المجتمع العلمي الأميركي منقسم في شأن عسكرة الفضاء

المصدر : INDEPENDENT | الأثنين , 19 كانون الثاني | : 71

لم يُشكّل الفضاء الأميركي حتى هذه اللحظة موقفاً موحداً مناوئاً للحرب التي يخوضها ماسك وترمب أمام دول صغيرة مثل فنزويلا وإيران.

هناك زعامات ثلاث رئيسة تتحكم اليوم بالموقف الأخلاقي للفضاء الأميركي وهي: زعامة إيلون ماسك بوصفه مالك شركة الفضاء الخاصة العملاقة "سبيس إكس" وأكبر شركة أقمار اصطناعية في العالم وهي شبكة "ستارلينك"، وبعد ماسك هناك جيف بيزوس صاحب شركة "بلو أوريجن"، وأخيراً جاريد إيزاكمان بوصفه الزعيم الحالي لـ"ناسا"، لكن هؤلاء جميعاً يتبعون الرئيس دونالد ترمب بوصفه القائد العام للقوات المسلحة الأميركية، التي تدير وزارة الدفاع والشؤون الفضائية ببرنامجيها السلمي إلى جانب أدوارها الحربية.

تظل عيون المجتمع العلمي الأميركي متجهة نحو بيزوس وإيزاكمان بعدما حسم إيلون ماسك موقفه من عسكرة الفضاء الأميركي، وانخرط بكامل قوته في النزاعات السياسية الأميركية جنباً إلى جنب مع الرئيس ترمب، وبذلك يبقى المجتمع العلمي الأميركي مُنقسماً إزاء عسكرة الفضاء، ويمكن القول إنه حتى هذه اللحظة، لم يُشكّل مجتمع الفضاء الأميركي موقفاً أخلاقياً موحداً مناوئاً للحرب التي يخوضها ماسك وترمب أمام دول صغيرة مثل فنزويلا وإيران.

ما زال جيف بيزوس صامتاً إزاء لعبة ماسك وترمب السياسية، على رغم أنه يمتلك ثاني أكبر شركة أقمار اصطناعية بعد "ستارلينك" وهي "أمازون ليو"، إلى جانب امتلاكه "بلو أوريجن"، ومن جهة أخرى، الجميع يتساءل: هل ينخرط جاريد إيزاكمان، الرئيس الجديد لـ"ناسا" ضمن حرب الفضاء السيبرانية التي يخوضها ترمب وصديقه المقرّب إيلون ماسك ضد دول عدة حول العالم؟

وفي خبر بقلم مايك وول، نُشر في الخامس من سبتمبر (أيلول) 2025 تحت عنوان "معذرةً يا ستارلينك: جيت بلو تصبح أول شركة طيران تختار أقمار مشروع كويبر" التابعة لشركة "أمازون" لتوفير خدمة الواي فاي على متن طائراتها، أكد مايك أن طائرات "جيت بلو" ستبدأ باستخدام خدمة الواي فاي عبر أقمار "مشروع كويبر" عام 2027، وأن منظومة أقمار "أمازون" الجديدة للإنترنت الفائق السرعة حققت إنجازاً كبيراً.

"أمازون ليو" هو اسم شركة جيف بيزوس للأقمار الاصطناعية، وكان اسمها سابقاً "مشروع كويبر"، وهي مبادرة تابعة لشركة "أمازون" تهدف إلى إطلاق شبكة تضم أكثر من 3200 قمر اصطناعي في المدار الأرضي المنخفض لتوفير خدمة إنترنت عالية السرعة حول العالم، وقد حصلت على الترخيص من هيئة الاتصالات الفيدرالية في الولايات المتحدة، وبدأت الإطلاقات التجريبية ثم التشغيلية لاحقاً. وتأتي هذه الخطوة في إطار منافسة مباشرة مع "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك، بهدف تقديم خدمة إنترنت عالمية بخاصة للمناطق النائية والفقيرة بالبنية التحتية.

ووفق مقال مايك، فإن مشروع "كويبر" وفي مراحله الأولى من الإنشاء، لم يوصل إلى مدار أرضي منخفض سوى 102 من أصل 3200 قمر اصطناعي مخطط له، لكن جميع هذه الأقمار الـ 102 أطلقت خلال أربعة أشهر على متن أربع عمليات إطلاق منفصلة، وأضاف مايك "تخطط الشركة للمضي قدماً بوتيرة أسرع".

بدورها أصبحت "ستارلينك" سلاحاً حربياً رابحاً في يد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فخلافات ماسك مع ترمب انتهت فجأة، وماسك انضم مجدداً إلى لعبة السياسة الأميركية في الهيمنة على العالم من خلال حروب حديثة، أسطول الفضاء الأميركي الخاص الذي يهيمن ماسك عليه أصبح ضمن ترسانة الولايات المتحدة الأميركية الحربية، ويؤدي دوراً حاسماً في زعزعة أعتى الأنظمة العالمية التي لا توافق على سياسة ترمب التوسعية.

أما ميزة أسطول ماسك لدى ترمب فإنه تابع بالكامل لماسك ولا يحتاج إلى قرارات مباشرة من الكونغرس أو مجلس النواب، وذلك على خلاف "ناسا" وشركات الفضاء الأميركية الخاصة التي ترفض – حتى الآن - هذا الدور، وعلى رأسها "بلو أوريجن" لجيف بيزوس. ويظل السؤال هو: هل ينضم بيزوس إلى لعبة ترمب وماسك أم يظل خارج السياق السياسي الذي تحاول "ناسا" الابتعاد عنه مُفضلة التركيز على دورها العلمي.

يعد بيزوس حجر الزاوية الرئيس بعد ماسك في الفضاءين الأميركي والعالمي، وبعامة، يمكن القول إن بيزوس محجم عن الانخراط في لعبة الحروب السياسية الحديثة التي تقوم على الترسانات الفضائية الأميركية، فبيزوس، أفصح أخيراً عن موقفه من حرب النجوم، حين قال "إن الأرض ستكون كوكباً مخصصاً للراحة والاستجمام، فيما الكواكب الأخرى، التي سيستعمرها الإنسان المعاصر، لن تكون سوى مصانع وورشات عمل كبيرة".

قد تقودنا معرفة استراتيجية جيف بيزوس في سباق غزو الفضاء إلى فهم مواقفه من عسكرة الفضاء، فسياسة بيزوس ناعمة وأهم ما يميزه أن خطابه مُوَجّه تحديداً للنخب العلمية و"ناسا"، لذلك أثمر نجاحاً كبيراً للشركة الرائدة في مجال الفضاء الأميركي، إذ تقوم "بلو أوريجن"، الشركة الأميركية الخاصة للفضاء المملوكة لبيزوس، بخطوات صغيرة ناجحة، مما جعلها أهم منافس لشركة إيلون ماسك العملاقة "سبيس إكس".

من جهة ثانية فازت "بلو أوريجن" أخيراً بثقة "ناسا" ودخلت بقوة سباق غزو الفضاء، وبيزوس منشغل بالعمل الخاص في مجاله المُفضل وهو سياحة الفضاء من دون المدارية، إذ تمتاز شركة "بلو أوريجن" بسياسة النفس الطويل في مجال الفضاء. ومن خلال فرصة ذهبية تهيأت لها بعد صراع بين شركتي الفضاء الخاصتين في التنافس على تعاقدات الفضاء الحكومي الأميركي، نجحت "بلو أوريجن" في أن تقوّض بعض نفوذ "سبيس إكس" في الفضاء الأميركي، لذلك من المتوقع أن يظل بيزوس ملتزماً موقع شركته المؤيد لـ"ناسا" ودورها العلمي، بعيداً من التجاذبات الحربية والسياسية.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، تولى إيزاكمان زعامة "ناسا" في وقت حرج للغاية، وفي مقالة بعنوان: "ناسا تلتقي مديرها الجديد" بقلم مارسيا سميث نُشرت بتاريخ الـ20 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أكدت سميث أنه بعد يوم واحد من أدائه اليمين الدستورية كمدير لوكالة "ناسا"، عقد جاريد إيزاكمان اجتماعاً مفتوحاً مع موظفي "ناسا" لتقديم نفسه والإجابة عن استفساراتهم، وأشاد إيزاكمان بالرئيس ترمب، مؤكداً للجميع أن "ترمب داعم قوي لمهمات 'ناسا'، شأنه شأن غيره في البيت الأبيض والكونغرس"، ولكنه أقر بصعوبة الوضع الراهن ومن "عدم اليقين في شأن الميزانية للبرامج العلمية"، مشدداً على ضرورة إنفاق "ناسا" كل دولار تحصل عليه بحكمة بالغة.

خلال الاجتماع المفتوح الذي لم يُبثّ مباشرة والذي عُقد في الـ19 من ديسمبر، واكتفت "ناسا" بنشر فيديو له لاحقاً على "يوتيوب"، وبعد جلستي استماع للتصديق على تعيينه، ونشر وثيقة مشروع "أثينا" الخاصة به من دون إذن منه، مازح إيزاكمان جمهور "ناسا" والمجتمع العلمي الأميركي الذي يترقب تصريحاته قائلاً إن آراءه في مواقف ماسك وترمب والمهمات العلمية باتت معروفة للجميع.

فإيزاكمان، وفق وثيقة "أثينا" التي تعد خطة عمله، يميل باتجاه عدم إقحام الفضاء الأميركي الحكومي في الشؤون الحربية. وأجاب رجل الأعمال والطيار ورائد الفضاء التجاري البالغ من العمر 42 سنة، بشجاعة على مجموعة واسعة من الأسئلة من مختلف مراكز "ناسا" الميدانية، لكن الرسالة العامة كانت أنه "حريص على البدء في التعرف إلى الوكالة من الداخل، ولن يملك كثيراً من الإجابات حتى يفعل ذلك".