عوالم الكواكب البعيدة وآيات القدرة الإلهية

المصدر : الثورة | الأحد , 25 تشرين الأول | : 33

يبدو الكون كأنه معرض فسيح تتجلى فيه بدائع الصنع الإلهي؛ فكلما امتدّ نظر الإنسان في أرجائه، تكشفت له صور جديدة من الجمال والدقة والإتقان. وإذا كانت الأرض تتيح لنا مشاهدة جانب من هذه الآيات، فإن أسرار السماوات ظلت بعيدة عن إدراكنا المباشر، حتى أتاح العلم الحديث والمراصد الفلكية أن نطلّ على عوالم لم تكن معروفة من قبل.

إن التأمل في حركة الأجرام السماوية وانتظامها، وما تحمله من خصائص مدهشة، يفتح أمام الإنسان آفاقاً أوسع لمعرفة عظمة الخالق وحكمته؛ فهذه الأجرام، على اختلاف أحجامها وتكويناتها، تتحرك وفق قوانين دقيقة، وتؤدي أدوارها في نظام كوني بالغ الاتساع. وفي المنظور الإيماني، تتجلى فيها آثار أسماء الله الحسنى، ومنها البارئ الذي أوجد الخلق على أحسن تقدير، والصمد الذي تفتقر إليه الموجودات جميعاً.

ومن الشواهد اللافتة على هذا التنوع ما يُعرف بالكواكب الخارجية، وهي الكواكب التي تدور حول نجوم غير الشمس، خارج مجموعتنا الشمسية. وقد كشفت الاكتشافات الفلكية عن عوالم تختلف اختلافاً كبيراً عن الأرض؛ فمنها ما يُرجَّح أن تغطي المياه مساحات واسعة منه، ومنها ما تعصف به رياح هائلة، ومنها ما تعكس أسطحه الضوء بدرجة استثنائية، ومنها ما يُحتمل أن يحتوي على طبقات غنية بالكربون والألماس.

عوالم تتباين في تكوينها وظروفها

من هذه العوالم ما يُعرف بالكواكب المائية، التي يُعتقد أن الماء يشكل نسبة كبيرة من تكوين بعضها، وقد تحيط بها أغلفة جوية كثيفة تساعد على احتباس الحرارة. وقد أثار اكتشاف الكوكب Kepler-22b اهتماماً واسعاً عام 2011، لوقوعه ضمن المنطقة المحيطة بنجمه التي قد تسمح بوجود الماء في حالته السائلة، إذا توافرت بقية الظروف المناسبة.

وتُعرف هذه المنطقة بالمنطقة الصالحة للسكن، غير أن وجود الكوكب فيها لا يعني ثبوت وجود الحياة عليه؛ وإنما يجعله موضعاً مهماً للدراسة والبحث. وتكشف هذه الاكتشافات عن مدى تنوع البيئات الممكنة في الكون، وتدعونا إلى التواضع أمام حدود معرفتنا؛ فما نعرفه عن شروط الحياة لا يتجاوز جزءاً محدوداً مما يمكن أن يوجد في هذا الفضاء الشاسع.

وفي مقابل هذه العوالم المحتملة الملاءمة للحياة، توجد كواكب تنتمي إلى بيئات بالغة القسوة، فمنها ما يُعرف بالمشتريات الحارة، وهي كواكب غازية عملاقة تدور قريباً جداً من نجومها، فتتعرض لدرجات حرارة شديدة. ومن أمثلتها HD 189733b، الذي تُشير الدراسات إلى وجود رياح فائقة السرعة وظروف جوية متطرفة فيه، كما رُصدت في غلافه الجوي جزيئات كبريتيد الهيدروجين. وتصور بعض النماذج أن قطرات زجاجية قد تتشكل في غلافه الجوي، وتحملها الرياح العنيفة.

وتوجد كذلك كواكب تُعرف بنبتونات الحارة، تشبه نبتون في الحجم، لكنها تدور في مدارات قريبة من نجومها، ولذلك تكون سنواتها قصيرة ودرجات حرارتها مرتفعة. ومن أمثلتها LTT 9779 b، الذي يتم دورته المدارية في نحو 19 ساعة، وتُقدَّر حرارة غلافه الجوي بأكثر من 1700 درجة مئوية. ويتميز هذا الكوكب بقدرته الاستثنائية على عكس الضوء، حتى لُقّب بالمرآة العملاقة.

ومهما بدت هذه الخصائص غريبة بمقاييسنا الأرضية، فإنها تكشف عن تنوع واسع في تكوين الكواكب وظروفها، وتمنح العلماء فرصة لفهم قوانين المادة والطاقة في بيئات مختلفة.

ولا تتوقف المفاجآت عند اختلاف الحرارة والتكوين؛ فقد اكتُشفت كواكب تدور في أنظمة نجمية ثنائية، أي حول نجمين، أو حول المركز المشترك لكتلتيهما. وتزداد الصورة غرابة في بعض الأنظمة التي تسلك فيها الكواكب مدارات مائلة بشدة عن مستوى دوران النجوم. ومن الأمثلة التي أثارت اهتمام الفلكيين النظام 2M1510، الذي يضم قزمين بنيين، ورُصد فيه مرشح لكوكب ذي مدار غير مألوف. وتدل هذه الأنظمة على أن حركة الأجرام السماوية لا تنحصر في الصور البسيطة التي اعتدنا تصورها، وإنما تتخذ أشكالاً متنوعة تحكمها قوانين الجاذبية والديناميكا المدارية.

ومن العوالم التي تستوقف الباحثين أيضاً ما يُطلق عليه الكواكب الماسية، وهي تسمية تُستخدم لبعض الكواكب التي يُحتمل أن تكون غنية بالكربون. ومن أمثلتها 55 Cancri e، وهو كوكب فائق الأرض يبعد عنا نحو أربعين سنة ضوئية، وتبلغ حرارته السطحية المقدرة آلاف الدرجات. وقد دفعت خصائصه الفيزيائية والكيميائية بعض الباحثين إلى دراسة احتمال وجود مواد غنية بالكربون في باطنه، وربما تشكل الماس تحت ضغوط هائلة، لكن هذه التصورات تظل رهينة النماذج العلمية والأدلة المتاحة، ولا تعني أن وجود طبقة ماسية سميكة قد ثبت بصورة قاطعة.

وهكذا تتنوع الكواكب بين عوالم مائية محتملة، وأخرى شديدة الحرارة، وأجرام عاكسة للضوء، وكواكب ذات تراكيب كيميائية غير مألوفة. وكلّ اكتشاف جديد يوسع نطاق معرفتنا، ويكشف أن الكون أكثر تنوعاً مما قد توحي به خبرتنا المحدودة على الأرض.

هل يوجد جرم سماوي تائه؟

تُعرف بعض الأجرام باسم الكواكب الشاردة، وهي أجسام لا تدور حول نجم بعينه، وقد تتحرك في الفضاء بين النجوم. وقد تبدو تسميتها وكأنها تشير إلى أجسام تائهة بلا نظام، غير أن غياب النجم الذي تدور حوله لا يعني أنها تتحرك بلا قوانين؛ فهي تخضع بدورها للجاذبية وسائر القوانين الفيزيائية التي تحكم حركة الأجرام.

ومن هنا تتضح أهمية التمييز بين ما يبدو لنا فقداناً للارتباط بنظام مألوف، وبين الحركة الخاضعة للقوانين. فالكون لا يشترط أن تتخذ جميع أجرامه مساراً واحداً حتى تكون حركتها منتظمة؛ إذ يمكن أن تختلف المدارات والظروف، مع بقاء الحركة محكومة بقوانين دقيقة.

إن هذه الحقيقة تذكرنا بمحدودية نظرتنا؛ فنحن نعيش على كوكب صغير، ضمن منظومة نجمية واحدة، ولا نعرف إلا جانباً محدوداً من عوالم الكون. وما تكشفه المراصد وأدوات البحث ليس إلا نافذة تتسع تدريجياً على فضاء هائل من الظواهر والأسرار.

ومن المنظور الإيماني، يصبح التأمل في هذه العوالم باباً للتفكر في القدرة والحكمة الإلهيتين. فاختلاف الكواكب وتباين خصائصها، وانتظام حركاتها وفق قوانين محددة، يدعوان إلى النظر في اتساع الخلق ودقة السنن التي تحكمه. وقد تخفى علينا بعض حكم هذه التكوينات، لكن قصور معرفتنا لا يبرر الجزم بانعدام الحكمة فيها؛ بل يحثنا على مواصلة البحث والتأمل.

وهكذا تتحول دراسة الفضاء من مجرد رصد للأجرام وحساب لمساراتها إلى فرصة للتأمل في موقع الإنسان من هذا الكون الفسيح. فكلما اتسعت معرفتنا، ظهر لنا مقدار ما نجهل، وتأكد أن ما نراه ليس إلا جزءاً من مشهد أعظم. وعندئذ يستحضر القلب معنى المناجاة التي تعبّر عن هذا الشعور أمام عظمة السماوات: “يا واجب الوجود، يا واحد يا أحد، إن هذه النجوم البديعة، وهذه الشموس والأقمار العجيبة، تجري في ملكك وسماواتك وفق أمرك وقدرتك وتدبيرك.

وإن الأجرام العلوية، بما تكشف عنه من نظام وإتقان، تشهد بعظمة خالقها، وتسبّحه بلسان حالها (وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) وأنا أيضاً أسبّحك وأقدّسك مع تسبيحها، وأشهد أن هذا الكون، على سعته وتنوعه، لا يخرج عن سلطانك وحكمتك.