"مولانا" مسلسل سوري مرسوم على مقاس نجم تلفزيوني

المصدر : INDEPENDENT | الخميس , 26 أذار | : 86

لا يبدو أن مسلسل "مولانا" خرج عن طبيعة الأعمال التي يتم تفصيلها على مقاس النجم التلفزيوني، فلا شخصيات هنا بقدر ما هي أدوار وظيفية. شخصيات مساندة وأخرى ثانوية تحوم حول سليم العادل (تيم حسن) أقرب إلى كومبارس أو حشد من الممثلين. حتى جورية (منى واصف) ذاكرة قرية "العادلية" لا تخرج عن هذا السياق إلا ما ندر.

كل شيء مرسوم في مسلسل "مولانا" بعناية لبطولة مطلقة، فليس هناك من صراع درامي واضح، وحتى العقيد كفاح (فارس الحلو) الشخصية المضادة للبطل لا تخرج عن هذا السياق، بل يبدو وكأنها مستلهمة من أشرار الرسوم المتحركة، وبطريقة جسدت بصورة كاريكاتيرية طبيعة النظام السوري الذي كان يوصف كواحد من أعتى أنظمة الخوف في المنطقة، لا سيما مشاهد مراقبة العقيد للقرية عبر التلسكوب!

وليس سلبياً أن يكتب عمل على مقاس الشخصية الرئيسة، فالبطل في الأعمال السينمائية والتلفزيونية هو من يقود القصة، بل هو من يدفع الأحداث قدماً عبر الانتصار على خصومه أو مواجهتهم، لكن ليس في مسلسل "مولانا"-(إنتاج الصباح إخوان)، فجابر جاد الله (تيم حسن) الهارب من جريمة قتل صهره عنصر الأمن على خلفية تعنيف شقيقته (نوار علي) أمام عينيه، ستؤدي المصادفة دوراً في حياته بعد قليل، وذلك عندما يقرر أن يهرب عبر قرية حدودية إلى خارج سوريا، لكن السيارة التي تقله مع مواطن كندي من أصل سوري ستتعرض لحادثة تودي بحياة كل من فيها إلا جابر، إذ يقوم هذا الأخير بإحراق بطاقته الشخصية وتقمص شخصية سليم العادل أحد أحفاد كبار الإقطاعيين في بلدة العادلية. وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت جابر إلى هذا السلوك وإمكان تصديقه، سنتابع كيف أهالي البلدة الحدودية سيجدون في عودة حفيد الولي المزيف إشارة خير وأمل في تحريرهم من سلطة الكتيبة العسكرية التي نصبت الألغام في أراضيهم وسامتهم كل أنواع العذاب والذل.

وتبدو الفكرة التي يتناولها مسلسل "مولانا" في صلب الأفكار التي عالجها كتاب "سيكولوجيا الجماهير" للمفكر الفرنسي غوستاف لوبون (1841-1931)، فالفرد ما إن يدخل في جمهور محدد حتى يتخذ سمات خاصة لم تكن موجودة فيه سابقاً، إذ أضاء "مولانا" على ما كان علم النفس الاجتماعي قد تطرق إليه، فبين الأسباب التي تدفع الفرد إلى الانتظام في جمهور ما، والتحمس أشد الحماسة للزعيم، وعندها لا يعي ما فعله الفرد إلا بعد الاستيقاظ من الغيبوبة، وربما يعود الفرد ذاته إلى الانبطاح أمام زعيم جديد.

الزعيم الروحي

فكرة الزعيم الروحي تتجلى تماماً في هذا السياق. نلاحظ ذلك عبر تركيز ورشة كتاب سيناريو المسلسل: (يوسف. م الشرقاوي، باسل الفاعور، كفاح زيني) على فكرة المخلص، فالعمل المقتبس عن قصة للكاتبة لبنى حداد لا يتوانى في محاولة تقديم قصص فرعية لن يفقد العمل أياً من أحداثه إذا تم حذفها، بل جاءت على سبيل الاستطالة وتمرير الوقت لإنجاز 30 ساعة تلفزيونية. تحضر هنا قصة الحاج أبو ليلى (جمال العلي) وخلافه مع زوجته (تماضر غانم) التي لا تنجب له إلا الإناث، إضافة إلى قصة رشيد (سليمان رزق) وعمران (رائد مشرف) زوج والدته (حنان شقير) وجاسوس الثكنة العسكرية، إضافة إلى قصة مساعد الشرطة أبو خلدون (علاء الزعبي) وقصة منير (كرم شنان) ووالدته أم منير (سلافة عويشق). تبدو هذه العائلات لا قيمة لها درامياً إلا بما تؤديه من أدوار ثانوية بالنسبة إلى الحدث الرئيس، ولعل طبيعة الحكاية قدمت هذا الكم الكبير من الحشو، فحرمت المعالجة الفنية من توضيح تاريخ الشخصيات المساندة للبطل، التي تظهر بكثرة وبسبب ومن غير سبب إلا لناحية زجها في صيغة حشود هائجة وغاضبة أو منبهرة بمعجزات "مولانا".   

بهذا المعنى رغب سامر البرقاوي مخرج مسلسل "مولانا" في تجسيد ظاهرة الجماهير وكيف تتحرك وتهتاج وتؤدي دوراً كبيراً في حركة التاريخ، فـ"النفسية الجماعية لفئة ما ليست هي مجموع النفسيات الفردية لأعضائها" كما يدلل على ذلك الفيلسوف الفرنسي، كذلك فإن الجماعة ليست محصلة لمجموع الأفراد، وهذا ما يشبه ما يقوله غوستاف لوبون عن "اختلاف الفرد المعزول أو الواحد عن الجمهور، فما إن يدخل الفرد في الجمهور حتى يتغير وينصهر، وإذا ما وجدت الجماهير في ظروف تاريخية معينة انفجرت ودمرت، أو أفادت وضحت بنفسها بكل سخاء وكرم". ظاهرة العدوى والتحريض يستفيد المسلسل منها، ففي الماضي مثلما في الحاضر كانت الأيديولوجية الدينية هي التي تهيج الجماهير وتجيشها لكي تنتظم في الحركات الكبرى، وهذا أيضاً يقره علم النفس الاجتماعي، إذ يعلمنا أن هناك "روحاً للجماهير"، وأن هذه "الروح" مكونة من الانفعالات البدائية، ومكرسة بواسطة العقائد الإيمانية القوية، وهي أبعد ما تكون عن التفكير العقلاني أو المنطقي.

وكما في المسلسل تخضع روح الفرد لتحريضات المنوم المغناطيسي أو ما يسميه لوبون "الطبيب" الذي يجعل شخصاً ما يغطس في النوم، فإن "روح الجماهير" في "مولانا" ستخضع لتحريضات وإيعازات زعيمهم الروحي الذي يعرف كيف يفرض إرادته عليهم، وفي مثل هذه الحال من الارتعاد والذعر من قمع الكتيبة العسكرية للبلدة فإن كل فرد من أفراد العادلية سيدخل في الجمهور ويبتدئ بتنفيذ أعمال استثنائية ما كان مستعداً إطلاقاً لتنفيذها لو كان في حاله الفردية الواعية والمتعقلة. وشخصية "مولانا" إذ تستخدم الصور الموحية والشعارات البهيجة (شجرة الزيتون وزيتها المبارك) بدلاً من الأفكار المنطقية والواقعية سيستملك روح الجماهير ويسيطر عليها.

إشارة فاقعة

تبدو الفكرة جذابة للغاية لو تمت معالجتها في أتون سيناريو محكم، نص لا يخضع لرغبات البطل ولا لأسطرته، لكن ما حدث أن مسلسل "مولانا" برع في حلقاته الثلاثة الأولى لدعم هذه الفرضية، لكن الركاكة بدأت تتسرب مع الرغبة في إنجاز مستوى رمزي لانتصار الثورة السورية على نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وهذا ما أدخل العمل في المتوقع، ونزع عنه عنصر المباغتة، فالجميع ربما أدرك أن "الثكنة" وعساكرها وقائدها هم محاكاة لبطش سلطة البعث، فيما يشكل "مولانا" الطرف الثوري الذي بدأ يرتب صفوفه يوماً بعد آخر. السلاح هنا إشارة فاقعة أيضاً إلى المستوى الرمزي للأحداث، لا سيما أن فرضية بيع الزيت لشراء السلاح تبدو ضعيفة، مع أن ذلك بدأ بعد صفقة تمت بين العقيد وجابر، تم على أثرها إزالة الألغام وقطاف الزيتون وعصره. يشعر المرء أننا وصلنا إلى النهاية مع هذه المصالحة بين العسكر والأهالي، لكن يعود سيناريو المسلسل من جديد لتأليب ما يمكن تأليبه واستعادة حرارة الإيقاع، لكن عبثاً، فالأحداث الفرعية التي لا يتدخل فيها البطل تبقى هي عنوان غالب حلقات "مولانا"، فيما يقبع هذا الأخير في قصره منقطعاً عن الناس كما هو منقطع عن أحداث المسلسل.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قصة زينة (نانسي خوري) أيضاً تبدو مقحمة على الحكاية الرئيسة التي كان لا بد لبطل العمل من تطويرها عبر مجابهات كثيرة، لكن ما حدث أن مولانا ظل قابعاً في قصر جده المفترض، ليدخل بعدها في صراع امرأتين للفوز بقلبه. شهلا (نور علي) الشقيقة الأصلية للحفيد الميت التي لا نعرف كيف تقبلت فكرة العيش مع رجل غريب عنها في مكان واحد، وهناك زينة التي نكتشف أنها هاربة من أهلها على خلفية تزويجها قسراً ممن لا تحبه. نسخة مشوشة عن شخصية العروس في مسرحية "عرس الدم" للكاتب الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا (1898- 1936). طبعاً وكما هو متوقع يتزوج مولانا من زينة لإنقاذها من سكاكين ذويها، فيما نكتشف في الحلقة قبل الأخيرة أن شهلا وجابر قد تزوجا وهي الآن حامل منه. بكل الأحوال يبدو هذا أيضاً مقحماً على سير الحبكة الأساسية التي تطل برأسها بين حلقة وأخرى لتذكرنا بالصراع الذي كان من المفروض تطويره بين الثكنة وأهالي البلدة الريفية.

وكما في كل الأعمال التلفزيونية لا بد من الأخذ بالحسبان اشتراطات السوق، فالعمل الذي كان من المفترض أيضاً أنه يغوص في حالات البؤس السورية بدت كوادره معقمة للغاية، فالمكان (تم التصوير في بلدة دير القمر اللبنانية) لا يشي إلا ببلدة وادعة تنتشر البيوت الحجرية على سفوحها، بينما يزين ساحة القرية جرن أثري تحت شجرة زيتون عملاقة. مشاهد تكسوها الأشجار والورد وغدران وشلالات الماء، وهذا جانب كثيراً ما برع به المخرج سامر البرقاوي عبر كثير من شراكاته مع تيم حسن، لكن وبعد أعوام طويلة على هذه الشراكة لا يبدو أن البرقاوي قد سيطر على ممثله المحبوب، الذي آثر أداء دور المؤثر وتمرير (إفيهات) وقفشات لا مبرر درامياً لها، لعل أبرزها تقليده للرئيس السابق بشار الأسد، أو إقحامه مشهد من فيلم "التيتانيك" لمخرجه ومؤلفه جميس كاميرون، أو تقليده أسلوب أداء الفنان ياسر العظمة، وكلها مشاهد ليست ذات علاقة مع سياق حكاية "مولانا" ولا تمت إلى الشخصية بصلة، بل قل هي أبعد ما تكون عنها كونها شخصية تدعي الروحانية وعلم أسرار الغيب.