الرقم الذي سبق الحقيقة
تنشئ الدول صناديقها السيادية لتدير ما تملكه بعقل المستثمر. فبدل أن تبقى الأصول العامة عقارات مهملة ومنشآت معطلة في دفاتر الوزارات، تُجمع تحت إدارة واحدة تحرّكها وتنمّيها وتعيد عوائدها إلى الخزينة. هكذا فعلت النرويج بعائدات نفطها، وسنغافورة بشركاتها الحكومية، ودول الخليج بثرواتها التي صارت أذرعاً استثمارية تتجاوز حدودها. والقاعدة في كل هذه التجارب واحدة: أصول الدولة تُدار بمنطق السوق، وتبقى ملكاً للدولة.
وعلى هذه القاعدة أُسس الصندوق السيادي السوري بالمرسوم 113 لعام 2025. ورث الصندوق أصولاً متفرقة ومعطلة، كثير منها خرج من قبضة شبكات النظام البائد، فبدأ بحصرها وتقييمها وإعادة تشغيلها. ويعمل اليوم في الشركات المرتبطة به أكثر من أربعين ألف عامل وموظف. ودخل في شراكات مع مستثمرين خليجيين وأتراك، ووقّع اتفاقية تطوير بقيمة سبعة مليارات دولار، وأطلق مشاريع في الاتصالات والمدفوعات الرقمية والصناعة.
وما يميّزه عن الإدارة الحكومية التقليدية مرونة في القرار وسرعة في التنفيذ. وهو بهذا يتجه ليكون القاطرة الاستثمارية للدولة في مرحلة يحتاج فيها الاقتصاد السوري إلى من يحرّك رأس المال ويفتح فرص العمل ويحدّث القطاعات المتعثرة.
ومن أهم ما يملكه الصندوق قدرته على استقطاب الكفاءات. فنظامه الداخلي يمنحه مرونة في التعيين والتعاقد والتحفيز لا تتوفر للجهات الحكومية التقليدية، وهذا ما جعله من أقدر الجهات في البلاد على جذب الخبرات السورية من الداخل والخارج. وقد نجح في ذلك فعلاً، فتميزت كوادره ومديرو محافظه بالكفاءة والخبرة في الاستثمار والمال والإدارة، وعاد عبره عدد من السوريين الذين بنوا خبراتهم في مؤسسات دولية ليضعوها في خدمة بلدهم.
في التاسع من تشرين الأول نشرت صحيفة «فايننشال تايمز» تقريراً عن الصندوق، وضعت في صدره رقماً لافتاً: خمسون مليار دولار، ونسبته إلى وزير المالية. ولم يُعرف لهذا الرقم أصل في أي تصريح للوزير، ولا في أي بيان رسمي. والرقم الوحيد الذي أعلنه الصندوق علناً حتى الآن يقارب ملياري ونصف المليار دولار، وعملية الحصر والتقييم ما زالت مستمرة.
لكن الرقم سبق الحقيقة. ويُظهر رصد ما نُشر خلال اليومين التاليين كيف تطورت القصة على مراحل. نقلت المواقع الرقم في الساعات الأولى بصفته تقديراً لقيمة أصول. ثم تحوّل في عناوين الصفحات إلى «أموال مصادرة». ثم صار سؤالاً اتهامياً عن مصير المليارات. وتدرّجت الأوصاف من (الصندوق السري) ثم (صندوق الغنائم). وفي كل محطة كان الرقم يكتسب ثقة من كثرة تكراره، دون أن يتوقف أحد ليسأل: من قاله؟ ومتى؟ وأين؟
وهنا تتكشف طريقة عمل مألوفة لدى بعض وسائل الإعلام. تنشر المرض أولاً، ثم تقدّم نفسها جزءاً من العلاج. تزرع رقماً بلا مصدر، ثم تعود لتسأل عن الشفافية، وكأن الغموض الذي تتحدث عنه لم تصنع جزءاً منه بيدها. ومقال يقوم عموده الفقري على رقم نُسب إلى من لم يقله لا يمكن قراءته عملاً صحفياً مهنياً. هو مادة موجهة سلفاً، تعرف نتيجتها قبل أن تبدأ، وتبحث عمّا يسندها لا عمّا يصححها.
والشعار الذي ترفعه مثل هذه الحملات لا يكشف دائماً غايتها. فالشفافية عنوان جذاب يصعب الاعتراض عليه، وفي حالات ليست نادرة تتحرك تحت هذا العنوان مقالات وحملات إعلامية مدفوعة الأجر، تخدم أجندات سياسية تستهدف مؤسسات الدولة الناشئة وتسعى إلى هز ثقة المستثمرين بها في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى كل استثمار.
وقد حسم المكتب الإعلامي في وزارة المالية المسألة بتصريح واضح: لم يصرّح الوزير بأي رقم يتعلق بقيمة أملاك الصندوق أو أصوله، والأرقام المتداولة بهذا الشأن لا تستند إلى أي تصريح أو بيان صادر عن الوزارة.
وما أعلمه من مسؤولين في الصندوق أن مسار الحوكمة والشفافية فيه سابق لهذه الموجة بزمن طويل. فالصندوق يعمل على هذا المسار منذ ثمانية أشهر، عبر فريق مختص حقق خطوات جيدة، وأمامه مشوار طويل سيُعلن عن محطاته في التوقيت المناسب. والمؤسسات الجادة تبني حوكمتها بعمل متدرج ومدروس، ولا تبنيها على إيقاع العناوين.
يبقى السؤال عن الشفافية حقاً مشروعاً لكل سوري، والإجابة عنه مسؤولية تتحملها المؤسسات بالإفصاح والتدقيق والعمل المعلن. أما الحقيقة فتؤخذ من مصدرها، والرقم الذي يُنسب إلى غير قائله لا يصلح أساساً لسؤال، ولا لحكم. وكل خبر يقوم على مثله يستدعي سؤالاً سابقاً عن مضمونه: من نشره؟ ولماذا الآن؟ وإلى أين يريد أن يصل؟