اليورانيوم الإيراني... هل يمكن خفض التخصيب؟

المصدر : INDEPENDENT | الأحد , 12 نيسان | : 83

ينتج اليورانيوم عالي التخصيب بصورة رئيسة لاستخدامه في البرامج العسكرية للدول الحائزة الأسلحة النووية. وتشكل المخزونات من اليورانيوم عالي التخصيب تهديداً محتملاً لانتشار الأسلحة النووية إذا لم تتم إدارة مواد ذلك اليورانيوم وحصرها بصورة سليمة.

أعلنت إيران غير مرة عن استعدادها لتخفيف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب في حال رفعت الولايات المتحدة العقوبات المفروضة عليها، وصرحت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية مراراً بإمكان تخفيف نسبة اليورانيوم المخصب إلى مستويات أدنى من 60 في المئة.

والحال أن البرنامج النووي الإيراني الذي احتل جزءاً كبيراً من الجدل السياسي العالمي في الأعوام الأخيرة، يجعل من الأهمية بمكان الإضاءة على تساؤلات مهمة، ومنها ماهية اليورانيوم وأماكن وجوده، واستخدامات اليورانيوم عالي التخصيب في الأسلحة النووية، إضافة إلى نسب التخصيب المطلوبة للحصول على الوقود النووي، وما إذا كان من الممكن خفض نسب اليورانيوم العالي التخصيب.

يعد اليورانيوم من أثقل العناصر الموجودة في الطبيعة، ويوجد بصور مختلفة قليلاً تعرف بالنظائر. تختلف هذه النظائر في ما بينها في عدد جسيمات النيوترونات في النواة، فهناك "اليورانيوم-238" بنسبة 99.275 في المئة، و"اليورانيوم-235" بنسبة 0.720 في المئة، وآثار من "اليورانيوم-234" بنسبة 0.005 في المئة.

ولأن نظير "اليورانيوم-235" يمكن انشطاره بسهولة، فهو منتجاً كبيراً للطاقة، ولذلك يطلق عليه اسم "النظير الانشطاري". في الوقت نفسه، وكجميع النظائر المشعة، يتحلل "اليورانيوم-238" ببطء شديد، وهذا يعني أنه يكاد يكون أقل إشعاعاً من عديد من النظائر المشعة الأخرى الموجودة في الصخور والرمال.

يوجد اليورانيوم على نطاق واسع في عديد من الصخور، وحتى في مياه البحر. ومع ذلك، وكغيره من المعادن، نادراً ما يكون تركيزه كافياً لاستخراجه اقتصادياً، إضافة إلى أنه قابل للذوبان بدرجة جيدة، ويترسب أكسيد اليورانيوم من المياه الجوفية الحاملة لليورانيوم عند دخولها بيئة مختزلة، ويمكن استخلاصه (إعادة إذابته) في الموقع من هذه الرواسب الغرينية باستخدام محلول ترشيح مؤكسد.

تمثل موارد أستراليا من اليورانيوم أكثر من 25 في المئة من إجمال الموارد العالمية، وتعد كازاخستان المصدر الرئيس عالمياً، إذ تسهم بأكثر من ثلث الإنتاج العالمي.

ومن بين الدول الأخرى التي تمتلك موارد معروفة كبيرة نذكر روسيا، وكندا، وجنوب أفريقيا، وناميبيا، والنيجر، وتمتلك دول أخرى رواسب أصغر قابلة للتعدين.

ويباع اليورانيوم للدول الموقعة على معاهدة "عدم انتشار الأسلحة النووية" فحسب، والتي تسمح بالتفتيش الدولي للتحقق من استخدامه للأغراض السلمية.

يعرف اليورانيوم عالي التخصيب بأنه أي يورانيوم يحوي نسبة نظير "اليورانيوم-235" تزيد على 20 في المئة، وعادة ما تكون نسبة هذا النظير في وقود مفاعلات الطاقة الجديدة أقل من 5 في المئة. أما وقود مفاعلات البحوث الجديدة، فيراوح نسبة نظير "اليورانيوم-235" فيه من أقل من 20 إلى 93 في المئة، بينما تتجاوز نسبة هذا النظير المستخدم في الأسلحة، 90 في المئة.

وينتج اليورانيوم عالي التخصيب بصورة رئيسة لاستخدامه في البرامج العسكرية للدول الحائزة الأسلحة النووية. وتشكل المخزونات من اليورانيوم عالي التخصيب تهديداً محتملاً لانتشار الأسلحة النووية إذا لم تتم إدارة مواد اليورانيوم عالي التخصيب وحصرها بصورة سليمة.

وفي عام 1991، وقعت الولايات المتحدة وروسيا اتفاقية وافقت بموجبها الولايات المتحدة على شراء 500 طن من اليورانيوم عالي التخصيب المستخرج من الرؤوس الحربية النووية الروسية المفككة، وكان من المقرر تخفيف هذا اليورانيوم عالي التخصيب إلى يورانيوم منخفض التخصيب لاستخدامه في المفاعلات النووية المدنية.

ينتج نحو 10 في المئة من كهرباء العالم من اليورانيوم في المفاعلات النووية، وهذا يعادل أكثر من 2600 مليار كيلوواط/ ساعة، أي ما يعادل إنتاج جميع المصادر العالمية قبل بضعة عقود. وتأتي هذه الطاقة من نحو 440 مفاعلاً نووياً بقدرة إجمالية تبلغ نحو 390 ألف ميغاواط، تعمل في 32 دولة.

وتحصل 12 دولة على 25 في المئة أو أكثر من كهربائها من المفاعلات النووية، فيما تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 90 مفاعلاً عاملاً، تزودها بـ20 في المئة من كهربائها، وتنتج فرنسا نحو 70 في المئة من كهربائها من الطاقة النووية.

يمكن استخراج خام اليورانيوم بطرق التعدين تحت الأرض أو التعدين السطحي، وذلك حسب عمقه. بعد التعدين، يسحق الخام ويطحن، من ثم يعالج بالأحماض لإذابة اليورانيوم، الذي يستخلص بعد ذلك من المحلول، ويمكن استخراج اليورانيوم من طريق الاستخلاص الموضعي. والمنتج النهائي لمرحلتي التعدين والطحن، أو الاستخلاص الموضعي، هو "أكسيد اليورانيوم المركز" (U3O8)، ولكن قبل استخدامه في مفاعل لتوليد الكهرباء، يجب أن يخضع لسلسلة من العمليات لإنتاج وقود قابل للاستخدام.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بالنسبة إلى معظم مفاعلات العالم، تتمثل الخطوة التالية في إنتاج وقود قابل للاستخدام في تحويل "أكسيد اليورانيوم" إلى غاز "سادس فلوريد اليورانيوم" (UF6)، مما يمكن من تخصيبه.

يزيد التخصيب نسبة نظير "اليورانيوم-235" من مستواه الطبيعي البالغ 0.7 إلى 3 أو 5 في المئة، ويتيح ذلك، كفاءة تقنية أعلى في تصميم المفاعلات وتشغيلها، لا سيما في المفاعلات الكبيرة، ويسمح باستخدام الماء العادي كمهدئ. ويعد "اليورانيوم المستنفد" (نحو 86 في المئة من المادة الأولية) منتجاً ثانوياً (يعتبر أحياناً نفايات) لعملية التخصيب. وهذا اليورانيوم، الذي يتكون في معظمه من "اليورانيوم-238"، له استخدامات محتملة في مفاعلات النيوترونات السريعة.

بعد التخصيب يحول غاز "سادس فلوريد اليورانيوم" إلى "ثاني أكسيد اليورانيوم" الذي يشكل على هيئة كريات وقود، وتوضع كريات الوقود هذه داخل أنابيب معدنية رفيعة تجمع في حزم لتشكل عناصر الوقود لقلب المفاعل. ويتميز "ثاني أكسيد اليورانيوم" بنقطة انصهار عالية جداً تبلغ 2865 درجة مئوية (مقارنة بمعدن اليورانيوم الذي تبلغ درجة انصهاره 1132 درجة مئوية).

انتشرت في وسائل الإعلام العالمية في الأشهر الماضية مقترحات تشير إلى أن إيران قد تخفف اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة إلى مستويات أقل، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كعنصر أساس في مفاوضات تخفيف العقوبات مع الولايات المتحدة. وتتضمن عملية تخفيف اليورانيوم، مزج اليورانيوم عالي التخصيب مع اليورانيوم الطبيعي أو المستنفد لخفض تركيزه، وتحول هذه العملية، المعروفة علمياً باسم "المزج التنازلي"، المواد القابلة للاستخدام في الأسلحة النووية إلى يورانيوم منخفض التخصيب مناسب للوقود النووي المدني.

في هذه العملية يمزج اليورانيوم عالي التخصيب مع مواد منخفضة التخصيب، مثل اليورانيوم الطبيعي (نحو 0.7 في المئة) أو اليورانيوم المستنفد، مما يقلل التركيز الإجمالي. وهكذا يحول التخفيف المواد المستخدمة في الأسلحة (60-90 في المئة تخصيب) إلى وقود قابل للاستخدام في المفاعلات النووية التجارية.

يكون اليورانيوم عالي التخصيب عادة في صورة سائلة (سداسي هيدرات نترات اليورانيل) أو غازية (سداسي فلوريد اليورانيوم) عند مزجه، فيما يكون اليورانيوم منخفض التخصيب بنسب بين 3 و5 في المئة من "اليورانيوم-235" مناسباً لوقود مفاعلات الماء الخفيف القياسي.

وبذلك تعزز هذه العملية الأمن العالمي من خلال تحويل المواد الخطرة المستخدمة في الأسلحة النووية إلى وقود تجاري مفيد، وهي عملية تعرف أحياناً باسم "تحويل الميغاطن إلى ميغاواط".