كيف حولت الهواتف الذكية الحرب في إيران إلى برنامج مسابقات؟

المصدر : INDEPENDENT | الخميس , 12 أذار | : 160

حولت الحرب في إيران هواتف الناس ومنصتهم إلى مسرح ترفيهي مرعب: ميمات رسمية، ومقاطع مزيفة بالذكاء الاصطناعي، ومراهنات بملايين الدولارات على مصير قادة ودول. وبينما تتلاشى الحدود بين الحقيقة والخيال، تتعاظم أرباح من يتاجرون بالدمار وتضيع مأساة البشر خلف الشاشات.

على الشاشة، تظهر شخصية افتراضية في لعبة فيديو إلكترونية وهي تجهز سلاحها للإطلاق، قبل أن تصدر أمراً بشن ضربة نووية كاسحة عبر جهاز لوحي.

كانت تلك مقتطفات من لعبة "كول أوف ديوتي: مودرن وورفير 3" Call of Duty: Modern Warfare III، وبعد ثوان معدودة، تظهر لقطات حقيقية لمقاتلات أميركية تقلع من حاملات طائرات في الشرق الأوسط، وقاذفات تدك أهدافاً في إيران، وذلك كله على وقع موسيقى للفنان والممثل الأميركي تشايلديش غامبينو.

لم يكن هذا المقطع من نتاج حساب "ميمز" أو "ميمات" أخذته الحماسة، بل صدر عن البيت الأبيض نفسه. وبحلول يوم الأحد، كان الفيديو قد تجاوز حاجز الـ50 مليون مشاهدة على منصة "إكس" (تويتر سابقاً).

كان ذلك الصخب الرقمي بعيداً كل البعد من الواقع المأسوي الذي يشهده الشرق الأوسط، ففي الأسبوع ذاته أشار محققون عسكريون إلى احتمال مسؤولية القوات الأميركية عن ضربة استهدفت مدرسة للفتيات في إيران، أسفرت عن مقتل عشرات منهن. ووفق "الهلال الأحمر"، قتل أكثر من 1300 شخص في إيران منذ اندلاع الحرب، بينما فقدت الولايات المتحدة ستة من جنودها في هجمات إيرانية انتقامية.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبينما ترزح المنطقة تحت وطأة الدمار والمعاناة، تراهن حسابات على الإنترنت بمئات الملايين من الدولارات على مستقبل الشرق الأوسط عبر منصات مراهنات تنبؤية ذات طابع سوداوي، من قبيل "بوليماركت" Polymarket [منصة تعمل بالعملات المشفرة وتتيح توقع النتائج السياسية والاقتصادية]. وفي الوقت نفسه، تجتاح الفضاء الرقمي مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي عن الحرب انتشار النار في الهشيم.

ويرى خبراء أن هذا السلوك يعكس صورة مجتمع يزداد تبلداً تجاه مآسي الحروب، إذ تختلط الصور الحقيقية للمعاناة بـ"الميمات" والمحتوى الترفيهي ومنشورات أساليب حياة الناس اليومية في خلاصات وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.

يقول إيان أوفرتون، مدير منظمة "أكشن أون آرمد فايلنس" [المعنية بمراقبة أثر النزاعات المسلحة على المدنيين]: "إننا نشاهد عبر تسجيلات كاميرات المسيرات الملامح الأخيرة لوجه إنسان قبيل مقتله داخل خندق في أوكرانيا، أو تردنا مشاهد مروعة من غزة. لقد أصبحنا نرى الحرب في أدق خصوصياتها وبشاعتها، وبصورة لم نألفها سابقاً".

ويضيف أوفرتون "بدأ هذا المسار يتشكل تدريجاً منذ حرب الخليج عام 1990، حينما شرعت نشرات الأخبار المسائية في عرض لقطات مشوشة لمشاهد الموت، كانت تصلها ضمن بيانات صحافية صادرة عن الجيش الأميركي".

ومع مرور الوقت، أصبحت مقاطع الموت في ساحات القتال تحظى بانتشار واسع، في ظل غياب أية رقابة أو ضوابط تحول دون وصول مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى هذا المحتوى الصادم.

ويستطرد أوفرتون: "صار بإمكان الناس متابعة الحرب عن قرب عبر هواتفهم وهم جالسون على الأريكة في غرفة المعيشة، وفي الوقت نفسه، غدت التفاصيل التي نراها عن الصراع أكثر دقة ووضوحاً من أي وقت مضى".

وخلال الأسبوع الماضي، نشر البيت الأبيض مقطعاً يجمع بين لقطات لضربة جوية تنفذها طائرة درون و"ميم" لشخصية "سبونج بوب"، وهي تكرر جملة: "أتريدون رؤيتي أكررها؟".

وليست هذه الاستراتيجية وليدة الحرب، مثلاً في يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت صورة معدلة بالذكاء الاصطناعي تظهر اعتقال امرأة بتهمة تدبير "أعمال شغب في الكنائس" بمينيسوتا، الولاية التي شهدت مقتل مواطن أميركي برصاص عناصر "وكالة الهجرة والجمارك" (آيس). وعلى رغم موجة الغضب التي فجرها نشر تلك الصورة المفبركة، جاء رد المتحدث الرسمي مقتضباً ومستفزاً: "سنستمر في نشر الميمات".

ولكن يرى خبراء أن لجوء جهات رسمية، مثل البيت الأبيض، إلى استخدام "الميمات" والذكاء الاصطناعي يقوض صدقيتها، ومع بلوغ أزمة الثقة بالمؤسسات ذروتها، يجد الجمهور صعوبة بالغة في الوصول إلى معلومات دقيقة حول الحرب.

لم تسلم "غوغل"، أكبر مصدر للمعلومات في العالم، من موجة الانتقادات، إذ حذرت منصة "نيوزغارد ريالتي تشيك" NewsGuard Reality Check أخيراً من أن أداة البحث العكسي عن الصور في "غوغل"، والمستخدمة على نطاق واسع للتحقق من المحتوى، باتت "تنتج ملخصات مضللة عبر الذكاء الاصطناعي لصور مفبركة مرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران".

وقد رصدت المنظمة المعنية بالتحقق من الأخبار المزيفة أربع حالات كرر فيها نظام "إيه آي أوفرفيوز" من "غوغل" Google AI Overviews معلومات مضللة واسعة الانتشار حول الحرب، عند استخدام ميزة البحث العكسي عن الصور للتحقق من صورة معينة.

في أحد الأمثلة، أعادت حسابات موالية لإيران نشر فيديو يعود لعام 2015، زاعمة أن صاروخاً إيرانياً استهدف مبنى "وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية" (سي أي إيه) في دبي. وعندما حاول نظام "إيه آي أوفرفيوز" من "غوغل" وصف الصورة، أعاد إنتاج المعلومات المضللة بطريقة غير دقيقة، إذ أورد أن الصورة تظهر حريقاً في برج سكني بدبي، الإمارات، وقع في الأول من مارس (آذار) 2026 نتيجة التوترات الإقليمية.

وظهرت تقارير متضاربة في شأن سبب الحادثة، إذ يشير بعض المصادر إلى ضربة نفذتها طائرة مسيرة، بينما تقول مصادر أخرى إن المبنى منشأة استخبارية محددة.

وبحسب منصة "رياليتي تشيك" Reality Check، يوثق الفيديو حريقاً اندلع في برج سكني بمدينة الشارقة الإماراتية وليس في دبي.

وفي الوقت نفسه، وسعت منصات المراهنات التوقعية [منصات إلكترونية للمراهنة على نتائج أحداث مستقبلية] من قبيل "كالشي" Kalshi و"بوليماركت" Polymarket نطاق المراهنات، فانتقلت من الرياضة والأسهم إلى سوق أكثر هشاشة وخطورة: الجيوسياسة.

هكذا، يتداول الناس ملايين الدولارات في مراهنات وتوقعات تشمل كل شيء، بدءاً من هوية المرشد الأعلى القادم في إيران، وصولاً إلى أدق التفاصيل الميدانية، مثل الموعد المحتمل للموجة التالية من الضربات العسكرية عليها.

وقد دفع الانتشار الواسع لأسواق المراهنات التوقعية في منطقة الشرق الأوسط منصة "بوليماركت" إلى إصدار بيان يوضح الدور الذي يمكن أن تؤديه في استشراف مآلات الحرب، وجاء فيه: "الغرض من أسواق التنبؤ توظيف حكمة الجمهور لتقديم توقعات دقيقة وموضوعية حول أهم الأحداث تأثيراً في حياة المجتمعات".

وتابع البيان "تكتسب هذه القدرة أهمية خاصة في أوقات عصيبة كالتي نعيشها اليوم، فبعد أن تحدثنا إلى أشخاص تضرروا مباشرة من الهجمات، وكانت لديهم عشرات الأسئلة، أدركنا أن أسواق التنبؤ يمكن أن توفر لهم الإجابات التي يبحثون عنها بطرق تعجز عنها نشرات الأخبار التلفزيونية ومنصة إكس".

ومع ذلك، تتزايد الشكوك حول احتمال وقوع تداولات قائمة على معلومات داخلية [غير متاحة للعامة لتحقيق أرباح]، وذلك بعد رهانات بدت محظوظة على نحو غير معتاد في شأن اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، بل وحتى رهان حديث على مصير المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي قتل في ضربة إسرائيلية.

تحدث في هذا الشأن نيل شيرينغ، الزميل المشارك في "برنامج الاقتصاد والتمويل العالمي" في "مركز تشاتام هاوس"، وكبير الاقتصاديين في شركة "كابيتال إيكونوميكس"، فقال في تصريح إلى "اندبندنت" إن "هذه الأسواق لا تخضع لضوابط تنظيمية مماثلة للضوابط المعمول بها في الأسواق المالية، مما يجلب معه بعض الأخطار".

وأوضح "هذه الحال تترك تلك الأسواق عرضة لاحتمال التداول بناء على معلومات داخلية، بمعنى استخدام بيانات غير معلنة أو معلومات خاصة لتحقيق أرباح من نتائج حوادث معينة، وهو سلوك غير ممكن، أو غير قانوني، في حالة الشركات المدرجة في البورصة".

وقد حقق مستخدم يعرف باسم "ماغامايمان" Magamyman أرباحاً تجاوزت 553 ألف دولار من رهانات على منصة "بولي ماركت" في شأن إيران ومصير علي خامنئي، وذلك قبل أكثر من ساعة من ذيوع خبر وفاته رسمياً، وفي وقت لم تكن تتجاوز فيه احتمالات حدوث ذلك على المنصة 17 في المئة فقط. ومع ذلك، لا يتوفر أي دليل على أن المستخدم استفاد من معلومات داخلية.

ودعا النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، مايك ليفين، الكونغرس إلى التحقيق في مزاعم التداول بناء على معلومات داخلية.

وتساءل عبر منصة "إكس": "ثمة أسئلة جوهرية تطرح نفسها: من كان يملك تلك المعلومات؟ وكيف حصل عليها؟ والأهم من ذلك، لماذا أوقفت التحقيقات الجارية من وزارة العدل و’هيئة تداول السلع الآجلة‘ CFTC في شأن منصة ’بولي ماركت فور‘ بمجرد تولي إدارة ترمب مقاليد السلطة؟".

من جانبها، تواصلت "اندبندنت" مع مسؤولين في "بولي ماركت" و"غوغل" و"هيئة تداول السلع الآجلة" للحصول على تعليقات في هذا الشأن.

وبطبيعة الحال، ومع استمرار الحرب، سيتواصل تدفق المعلومات المضللة والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، مما يشوه الرؤية حول حقيقة الصراع، ويعمي بصيرة جيل جديد عن فداحة المعاناة القابعة خلف الشاشات. والأسوأ من ذلك، كما يقول أوفرتون، أن ثمة من سيجني الأرباح من أشلاء الموت وحطام الدمار.

ويختم أوفرتون متسائلاً: "إذا صرنا نتربح من موت الآخرين، فكيف سيؤثر ذلك في إدراكنا العلاقة بين التربح المادي وكرامة الإنسان؟".

© The Independent