كيف أسهمت مهمة "أرتميس 2" في تطوير علاجات المستقبل؟

المصدر : INDEPENDENT | الخميس , 22 تشرين الأول | : 44

تساعد المؤشرات الحيوية في اللعاب العلماء في فهم كيفية الحفاظ على صحة رواد الفضاء في الفضاء السحيق لفترات طويلة.

تنفق "ناسا" مليارات الدولارات في رحلاتها إلى الفضاء، ويتساءل كثير من دافعي الضرائب الأميركيين الذين يمولون أبحاثها ورحلاتها الملحمية إلى الفضاء السحيق عن عائد هذه الرحلات المباشر على كوكب الأرض. وتقول "ناسا" دفاعاً عن ذلك إنها تسعى في جميع أعمالها وأبحاثها إلى ترسيخ نهج علمي وتقني متكامل بين الفضاء والأرض. وفي هذا السياق أكد صحافيون أميركيون متخصصون في علوم الفضاء أن تطبيقات العلماء الطبية والتقنية على رواد الفضاء في مهمة "أرتيمس 2" التي سجلت عودة "ناسا" للقمر، أضافت اختراعات جديدة عدة إلى علوم الأرض، إذ شكلت مركبة "إنتيغريتي" منصة اختبار فضائية لتقنيات يمكن أن تساعد مرضى السرطان، وتقدم خدماتها للعيادات النائية، وتعزز الإنترنت بصورة كبيرة.

تؤكد "ناسا" دائماً على فكرة أن الاختراعات التي تطورها رحلاتها تكون ذات عائد ملموس في كوكبنا، فالابتكارات التي طورتها رحلة "أرتيمس 2" خلال 10 أيام في الفضاء السحيق لتعزيز نجاح المهمة سيمتد أثرها إلى الأرض في مجالات طبية وتقنية مختلفة. ومن أهم تطبيقات "أرتيمس 2" الطبية والتقنية التي تجلت أهميتها خلال الرحلة الملحمية: تقنية الاتصالات بالليزر لنقل البيانات بسرعة عالية، وتقنية زرع عينات الأعضاء الحيوية على رقاقة، وشرائط اللعاب الجافة. على رغم ذلك يجادل كثيرون في قيمة هذه الابتكارات واقعياً، إذ يمكن وضع هذه الأموال في مشاريع كبيرة على كوكب الأرض المنهك بيئياً واقتصادياً مباشرة ومن دون الحاجة إلى انتظار عائد غير مباشر لاختراعات صغيرة.

قبل الحديث عن هذه الاختراعات لا بد من الإشارة إلى معنى اسم المركبة "إنتيغريتي"، فـ"إنتيغريتي" هي الاسم الرسمي لكبسولة "أوريون" Orion التي استخدمتها "ناسا" في مهمة "أرتيميس 2 Artemis II"، وهي أول رحلة مأهولة إلى جوار القمر منذ عام 1972. ووفق موقع "سبيس دوت كوم" فإن هذا الاسم "اختاره رواد الفضاء الأربعة بأنفسهم في سبتمبر (أيلول) 2025 ليعبر عن قيم الثقة والاحترام والعمل المتكامل بين آلاف المهندسين والعاملين في البرنامج"، إذ يعكس الاسم "قيم النزاهة والصدق والاحترام والعمل الجماعي بين الطاقم وفرق ’ناسا‘". وذلك لأنه يشير إلى الطبيعة "المتكاملة" للمركبة، التي تضم أكثر من 300 ألف قطعة وتعمل كوحدة واحدة.

نجحت التطبيقات الطبية المذكورة التي سيمتد أثرها إلى علوم الأرض على رواد الفضاء، واختبرت رحلة عودة "ناسا" للقمر "أرتيمس 2" تطبيقات عدة تقنية وطبية، ولم تقتصر هذه التطورات على مجال الاتصالات، فالتقنيات الطبية وعدد من الابتكارات الأخرى التي طورت أو دمجت في مهمة "أرتميس 2"، لن تستخدم في تعزيز نجاح المهمة فحسب، بل سيفيد تطوير علاجات طبية لرواد الفضاء خلال "أرتيمس 2" في تحسين رعاية المرضى على الأرض، كمرضى السرطان الذين يتلقون علاجات إشعاعية منقذة للحياة، أو ضحايا الكوارث النووية، إذ استخدمت مهمة "أرتميس 2"، "تقنية الأعضاء على رقاقة" لتتبع صحة كل رائد فضاء قبل المهمة وأثناءها وبعدها. وذلك من خلال مشروع أطلق عليه اسم AVATAR ويعني "استجابة نسيجية افتراضية لرائد الفضاء". كذلك استخدم علماء "ناسا" في "أرتيمس 2" شرائط اللعاب الجافة، وهي أداة بسيطة ومبتكرة طورتها الوكالة، إذ يقوم رواد الفضاء بوضع لعابهم على هذه الشرائط وتركها لتجف. وعند عودتهم للأرض، تفحص هذه الشرائط بحثاً عن مؤشرات حيوية مختلفة، وهي علامات تدل على حالات أو أحداث معينة في الجسم.

خلال مهمة "أرتميس 2"، استخدم برنامج الاتصالات والملاحة الفضائية (SCaN) التابع لـ"ناسا"، الذي يشغل جميع الاتصالات بين الأرض ومهمات "ناسا" الفضائية، أشعة الليزر لنقل كميات كبيرة من البيانات بسرعات عالية للمرة الأولى. ويذكر هنا أن أقمار "ستارلينك" التابعة لشركة "سبيس إكس" تستخدم تقنية الاتصالات الليزرية، مما يسمح لها بالتواصل في ما بينها بسرعات تصل إلى 200 غيغابايت في الثانية. وبينما تستخدم الهواتف المحمولة حالياً تقنية الاتصالات الراديوية، فإنها بدأت أيضاً في استخدام تقنية الاتصالات الليزرية لنقل البيانات عالي السرعة، وهو أمر سيكون له أثر كبير في المستقبل.

ضمن مقالة من عدد سبتمبر (أيلول) 2026 لمجلة الفضاء الأميركية "أسترونمي" وأعيد نشرها في مواقع علمية أميركية ونشرت تحت عنوان: "كيف ستحسن تقنيات ’أرتميس 2‘ الحياة على الأرض؟"، أكدت سارة نوفاك وهي صحافية علمية، أن "مركبة إنتيغريتي شكلت منصة اختبار فضائية لتقنيات يمكن أن تساعد مرضى السرطان، وتقدم خدماتها للعيادات النائية، وتعزز الإنترنت بصورة كبيرة". وتقول سارة عن هذا الحدث "في سعيها إلى استكشاف الفضاء، طورت وكالة ’ناسا‘ عدداً من الابتكارات التي نعتمد عليها الآن في حياتنا اليومية. فقد اخترعت رغوة الذاكرة، وهي مادة ناعمة ماصة للصدمات تستخدم في كل شيء من الأثاث إلى المعدات الطبية. وكان ذلك للمرة الأولى عام 1966، إذ جرى استخدامها في وسائد طياري الاختبار. وفي تسعينيات القرن الماضي، طور مختبر الدفع النفاث التابع لـ’ناسا‘ جيلاً جديداً من مستشعرات الصور الرقمية لتمكين مهمات الفضاء من استخدام كاميرات أصغر حجماً، واليوم، تعد هذه المستشعرات جزءاً لا يتجزأ من الكاميرات والهواتف المحمولة".

ولفتت سارة أيضاً إلى أن "عدداً من الابتكارات الرائعة الأخرى التي انبثقت من رحلات الفضاء، مثل العدسات المقاومة للخدش، وأجهزة التصوير المقطعي المحوسب، ومقاييس حرارة الأذن، وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، أصبحت تقنيات شائعة الاستخدام". لذلك ترى نوفاك أن هذا النهج المتكامل بين الفضاء والأرض ينطبق أيضاً على برنامج "أرتميس" وعودة "ناسا" للقمر، إذ استخدمت بالفعل عدد من التقنيات التي جرى اختبارها في مهمة "أرتميس 2"، التي من شأنها تحسين الطب الشخصي والرعاية السريرية، فضلاً عن توفير اتصالات أسرع حول العالم.

استخدمت مهمة "أرتميس 2" تقنية الأعضاء على رقاقة لتتبع صحة كل رائد فضاء قبل المهمة وأثناءها وبعدها، في مشروع أطلق عليه اسم "AVATAR"، وهو يعني "استجابة نسيجية افتراضية لرائد الفضاء"، سمحت رقائق نخاع العظم للباحثين بدراسة تأثيرات الإشعاع وانعدام الجاذبية على خلايا كل رائد فضاء، وتحديد كيفية تأثرها بالسفر إلى الفضاء. وطورت رقائق الأعضاء للمرة الأولى في معهد "وايس" بجامعة هارفارد، وهي عبارة عن أجهزة صغيرة بحجم ذاكرة فلاش USB تقريباً، تحتوي على قنوات دقيقة (أقل من ملليمتر واحد) تحوي خلايا بشرية. تضخ كميات صغيرة من السوائل عبر هذه القنوات لمحاكاة الدورة الدموية في الجسم. ونتيجة ذلك، "تتصرف رقائق الأعضاء وتستجيب للمؤثرات بطريقة مشابهة جداً للأعضاء البشرية". ونقلت سارة هذا الشرح الطبي عن "دونالد إي. إنجبر"، وهو مدير "معهد وايس" للهندسة المستوحاة بيولوجياً في جامعة هارفارد. وهذا يسمح للباحثين بدراسة كيفية تفاعل الأنسجة والأعضاء الحية مع الظروف الخارجية، من دون الحاجة إلى إجراءات جراحية.

يذكر أن "معهد وايس" للهندسة المستوحاة بيولوجياً في جامعة هارفارد، هو واحد من مراكز الابتكار العلمي، الذي يقوده "دونالد إي. إنجبر". وجاء على موقع المعهد أن "جوهر المعهد هو استلهام مبادئ الطبيعة لبناء تقنيات جديدة في الطب والبيئة والروبوتات والمواد المتقدمة"، كذلك يسعى المعهد بقيادة إنجير إلى تحويل الاكتشافات العلمية إلى تقنيات قابلة للتطبيق التجاري، مع تركيز على الهندسة الحيوية المستوحاة من الطبيعة. ويعمل معهد "وايس" بالتحالف مع كليات الطب والهندسة والعلوم والتصميم في هارفارد، إضافة إلى شراكات مع مستشفيات ومؤسسات بحثية في بوسطن وأوروبا.

يعد التعرض للإشعاع في الفضاء أحد أكبر المخاوف حول صحة رواد الفضاء، خلال رحلاتهم الفضائية طويلة الأمد. ويقول إنجبر عن هذا: "إن خلايا نخاع العظم تعد خياراً بدهياً لتقييم ذلك، لأن الإشعاع يؤثر في إنتاج خلايا الدم في مراحله المبكرة". ويضيف الباحث "نخاع العظم مسؤول عن إنتاج خلايا الدم، وهو مثالي للدراسة لأن التعرض للإشعاع يسبب انخفاضاً في أعداد خلايا نخاع العظم، مما يؤثر في تكوين خلايا دم جديدة، وحتى الكميات غير المميتة من الإشعاع يمكن أن تسبب تلفاً لخلايا نسيج نخاع العظم". وضمن هذا السياق ابتكر باحثو "ناسا" مجموعتين من الرقائق الإلكترونية تحتويان على خلايا نخاع العظم، جرى استزراعها من دم كل رائد فضاء من رواد مهمة "أرتميس". إذ حملت إحدى المجموعتين على متن كبسولة "أوريون" المأهولة، بينما بقيت الأخرى على الأرض. وقد مكن هذا العلماء من رصد تأثير السفر إلى الفضاء على خلايا كل رائد فضاء من الرواد الأربعة بصورة مختلفة. "فبينما توفر عينات الدم من رواد الفضاء صورة سريعة قبل المهمة وبعدها، تسجل رقائق الأعضاء تطور آثار إشعاع الفضاء السحيق وانعدام الجاذبية خلال المهمة، وصولاً إلى المستوى الخلوي".

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويمكن أن تساعد هذه البيانات الباحثين في تطوير تدابير طبية مضادة، مثل علاجات تلف الخلايا. وسيصبح هذا الأمر بالغ الأهمية مع سعي رواد الفضاء إلى إقامة وجود بشري مستدام على سطح القمر، والقيام بمهام أطول إلى المريخ. كذلك يمكن أن يفيد تطوير هذه العلاجات المرضى على الأرض، كمرضى السرطان الذين يتلقون علاجات إشعاعية منقذة للحياة، أو ضحايا الكوارث النووية. وتقول "ليزا كارنيل"، مديرة قسم العلوم البيولوجية والفيزيائية في وكالة "ناسا" عن هذا المشروع: "يعد مشروع AVATAR الأول من نوعه القادر على استخلاص استنتاجات فردية مرتبطة بالتعرض للإشعاع، وهو أداة فعالة لمساعدتنا في تطوير الطب الشخصي هنا على الأرض".

على رغم أنها مكونة من 300 ألف قطعة وتعمل كوحدة واحدة، إلا أن كبسولة "أوريون" المستخدمة في مهمات "أرتميس" لا تحتوي على ثلاجة. وتوضح سارة نوفاك هنا أنه: "في الفضاء، لا يعد أخذ عينات الدم خياراً متاحاً دائماً، إذ تتطلب حفظها في مكان بارد، لذا غالباً ما تلجأ ’ناسا‘ إلى بديل وهو: لعاب رواد الفضاء". بدوره قال عالم المناعة في "ناسا" برايان كروشيان عن ذلك: "معظم العناصر الموجودة في الدم هي ذاتها موجودة في اللعاب ويمكن فحصها، فاللعاب ببساطة هو مستخلص منقى من بلازما الدم". لذلك استخدم طاقم مهمة ’أرتميس 2‘ شرائط اللعاب الجافة، وهي أداة بسيطة ومبتكرة طورتها وكالة ’ناسا‘. إذ يقوم رواد الفضاء ببساطة بوضع لعابهم على هذه الشرائط وتركها لتجف. وعند عودتهم للأرض، تفحص هذه الشرائط بحثاً عن مؤشرات حيوية مختلفة، وهي علامات تدل على حالات أو أحداث معينة في الجسم، وقد سبق استخدام هذه الشرائط في محطة الفضاء الدولية لتسجيل مستويات الكورتيزول وتقييم الإجهاد والإيقاعات البيولوجية لدى رواد الفضاء.

وفي مهمة "أرتميس 2"، تمكن العلماء من إضافة خاصية الكشف عن المؤشرات الحيوية التي تساعدهم في فهم تأثيرات انعدام الجاذبية على صحة العظام بصورة أفضل، إضافة إلى مؤشرات الالتهاب.

تساعد المؤشرات الحيوية في اللعاب العلماء في فهم كيفية الحفاظ على صحة رواد الفضاء في الفضاء السحيق لفترات طويلة، وقد أظهرت هذه العينات بالفعل أن السفر إلى الفضاء يضعف جهاز المناعة لدى رواد الفضاء، مما يسمح للفيروسات الكامنة، مثل فيروس الهربس النطاقي، بالظهور مجدداً. ويعد فهم هذه التغيرات وغيرها أمراً بالغ الأهمية، للحفاظ على صحة رواد الفضاء في المهمات الطويلة. وفي هذا السياق، أكد كروشيان أن "هناك عدداً من التطبيقات المحتملة لأوراق اللعاب على الأرض"، إذ يمكن استخدام هذه التقنية في أية حالة لا يمتلك فيها الأطباء القدرة على جمع عينات سائلة ومعالجتها وتخزينها، وقد يكون ذلك مجدياً وفق كروشيان أكثر "في الدول النامية أو في المواقع الميدانية"، إذ قد لا يكون التبريد أو أخذ عينات الدم خياراً متاحاً، فتبرز الحاجة إلى هذه التقنية العملية والمتطورة.

نشرت المواقع العلمية التي روجت لهذه الفكرة، صوراً لرائد فضاء يرتدي قميصاً أسود بأكمام طويلة وبنطالاً كاكي اللون، وهو يطفو داخل وحدة محطة فضائية مكتظة بالأدوات، ويحمل كيساً شفافاً مزوداً بسحاب، وفي داخله تظهر بطاقة تعليمات مطبوعة، ومثبت حول الكيس شرائط ورقية بيضاء عدة صغيرة تحتوي على العينات التي أخذت منه. كذلك تظهر الصورة ذاتها جزءاً من لافتة كتب عليها "أميركا 250" في أعلى اليسار داخل كبسولة "إنتيغريتي"، وذلك كدلالة على بعض شعارات مهمات "أرتيمس" التي انطلقت حينها بالتزامن مع ذكرى مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة الأميركية. وفي الصورة يحمل رائد الفضاء فيكتور غلوفر الكيس الذي يحتوي على شرائح اللعاب الجافة، التي استخدمها الطاقم أثناء الرحلة لتحليلها لاحقاً على الأرض. وفي صورة أخرى، يجمع قائد مهمة "أرتميس 2" ريد وايزمان عينة من اللعاب أثناء الرحلة الفضائية، ليجري فحصها بعد المهمة، بحثاً عن مؤشرات حيوية تدل على صحة رواد الفضاء ووظائفهم الأيضية أثناء وجودهم في الفضاء.