعه من معلومات.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ما يميز العمل عن كثير من نظرائه أنه لا يكتفي بمنظور العملاء السريين، بل يمنح الخصوم حضوراً إنسانياً مكثفاً، شخصية كارتر الليفربولي الشاب (توم هيوز) تبدو مهيبة في الظاهر لكنها تنهار داخلياً، بينما يطرح هاكان التركي (نعمان أكار) خطة توسع توضع أمام غاي كاختبار وجودي لا مجرد مهمة أمنية.
أول ما يستحق الإشادة، المعالجة الزمنية للحلقات الست. في عصر يعاني فيه التلفزيون الحديث إيقاعاً مشحوناً وقلقاً دائماً، يجاهر المسلسل بأن "الحرب على المخدرات" كانت مدفوعة جزئياً بدوافع سياسية، لا اجتماعية خالصة، وهو موقف يضفي على السرد عمقاً تحليلياً نادراً في أعمال الجريمة التلفزيونية. فورسيث لا يكتفي بتصوير الشرطة الجيدة في مواجهة المجرمين الأشرار، بل يساءل المنظومة بأسرها.
ثانياً، الأداء الجماعي متوافق بدرجة لافتة. كوغان يكسر الصورة النمطية التي رسخها عقد من أدوار الشخصيات الهزلية أو المعطوبة أخلاقياً، مقدماً شخصية من دون انضباط وثقل مشهدي يستدعي الاحترام، كذلك تبرز هايلي سكويرز في دور كيت كواحدة من أنضج الأداءات في المسلسل، بحضور جسدي وانفعالي يتسق مع منطق الشخصية.
ثالثاً، التوثيق البصري للرحلة الجغرافية للأفيون، من حقول الخشخاش في باكستان إلى شوارع بريطانيا، يمنح المشاهد إدراكاً مركباً نادراً تجاه ظاهرة الإدمان: هي ليست انهياراً فردياً، بل نتاج شبكة اقتصادية دولية معقدة ومنظمة.
غير أن عمقاً كهذا يحمل أيضاً ثمنه. أداء توم بورك في دور غاي يقع في فخ الرصانة المفرطة، إذ يختار نبرة واحدة يلتزم بها طوال الحلقات الست من دون أن يمنح المشاهد ما يكفي من إشارات داخلية تكشف عن شخصية تتآكل ببطء.
المشكلة أن هذا الاختيار يتعارض مع جوهر القصة ذاتها، لأن غاي ليس عميلاً بارداً بطبعه، بل إنسان يُدمن تدريجاً على هوية اخترعها لنفسه، وهذا النوع من التحول يستوجب أن يُرى لا أن يُستنتج. حين تكون الكتابة أوضح من الأداء في تفسير ما يجري داخل الشخصية، يصبح الممثل عبئاً على النص لا شريكاً له.
علاوة على ذلك، لا يتوانى النص عن التعبير المبالغ فيه، "أنتم تحاولون تحقيق أكبر نتيجة في تاريخ الجمارك"، يُقابله "أكبر شحنة هيروين شهدتها البلاد على الإطلاق"، وهو نوع من التضخيم الذي يكثر في الدراما الجريمية ويفتقر إلى الأصالة.
تبقى مشكلة أعمق تتعلق بتوتر الهوية الجنسية للعمل، فوجود ستيف كوغان، على رغم أدائه المتقن، يحمل معه ظلاً كوميدياً لا يمكن تجاهله تماماً. بعض المشاهد التي تتطلب ثقلاً مأسوياً تتزعزع لمجرد حضوره، لا بسبب الكتابة ولا بسبب تمثيله بالضرورة، بل بسبب الإرث التمثيلي المرتبط بوجهه لدى الجمهور. هذا توتر بنيوي لم يُحل بالكامل، وكان يمكن تجنبه باختيار ممثل يحمل مسافة أكبر من الكوميديا.
هنا يكمن أشد ما يثير التساؤل في المسلسل، تشير خاتمة العمل إلى أن عناصر الجمارك البريطانية في تسعينيات القرن الماضي أسهموا في مصادرة ما يزيد على 12 طناً من الهيروين بقيمة سوقية تتجاوز مليار جنيه استرليني، وفعلوا ذلك بجزء ضئيل من التدريب والموارد المتاحة لنظرائهم الدوليين.
التاريخ الذي يرويه المسلسل موثق في كتاب The Betrayer الصادر عام 2022، من تأليف غاي ستانتون وبيتر والش. كان غاي ستانتون موجوداً فعلاً في قلب العملية، وقد التقاه المؤلف فورسيث مرات عدة للاقتراب من التجربة الإنسانية الكامنة وراء الملفات الرسمية.
أما على صعيد الشخصيات فالأحداث تتطابق مع الواقع بدرجة لافتة. عائلة بايباشين التركية، التي يستوحي منها شخصية هاكان، كانت مسيطرة فعلاً على جزء ضخم من تجارة الهيروين في لندن.
الأخ المعروف بـ"الإمبراطور" دين عام 2001 في أمستردام بتهم تهريب المخدرات والاختطاف والإشراف على تنفيذ عمليات قتل، فيما شرع شقيقه عبدالله في السيطرة على ما يُقال إنه بلغ 90 في المئة من تجارة الهيروين البريطانية، قبل أن يُطاح في عملية تنصت جريئة داخل مكتبه في "غرين لينز"، ويُحكم عليه بالسجن 22 عاماً.
في المقابل، فإن تصوير التوازن بين الحكومة البريطانية والمجرمين يفتقر إلى شيء من الجرأة. الواقع التاريخي يُشير إلى أن بعض كبار المتهمين كانوا في فترات معينة مخبرين لدى الجمارك البريطانية ذاتها، علاقة تضارب مصالح بالغة الخطورة يُلمّح إليها المسلسل من دون أن يجرؤ على الغوص فيها. هذا الإحجام يمثل فرصة ضائعة، ربما لحسابات إنتاجية أو قانونية، لكنه يُفقد العمل بعداً سياسياً كان يمكن أن يرفعه إلى منزلة التحقيق الأعمق.
"هويات مزيفة" مسلسل يعمل بصدق وكفاءة داخل حدوده التي رسمها بنفسه. يروي قصة حقيقية تستحق أن تُروى، ويعالجها بذكاء مبتعداً عن المبالغة الرومانسية من جهة وعن الجفاف التوثيقي من جهة أخرى.
لكنه، في نهاية المطاف، يقع في الفخ الذي تسقط فيه كثير من الأعمال المستوحاة من الواقع: يختار الراحة على التعقيد، ويكتفي بالإلماح حين يستوجب الحد الأدنى من الأمانة أن يصطدم بالسلطة وجهاً لوجه.
المشاهد الذي يبحث عن دراما جريمة رفيعة المستوى، مُحكمة الصنع، موثقة بعناية، سيجد فيه ما يُشبع هذا الطلب. لكن من يسأل: كيف نجحت دولة بمواردها وشبكة معلوماتها في تجاهل شبكات بهذا الحجم طوال تلك الأعوام؟
لهذا المشاهد، يُقدم "Legends" جزءاً من الإجابة، ويُداري الجزء الأصعب بعناية مدروسة.