المرأة الكويتية ترسّخ نموذجاً ريادياً حوّل قيم الفزعة لمؤسسات إنسانية عابرة للحدود
الكويت-سانا
يشكل العمل التطوعي جزءاً أصيلاً من مسيرة المرأة الكويتية منذ عقود طويلة، إذ بدأت ملامحه الأولى في المجالس النسائية “شاي الضحى” ودواوين النساء، انطلاقاً من قيم التكافل والتراحم ومساندة المحتاجين، قبل أن يتطور مع الزمن إلى عمل مؤسسي منظم أسهمت المرأة في ترسيخ دعائمه وتعزيز حضوره في المجالات الخيرية والإنسانية والتنموية.
وذكرت وكالة الأنباء الكويتية “كونا” في تقرير اليوم الجمعة، أن دور المرأة الكويتية اتسع مع تعاقب الأزمات والمحن من المبادرات الاجتماعية المحلية إلى المشاركة في مواجهة التحديات الإنسانية، لتتحول جهودها من عطاء فردي تحركه روح النجدة إلى عمل تطوعي مؤسسي وشريك فاعل في المنظومة الإنسانية والمجتمعية، مدعوماً بسياسات وطنية وشراكات مع منظمات إقليمية ودولية.
وأشارت إلى أن المرسوم الأميري الصادر عام 2004 بإنشاء مركز العمل التطوعي شكّل محطة مهمة في ترسيخ منظومة العمل التطوعي المؤسسي في الكويت، من خلال تشجيع المشاركة في المشروعات التطوعية والتدريب عليها والتعريف بها.
وتظهر المؤشرات الحالية حجم حضور المرأة في هذا المجال، إذ تشكل نحو 74.5 بالمئة من العاملين في القطاع الإغاثي في الكويت، فيما تشغل نحو 26 بالمئة من مناصب رؤساء الجمعيات الخيرية وقرابة 25 بالمئة من مقاعد مجالس إدارتها، ما يعكس حضوراً مؤثراً للمرأة في العمل الإنساني والخيري.
وامتد هذا الدور منذ بدايات تأسيس الدولة، من التبرع لبناء المساجد والكتاتيب ودعم التعليم والأوقاف والوصايا الخيرية، إلى تنظيم حملات الحج النسائية والتطوع في مجالات العلاج ونشر الثقافة والعلوم، وصولاً إلى الإسهام في إنشاء المراكز الصحية والمستشفيات.
وبحسب التقرير، تجاوز عدد النساء الكويتيات اللواتي تطوعن قديماً لإنشاء وإدارة كتاتيب التعليم 80 متطوعة، فيما بلغت مساهمات المرأة في الوقف الخيري نحو 224 وقفاً من أصل 440 وقفاً.
وأكدت رئيسة مركز العمل التطوعي الشيخة أمثال الأحمد الجابر الصباح أن جذور العمل التطوعي في الكويت ترتبط بطبيعة المجتمع القائمة على “الفزعة والنخوة” والتكاتف بين أفراده، مبينة أن المرأة شاركت منذ مراحل مبكرة في خدمة المجتمع كلٌّ وفق استطاعته.
واستذكرت الصباح مشاركة النساء في بناء السور الثالث للكويت، حيث كان الرجال يتولون أعمال البناء خلال شهر رمضان، فيما كانت النساء يجهّزن الإفطار والسحور ويوفّرن المياه للمشاركين، معتبرة ذلك نموذجاً مبكراً للتعاون والعمل التطوعي المجتمعي.
وأشارت الصباح إلى نماذج أخرى، منها السيدة سبيكة الخالد التي تبرعت بمنزلها لتوسعة المدرسة المباركية عام 1911، والسيدة شاهة الحمد الصقر التي تبرعت بدكان ليكون مقراً للمكتبة الأهلية، إضافة إلى مساهماتها في دعم القضية الفلسطينية، مؤكدة أن هذه المبادرات تعكس إسهامات المرأة الكويتية في مجالات التعليم والعمل الخيري وخدمة القضايا الإنسانية.
وامتد العطاء النسائي الكويتي إلى خارج البلاد، إذ لفتت الأحمد إلى أن أول بعثة نسائية كويتية إلى مصر عام 1956 تزامنت مع العدوان الثلاثي، فبادرت عضوات البعثة إلى التطوع في المستشفيات المصرية والمساعدة في علاج الجرحى والمصابين، في صورة عكست امتداد روح “الفزعة الكويتية” إلى خارج حدود البلاد.
ومع تطور الدولة، انتقل العمل التطوعي من نطاق الأسرة والجيران والأصدقاء إلى العمل المنظم والمؤسسي، وكان النشاط المدرسي الذي بدأ عام 1957 إحدى المحطات المهمة في هذا المسار، قبل أن تتوسع التجربة مع تأسيس الجمعيات النسائية.
وأكدت الأحمد أن المرأة الكويتية كانت شريكاً أساسياً في النهضة التعليمية والاجتماعية وتأسيس ملامح الدولة الحديثة، مستذكرة دور مريم عبد الملك الصالح، التي تعد أول معلّمة في تاريخ الكويت، ولولوة القطامي التي درست في الخارج وعادت إلى الكويت وأسهمت في تطوير التعليم وتولت رئاسة كلية البنات في جامعة الكويت.
وأوضحت أن التعليم والعمل التطوعي يرتبطان ارتباطاً وثيقاً، إذ يسهم ارتفاع مستوى الوعي والتعليم في تعزيز قدرة الفرد على خدمة مجتمعه بصورة أكثر تنظيماً، وهو ما ظهر في حملات محو الأمية التي انتقلت فيها المرأة من متلقية للتعليم إلى مساهمة في تعليم النساء وخدمة المجتمع.
ودعت إلى تعزيز ثقافة التطوع في المناهج والأنشطة المدرسية، وتشجيع الطلبة على المشاركة في الأعمال التطوعية، واحتساب ساعات التطوع ضمن الرصيد الدراسي، بما يعزز قيم العطاء والمواطنة والمسؤولية المجتمعية.
من جهتها، أكدت الرئيسة الفخرية للجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية لولوة القطامي أن المرأة الكويتية اضطلعت منذ وقت مبكر بدور فاعل في العمل الاجتماعي والخيري.
وأوضحت أن تجربتها بدأت خلال دراستها الجامعية في مدينة إدنبرة الاسكتلندية، حيث انضمت إلى اتحاد الطلبة وتعرفت من خلاله على العمل الاجتماعي وخدمة الفئات المحتاجة، قبل أن تعود إلى الكويت في ستينيات القرن الماضي وتعمل مدرّسة للغتين الإنكليزية والفرنسية في ثانوية المرقاب.
وأشارت إلى أن الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية، التي تأسست عام 1963، بدأت عملها بتعليم النساء القراءة والكتابة، بعد أن كشف الإقبال على الانتساب إليها عن ارتفاع نسبة الأمية بين النساء آنذاك، ثم أنشأت حضانة مجانية للأطفال في منطقة كيفان باسم “حضانة البستان” لخدمة أبناء المرأة الكويتية العاملة.
وشملت مبادرات الجمعية تنظيف الشوارع والأرصفة في عدد من مناطق الكويت، قبل أن يتوسع نشاطها إلى المجال الإنساني خارج البلاد، ولا سيما في رعاية الأطفال.
ولفتت القطامي إلى إنشاء الجمعية قرية لرعاية الأطفال في منطقة كسلا السودانية على أرض مساحتها 50 فداناً، حملت اسم “قرية حنان الكويتية”، وشملت رعاية الأطفال وحفر آبار المياه وإقامة مشاريع إنتاجية، إلى جانب مبادرات أخرى لرعاية الأطفال الفلسطينيين في لبنان ودعم مبادرة هند الحسيني في القدس.
كما استذكرت القطامي مبادرة “كيس المحارب” التي أطلقتها الجمعية عقب حرب عام 1967، وجهزت خلالها نحو ألف كيس احتوى على احتياجات شخصية للجنود، وتوجهت مع عدد من المتطوعات إلى الجولان العربي السوري لتسليم المساعدات.
بدورها، أكدت رئيسة الجمعية الكويتية لرعاية المعوقين سبيكة الجاسر أن دور المرأة الكويتية لم يقتصر على تقديم المساعدات، بل امتد إلى تأسيس المبادرات وقيادة مؤسسات النفع العام وتطوير الخدمات والبرامج الموجهة للفئات الأكثر احتياجاً.
وقالت الجاسر: “إن العمل التطوعي يمثل مسؤولية وطنية وعملاً تنموياً مؤسسياً يهدف إلى تمكين الإنسان وتنمية قدراته وتعزيز حقه في التعليم والاستقلال والمشاركة في المجتمع”.
وأوضحت الجاسر أن المرأة الكويتية أسهمت في مجالات التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية ورعاية الأشخاص ذوي الإعاقة ودعم الطفولة والأسرة والعمل الوقفي والخيري، إضافة إلى تأسيس الجمعيات والمراكز المتخصصة وإدارة البرامج الإنسانية وتأهيل الكوادر وبناء الشراكات.
وذكرت الجاسر أن تجربتها في العمل التطوعي بدأت عام 1984 من خلال الجمعية الكويتية لرعاية المعوقين، حيث تركز العمل على تطوير الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة والانتقال بها من مفهوم الرعاية التقليدية إلى منظومة تقوم على التعليم والتأهيل والتمكين والاستقلالية.
وأشارت إلى إسهامها في إدخال برنامج “ماكتون” للتواصل اللغوي إلى الكويت والعمل على تعريبه وتطوير مواده، إضافة إلى المساهمة في تأسيس برنامج “بورتج” للتدخل المبكر عام 1997، بما عزز الشراكة مع الأسرة في عمليات التقييم والتدريب والتأهيل.
وأكدت الجاسر أن المرحلة الحالية تتطلب جيلاً جديداً من النساء يجمع بين المبادرة والمعرفة والتخصص والقدرة على القيادة، والانتقال بالعمل التطوعي من المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي القائم على التخطيط والحوكمة وقياس الأثر.
وسجلت المرأة الكويتية حضوراً بارزاً خلال الأزمات والكوارث والحروب، سواء من خلال المبادرات المحلية أو الحملات الموجهة لمساندة الشعوب المتضررة، إضافة إلى تشكيل لجان نسائية لدعم القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
وعلى المستوى المحلي، شاركت النساء في اللجان التطوعية التي ساعدت الأسر المتضررة من السيول التي عرفت باسم “سنة الهدامة” وأدت إلى هدم مئات المنازل.
وخلال الغزو العراقي للكويت، اضطلعت المرأة بأدوار متعددة في المقاومة وتنظيم الفعاليات الإعلامية والتظاهرات في الخارج، كما تطوعت في الهلال الأحمر الكويتي والجمعيات المختلفة، وقدمت الدعم النفسي والاجتماعي والإعلامي، وشاركت في لجان الدعوة إلى تحرير الكويت التي تشكلت في دول مجلس التعاون الخليجي وعدد من دول العالم.
كما كان للمرأة حضور فاعل خلال أزمة فيروس كورونا عام 2020، حيث شاركت في القطاعات الصحية والتعاونية والهندسية وغيرها، وأسهمت في فرق فحص القادمين إلى الكويت وحملات المسحات العشوائية، وتقديم الإرشادات المتعلقة بالوقاية والتعقيم، ودعم عمليات تصنيع الأقنعة الطبية.
ولا تزال اللجان النسائية في جمعيات النفع العام والجمعيات والمبرّات الخيرية تشكل رافداً رئيسياً للعمل التطوعي في الكويت، حيث تأسس الاتحاد الكويتي للجمعيات النسائية عام 1994 بهدف تمثيل الجمعيات النسائية والتنسيق بينها وتعزيز علاقاتها بالاتحادات الخليجية والعربية والدولية المعنية بالمرأة.
وسجلت الجمعيات النسائية الكويتية حضوراً في المشهد الدولي، إذ أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” في حزيران 2022 جمعية السدو التعاونية الحرفية الكويتية منظمة استشارية غير حكومية.
كما حصلت نساء كويتيات على جوائز وأوسمة تقديراً لإسهاماتهن الإنسانية، من بينها فوز هند الهاجري في شباط الماضي بجائزة “صناع الأمل” التابعة لمؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، تقديراً لجهودها في خدمة الأطفال الأيتام في البيئات الفقيرة، وتكريم موضي السلطان عام 2005 من مجلس أمناء جائزة نوبل ضمن ألف امرأة على مستوى العالم، تقديراً لأكثر من سبعة عقود أمضتها في العمل التطوعي والإنساني وخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويستند العمل التطوعي في الكويت اليوم إلى إطار قانوني، من خلال القانون رقم 49 لسنة 2024 بإصدار النظام القانوني الموحد للعمل التطوعي بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولائحته التنفيذية الصادرة بالقرار الوزاري رقم 112 لسنة 2025.
وأكدت الشيخة أمثال الأحمد أن مركز العمل التطوعي وضع استراتيجية وطنية للعمل التطوعي وتبنّى الجانب التكنولوجي والابتكاري من خلال منصة العمل التطوعي، مشيرة إلى أن الكويت كانت سبّاقة في طرح فكرة الاستراتيجية الوطنية للعمل التطوعي على مستوى دول مجلس التعاون.
وتعكس المسيرة الممتدة للمرأة الكويتية في العمل التطوعي قدرة المجتمع على تحويل قيم “الفزعة” والتكافل المتوارثة إلى عمل مؤسسي مستدام، يجمع بين المبادرة الإنسانية والتخصص والقيادة، ويواصل دوره في خدمة المجتمع ومساندة الفئات الأكثر احتياجاً داخل الكويت وخارجها.