"الست" يكسر الصورة النمطية لأم كلثوم
استخدام اسم "الست" عنواناً للفيلم هو استخدام منطقي لأحد ألقابها المتعددة، وعلى رغم أنه لم يكن أشهرها فقد يفوقه اسم "كوكب الشرق" أو "ثومة"، لكن بتتابع الأحداث على مدار أكثر من ساعتين ستدرك أن الزاوية التي اختارها صناع العمل لتقديم أم كلثوم هو أنها "ست" أو امرأة نجحت بمشاعرها الطبيعية وتحديات المجتمع لها أن تصنع أسطورتها الخالدة، وكأن العمل تكريم في الأساس لمخلوق المرأة وطموحها ومشاعرها وضعفها وقوتها وتغلبها على كل أزمات الحياة
تبدو مشاهدة الفيلم المصري "الست"، لمنى زكي والمخرج مروان، مربكة على المستويين الفني والإنساني، إذ ستأخذك مشاهد العمل بين الاستفهام والإلهام، تسعد وتغني في بعض اللحظات، وتصمت في لحظات أخرى لسبب أو لآخر، لن تفهم تلك الحالة بوضوح، فأنت في حضرة تفاصيل أسطورة أم كلثوم المرأة التي غابت وتركت هالتها مسيطرة ومؤثرة حتى بعد رحيلها بـ50 عاماً.
منذ بداية مقدمة الفيلم يجد المشاهد نفسه أمام حدث ضخم من حيث التوقعات البصرية والتقنيات الفنية، إذ نجح مروان حامد في حشد إبهار على مستوى الصورة والصوت والإيقاع والديكورات الفارهة والملابس، ليضعك في قلب الحدث منذ بداية الشريط السينمائي.
وبدافع الأحكام المسبقة ستتخيل قبل أن تبدأ في المشاهدة أن اسم "الست" عنواناً للفيلم هو استخدام منطقي لأحد ألقابها المتعددة، وعلى رغم أنه لم يكن أشهرها فقد يفوقه اسم "كوكب الشرق" أو "ثومة"، لكن بتتابع الأحداث على مدار أكثر من ساعتين ستدرك أن الزاوية التي اختارها صناع العمل لتقديم أم كلثوم هو أنها "ست" أو امرأة نجحت بمشاعرها الطبيعية وتحديات المجتمع لها أن تصنع أسطورتها الخالدة، وكأن العمل تكريم في الأساس لمخلوق المرأة وطموحها ومشاعرها وضعفها وقوتها وتغلبها على كل أزمات الحياة.
الفيلم يتناول رحلة صعود فتاة من قاع قرية مصرية فقيرة حتى تحولت إلى أهم مطربة امرأة في الوطن العربي، تربعت على عرش الغناء على مدار ما يزيد على 125 عاماً منذ ميلادها وحتى الآن.
ويبدأ الفيلم بمشهد حفلة السيدة أم كلثوم في باريس في نوفمبر عام 1967 على مسرح الأولمبياد بحضور جنسيات من أعمار وفئات مختلفة بين سفراء ورؤساء وشباب ورجال، وحكي الحاضرين عن انتظارهم أم كلثوم وحفلتها المنشودة ومدى أهميتها ومكانتها في قلوبهم، ويستعرض المخرج ذلك باللغات المتعددة.
ثم تتوالى الأحداث عندما تغضب أم كلثوم من مدير المسرح، الذي يخشى من الاندفاع الحماسي بسبب السياسة والتوترات العربية، وتأثير ذلك في مجريات الأمور بقوله إنهم لا يريدون أن يكونوا طرفاً في صراع سياسي، تستاء الست من الحديث وترفض الغناء فيصاب مدير المسرح بالصدمة. اختيار هذا المشهد بداية للأحداث كان موفقاً، إذ ظهرت منى زكي بتقارب شكلي كبير مع أم كلثوم في تلك المرحلة العمرية المتقدمة من حياة "كوكب الشرق".
ينقلنا مروان حامد بالأحداث إلى الخلف منذ بداية أم كلثوم، وكيف بدأت الغناء مع والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي في قرية طماي الزهايرة المصرية الواقعة بالقرب من مدينة المنصورة. وقد حفظت أم كلثوم عن والدها القرآن والتواشيح والقصائد، وتميزت بصوت جميل ورائع مما جعلها تبدأ الغناء في سن مبكرة، وهي ترتدي ملابس صبي، إذ لا يسمح للنساء بالغناء في أي من المحافل مهما كانت الأسباب.
مهدت المشاهد الأولى لرحلة أم كلثوم الفنية وفقاً للتسلسل الزمني، حتى انتقلت إلى القاهرة عن طريق صديق والدها أقنع الأسرة بضرورة الغناء في أحد المسارح الكبرى، وعند ظهور ثومة بملابس ذكر على المسرح حدثت سخرية وساد الاستهجان، لدرجة أن أحد الأثرياء استهزأ بها فردت عليه الإهانة فرفع مسدسه مهدداً بقتلها أمام الجميع، وكان هذا أول حدث مفصلي مهم في حياتها اختبر جرأتها وقوة شخصيتها.
ظهرت منى زكي في تلك المرحلة بخدع تجميلية ومساحيق تحاول تقريب الشبه بينها وبين أم كلثوم في تلك المرحلة، لكن كان مشهد البداية بمكياج وملابس أم كلثوم في مرحلة الكبر أفضل وأكثر قرباً وإقناعاً من حيث الشكل.
استمرت رحلة أم كلثوم أو منى زكي وهي ترتدي زي الصبي، وتتحرك نحو إحياء بعض الحفلات مع والدها الذي أدى دوره سيد رجب وأحمد خالد صالح الذي جسد شخصية شقيقها خالد، حتى كان موعدها مع تغيير شكلها، والتخلي عن زي الرجل عندما حضرت إحدى الحفلات بقصر فخم لتغني لبعض الأمراء والأثرياء، وفوجئت بانتقاد مهين لشكلها حتى قامت إحدى الأميرات بالقصر بإقناعها بتغيير شكلها وارتداء زي نسائي محترم لا يتعارض مع الاحتشام، وقبلت أم كلثوم وغنت مرتدية للمرة الأولى ملابس نسائية.
وتطرق الفيلم إلى المرحل البارزة في مسيرة أم كلثوم الإنسانية والفنية، فظهر في الحفلة شاعر شاب شديد الذكاء ومشتعل الموهبة، وهو أحمد رامي الذي أدى دوره محمد فراج، وكان لقاء رامي وثومة نقطة تحول في تاريخ الغناء، إذ بدأ التعاون بينهما لتكون ملهمته التي وقع في حبها، وهو السند الذي استقت منه قوتها وصلابتها.
تمتد الرحلة بين رامي وثومة ويعرض عليها الزواج فترد عليه في مشهد رقيق بأنها انتظرت اليوم الذي يعترف لها بحبه، وكانت ترتب الرد عليه لأنها تشعر بالمشاعر نفسها، لكنها قررت أن تظل علاقتهما شاعراً ومطربة حتى لا يخسر الجمهور تعاوناً فنياً مميزاً وملهماً بسبب احتمالية تعرض زيجتهما لنجاح أو فشل. يقبل رامي بقرار أم كلثوم، ويظل يحبها في صمت، وتستمر هي في التقدم وتتعاقد بأجر ضخم مع شركة أسطوانات لتكون المطربة الأكثر مبيعاً مع الوقت.
يستعرض العمل نمو أم كلثوم وطموحها الكبير، إذ كانت تدرك أن "الست" أو المرأة لا يجب أن تحرم من ممارسة السياسة والكتابة والأعمال الوطنية مثل الرجال، فقررت كتابة مقالات وتعاونت مع الكاتب محمد التابعي في إصدار أول مجلة يتولى رئاسة تحريرها، وكتبت بها مقالات تتحدث عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية وأحوال المواطنين والأسعار.
يتناول الفيلم قوة شخصية المرأة التي خرجت من الأرياف لتكون الأكثر تأثيراً في كل مجال تخوضه، لدرجة إجادة "7 صنايع" كما ورد في الحوار بالفيلم أكثر من مرة.
تناست أم كلثوم من أجل فنها حياتها الخاصة كامرأة والزواج وتكوين عائلة، فكان السؤال الأول والدائم لها من الجمهور والنقاد والصحافيين هو متى ستتزوجين؟ أظهر الفيلم شجاعتها كامرأة في مواجهة قسوة المجتمع، ومحاولتها إثبات أن المرأة أو "الست" أحلام وطموحات ومكانة أكثر خلوداً من وضعها في قالب الزوجة فقط.
تتوالى الأحداث بين المراحل الزمنية المختلفة في حياة أم كلثوم، ففي بعض المشاهد ننتقل إلى مرحلة الخمسينيات، وفي مشاهد أخرى الستينيات، ثم تعود الكرة لمراحل متفاوتة زمنياً لكنها فاصلة إنسانياً.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اختلف ظهور منى زكي في مشاهد الفيلم، فكل مشهد تقفز إلى مرحلة ثم تعود لأخرى في المشهد الذي يليه، وتارة يقترب التشابه الجسدي مع أم كلثوم بنسبة هائلة، وفي مشاهد قد تختلف نسبه التشابه شكلياً، لكن ظل عنصر الجذب المحافظ على جودته وإيقاعه طوال أحداث ومشاهد الفيلم هو قوة أداء منى زكي وإجادة تجسيد الإحساس العميق لأم كلثوم سواء وهي شابة أو امرأة طاعنة في السن.
استطاعت منى بموهبتها الفنية وخبراتها التمثيلية الطويلة ودراستها المطولة لشخصية أم كلثوم أن تصل إلى إحساس كل المراحل بالقدر نفسه من الجودة والإتقان، وفي بعض مشاهد الفيلم ستجد نفسك تتفاعل مع مشاعر امرأة، وتنسى للحظات أنك في حضرة قصة ومشاعر أم كلثوم نفسها.
وخلاصة الأمر، ستدرك أن مشاعر الست و"كوكب الشرق" تتشابه مع مشاعر كل النساء في بعض المراحل والأزمات، فهي هنا ليست الأسطورة والمرأة القوية التي لا تقهر، بل هي امرأة تشعر وتتألم وتنهض مجدداً لتواجه وتتحدى.
عانت أم كلثوم أزمات عديدة، أبرزها الفيلم بصورة واضحة، وترنحت بين القوة والضعف والانتصار والهزيمة، فجاء العمل ليفكك صلابة الأسطورة المتعارف، ويتحرر من الصورة النمطية التي تكرس، لأن أم كلثوم امرأة لم تهزم، ولم تتأثر قوتها يوماً.
ظهرت ثومة في كثير من مشاهد الضعف الإنساني، مثل وفاة والدها وعلاقتها بأسرتها وإحساسها بالوحدة. تبلورت مخاوفها وكيف تعرضت للخطر، بسبب ابتعاد أسرتها منها في بعض المشاهد مثل مشهد اقتحام لص للفيلا المقيمة بها وتهديدها، وهنا تحدثت بألم مع المحقق الذي جاء للتحري أن لا أحد يعيش معها ولا أحد يزورها.
وأكدت سوء علاقتها بأسرتها في بعض المراحل، وأنهم كانوا يتجنبونها أحياناً في مشهد مع ابن شقيقتها، وهي تشكو له أن الجميع لا يفكر في زيارتها، فرد عليها أنهم يخافون منها، في إشارة إلى أنها أحياناً كانت شخصية يبتعد منها حتى المقربون.
ظهرت أم كلثوم في أكثر من منطقة وهي ضعيفة وتحاول ترميم انكسارها، مثل مشاهد علاقتها بشريف باشا صبري خال الملك فاروق، الذي وقع في حبها وبادلته الحب وطلب منها الزواج، لكنه تحت ضغط من شقيقته الملكة نازلي تخلى عن أم كلثوم، وترك البلاد مجبراً، وعلمت أم كلثوم بالخبر في يوم حضور الملك ووالدته لإحدى حفلاتها فغنت بقوة خارجية، بينما هي من الداخل منكسرة وتعاني القهر والشعور بالتحدي مع الملكة التي كانت تقتلها بنظرات السخرية.
ومن المشاهد المهمة، التي كانت مثار تكهنات حتى قبل طرح الفيلم هي علاقة أم كلثوم بالملك فاروق وانقلاب الأمور بعد ثورة 1952، وكان الفيلم شديد الصدق في تناول تلك المرحلة الفاصلة من تاريخ ثومة، وجاء بصورة مباشرة أن أم كلثوم في أحد المشاهد قامت بحرق أسطوانة أغنية "يا ليلة العيد آنستينا"، وفي مشهد "فلاش باك" تذكرت الحفلة الذي غنت فيها تلك الأغنية حيث فاجأها الملك فاروق بالحضور فأضافت مقطعاً باسمه لكلمات الأغنية، وبعد انتهاء الغناء صافحها ومنحها وسام الكمال.
وبعد ثورة يوليو طالبها المقربون منها أن تصدر بياناً لدعم السلطة الجديدة، لأنها محسوبة على العهد البائد فقالت بوضوح "معروف أن علاقتي بالملك كانت قوية ومنحني نيشان الكمال، وغنيت له مقطع باسمه فكيف أغير كل هذا فجأة؟ وماذا سيقول جمهوري عني؟ أقل شيء سينعتني بأني متقلبة بحسب السلطة.
ولهذا رفضت إصدار بيان على رغم أن انتماءها الشديد لمصر الذي لم تعتبره مرتبطاً بتغير النظام، لكنها احترمت موقفها وخافت من اتهامها بالنفاق، وعانت من هذا الموقف كثيراً لدرجة أنها لم تعد تحيي حفلاتها في موعدها أول كل خميس بالشهر، كما أقيلت من منصبها نقيباً للموسيقيين، وكذلك كانت المطربة التي تذاع أغنياتها في المقدمة بالإذاعة، وتغير هذا الوضع بسبب موقفها بحسب ما ورد بالفيلم.
كان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر من أكبر المحبين لصوت أم كلثوم، وطلب من مساعديه التواصل معها، ودعوتها إلى حفلة تغني فيها، فرفضت في البداية لأنها متخوفة، ولم تكن جاهزة بأغنية مناسبة، لكن الطلب كان حاسماً، وأصروا على ضرورة حضورها، فتعاملت بذكاء سياسي لتخرج من أزمة الغناء للسلطة فغنت "مصر التي في خاطري وفي دمي"، وحققت نجاحاً كبيراً وكسرت الحاجز الذي عانته بعد انتهاء العصر البائد للملك فاروق.
ولم يكن هذا دليلاً كافياً على شاشة السينما لإبراز مدى عمق وأصالة هذه السيدة تجاه بلدها، فجاءت نكسة 1967 لتكشف عن موقفها البطولي، إذ قررت في عز أزمتها الصحية أن تقوم بحملات لجمع تبرعات للمجهود الحربي، ونجحت في ذلك وكانت من أهم المساعدين للجيش بما قامت به من مجهودات وجمع أموال ورفع للروح المعنوية.
عبر الفيلم عن الجانب الشخصي لأم كلثوم، ولم يستح في وصفه بأنه كان منطقة شديدة الهشاشة أحياناً وشديدة القسوة في أحيان أخرى. أظهر مدى انكسارها في بعض الحالات مثل حالة حبها لخال الملك الذي خذلها وتركها، وعبر عن قسوتها عندما رفضت مشاعر أحمد رامي خوفاً على مسيرتها الفنية.
وجاءت قصة خطبتها من الملحن محمود الشريف، الذي كان يصغرها بأعوام كثيرة في بعض مشاهد العمل، لتبرز أن ثومة قررت الاستقرار وبناء أسرة في وقت ما، لكن نظراً إلى خلاف بين الشريف والموسيقار محمد القصبجي الصديق المقرب لها قررت فسخ الخطبة.
كما عرض العمل حكاية ارتباطها بالطبيب الشاب المعالج لها حسن الحفناوي، وشعورها ناحيته بالارتياح والثقة وبداية الأمر من ناحيتها وعلى رغم ذلك انتظرت حتى صارحها بحبه وطلب الزواج منها في وقت كانت قد تقدمت في العمر بصورة كبيرة، وأصابها الورم بالغدة الدرقية، مما تسبب في تدهور صحتها.
استطاع الفيلم الاقتراب من المناطق المحظورة التي كان هدفها إضفاء قدسية تامة على شخصيتها فظهرت السيدة، وهي في حالة غليان أحياناً وغضب عارم وتهور وخروج عن الشعور في بعض المناطق، مثل تعاملها مع بعض أعضاء الفرقة، ثم تراجعها واعتذارها.
وأوضح عدد من المشاهد تعرضها لضغوط عصبية وإحباطات، لجأت لتدخين السجائر في محاولة لامتصاص معاناتها. نجح الفيلم في كثير من الأمور التي كشفت عن الجوانب الحساسة من حياة "كوكب الشرق" كإنسانة، وفي الأساس كامرأة نجحت في أن تصنع من كلمة "الست" دلالة على صناعة أسطورة خالدة.
الفيلم هو مغامرة شديدة الخطورة من جانب كل صناعه، بداية من منى زكي الممثلة التي قبلت التحدي المخيف وتجسيد حياة امرأة مرت بمنعطفات إنسانية وفنية ومهنية وشكلية متباينة ومتعددة، كما كانت جرأة مروان حامد وأحمد مراد اللذين تعاونا من قبل في أكثر من عمل مخاطرة بكل المقاييس، بخاصة أن أم كلثوم لم يستطع أحد الاقتراب من حياتها إلا كأسطورة فقط.
وشهد الفيلم ظهور عدد كبير من ضيوف الشرف مثل كريم عبدالعزيز في دور شريف باشا صبري، وعمرو سعد في دور الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ونيللي كريم في دور الملكة نازلي، وأحمد حلمي في دور ضابط شرطة، وأحمد أمين في دور الدكتور حسن الحفناوي.