النسيان الرقمي: عندما أعطينا "غوغل" مهمة التذكر

المصدر : INDEPENDENT | الجمعة , 16 كانون الثاني | : 101

وجدت دراسة شهيرة أجراها متخصصون في جامعة هارفارد وكولومبيا عام 2011 أنه عندما طلب من المشاركين حفظ معلومة ما، مع علمهم أنها ستحفظ على الكمبيوتر، كان أداء تذكرهم للمعلومة ذاتها ضعيفاً مقارنة بتذكرهم لمكان حفظ المعلومة الذي بدا لافتاً.

يشكو غالبيتنا اليوم من صعوبة تذكر المعلومات على رغم أن بعضها يمر أمامنا بصورة دورية، وفي خضم السيل الجارف من المعلومات التي تطالعنا في كل مكان يعتقد بعضهم أن كثافة التعرض للمعلومات يجعل من الصعب تخزينها، فالعقل لم يسعفه الوقت للتوقف أمام كل معلومة وتخزينها بالآلية الصحيحة، ولكن الحقيقة أن للأمر أبعاداً أخرى تتعلق بكيفية استجابتنا وتفاعلنا من العالم الرقمي الذي يوافر لنا المعلومات، إذ يبدو الأمر وكأنه تفويض كامل لهذا العالم ليصبح المكان الذي نحفظ فيه المعلومات، مستعيضين به عن ذاكرتنا البشرية.

والحقيقة أن محرك البحث "غوغل" أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لدرجة أنه أضيف كفعل جديد إلى قاموس "أكسفورد" الإنجليزي منذ عام 2006، ليشير فعل "google" إلى استخدام المحرك للبحث عن المعلومات على الإنترنت، ومن هنا اصطلح العلماء على تسمية ظاهرة الاعتماد على محركات البحث "تأثير غوغل" أو "فقدان الذاكرة الرقمي. Digital Amnesia"

وتأثير "غوغل" حال من التفويض المعرفي الطوعي، والاعتماد عليه كذاكرة بديلة للذاكرة البشرية الخاصة في حال يميل فيها الدماغ البشري إلى نسيان المعلومات التي يسهل العثور عليها على الإنترنت أو القابلة للبحث، إذ تتلخص الفكرة في تركيز الدماغ على تذكر مكان المعلومة أو طريقة الوصول إليها بدلاً من حفظ المعلومة ذاتها، وهو ما غيّر بصورة كلية الطريقة التي تخزن بها الذاكرة المعلومات، وزاد حال الاتكالية على محركات البحث والأدوات الذكية عامة، إذ يميل المرء بصورة طبيعية إلى إغفال المعلومات التي يعلم أنها ستظل متوافرة لوقت لاحق، وهذه الحال من الإتاحة للمعلومات والوصول السريع والسهل إليها بضغطة زر، جعلت خيار الحفظ بعيداً،  فطالما أن الأجهزة الذكية تحفظ أرقام الهواتف وتواريخ الميلاد والمعلومات وحتى الكتب الرقمية، فما الداعي إلى تحمل عناء حفظها؟ وبكلمات أدق فهي حال من التكيف العصبي مع بيئة معلوماتية جديدة، جعلت من البديهي التعامل مع "غوغل" كذاكرة خارجية، وكأن محركات البحث أصبحت امتداداً لذاكرتنا الشخصية، إذ وجدت دراسة شهيرة أجراها متخصصون في جامعة هارفارد وكولومبيا عام 2011 أنه عندما طلب من المشاركين حفظ معلومة ما مع علمهم أنها ستُحفظ على الكمبيوتر، كان أداء تذكرهم للمعلومة ذاتها ضعيفاً مقارنة بتذكرهم لمكان حفظ المعلومة الذي بدا لافتاً.

وبالرجوع للخلف قليلاً كان البشر يتفاخرون ويتسابقون لاستعراض قدرتهم على الحفظ، وربما من هنا برزت فكرة برامج المسابقات التي تختبر قوة حفظ المعلومات وسعة الاطلاع، فما نفع المعلومة أياً كانت ما لم تسبر أغوارها عمليات التفكير والتحليل والحفظ، ليجري هذا كله ضمن الآلية الدقيقة المذهلة التي يتبعها الدماغ البشري، ولذا يمكننا اعتبار هذا "النسيان الرقمي" ظاهرة نفسية معرفية إذا ما التقطنا مظاهرها الخارجية واضحة في السلوك والمشاعر على المستوى النفسي، إضافة إلى عواقبها الداخلية العميقة على المستوى البنيوي، وفي عمق وظائف العمليات العقلية.

ويمكن أن نلاحظ هذا التأثير جلياً في مستوى النقاشات اليومية، إذ أصبح الاندفاع نحو البحث على "غوغل" رد فعل غريزياً وسريعاً نلجأ إليه عوضاً عن استدعاء المعلومة التي يفترض أنها مخزنة في الذاكرة، وغالباً ما يتوقف النقاش للتحقق من معلومة ما باستخدام الهاتف، لكن الخطر الأكبر يكمن في امتداد هذه الممارسات لتصبح بين الطلاب وتنعكس على طريقة تلقيهم للمعلومات والتعامل معها، عندما ينصب تركيزهم على الاعتماد على البحث السريع عن الإجابات بدلاً من بناء فهم تراكمي للموضوع أو المادة ككل.

لا شك في أن انفتاحاً كبيراً في الإمكانات رافق ظهور الإنترنت، في ما يتعلق بنوعية المعلومات التي يمكننا الوصول إليها، لكن في الوقت ذاته هددت هذه الإتاحة شكل تفاعلنا مع العالم وعمقه، فالتفاعل لابد من أن يغدو سطحياً ما لم تنتقل المعلومات الواردة لترسخ في أذهاننا كمعرفة دائمة، ليسيطر النسيان الرقمي ويترك آثاره البالغة في طرق تعلمنا وحلنا المشكلات واتخاذ القرارات واسترجاع المعلومات، وفي هذا الصدد أشارت كثير من الدراسات إلى الآثار والعواقب السلبية المترتبة على الاعتماد المتزايد على العالم الرقمي، في ما يخص القدرات المعرفية مثل انخفاض مدى الانتباه وزيادة القلق وتراجع الأداء في المهمات المعرفية والمهارات الاجتماعية.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكذلك فإن الاعتماد الدائم على مصادر خارجية قد يضعف عضلة التذكر والربط بين المفاهيم داخل عقولنا ويغذي الوهم المعرفي، فقد تولد مقدرتنا في الوصول إلى المعلومات شعوراً بأننا نعرف أكثر، في حين تكون معرفتنا الفعلية ضحلة، وكذلك يمكن أن تؤدي هذه الاعتمادية إلى التقليل من مجهود التفكير المستقل أو التشكيك في المعلومة نظراً إلى كون الإجابة متوافرة على الدوام بنقرة زر، مما يدل على أن ظهور محركات البحث قد يؤثر في موثوقية ذاكرتنا المعرفية، والأخطر من ذلك كله أنه يمكن لسهولة الوصول إلى المعلومات عبر الإنترنت أن تقلل من احتمال تطويرنا للمهارات أو اكتسابنا المعرفة بصورة عامة، إذ يبحث الناس عن معلومات مفصلة أو ملخصات بسيطة بدلاً من تخصيص الوقت لإجراء بحث معمق في المواضيع، مما يؤدي إلى فجوات كبيرة في الفهم، ويمكن أن تظهر المشكلة بوضوح بمجرد انقطاع الاتصال لتبدو القدرة على العمل أو التفكير من دون اتصال بالإنترنت محدودة ومقيدة، وقد يتوقف العمل تماماً لحين عودة الاتصال.

ولكن كيف السبيل إلى تجنب هذه التأثيرات السلبية، إذ من غير الوارد اقتراح التوقف عن استخدام "غوغل" بأي حال من الأحوال، فمهماتنا في غالبيتها تتطلب منا البحث عن المعلومات عبر الإنترنت، ومع ذلك علينا أن نتذكر أن هناك طرقاً أفضل لتوسيع معرفتنا تتجاوز محركات البحث، وأول ما يمكننا فعله هو إضافة مصادر وطرق أخرى لجمع المعلومات، مثل الاستعانة بكتاب أو طباعة مستند بدلاً من قراءته على الشاشة، إضافة إلى تجنب اللجوء مباشرة إلى الإنترنت طلباً للمساعدة عند محاولة تذكر معلومة ما، والاستعانة بذاكرتنا لتنشيطها أثناء البحث عن الإجابة، وكذلك يمكن لتدوين الملاحظات بخط اليد أن يساعد بقوة في تخزين المعلومات في ذاكرتنا طويلة المدى، لأن السؤال الأهم الآن لا يدور حول احتمال وجود هذا التأثير، بل حول كيفية الاستفادة من الأدوات القوية الموجودة بين أيدينا من دون أن تضعف قدراتنا المعرفية الأساس، والأمر يتعلق دائماً بإيجاد التوازن بين استخدام الإنترنت كأداة تعزيز وتطوير، مع الاعتماد على عقولنا كأساس للتفكير النقدي والفهم الحقيقي.